عاجل

نحو بث الروح في حضارتنا المعاصرة

 محادثة
Euronews logo
المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر يورونيوز
حجم النص Aa Aa

د محمد غاني، كاتب – المغرب-

لا يختلف حصيفان على أن كل وليد له مسار حياة يتبعه، ينتقل من مرحلة الإرضاع فالطفولة، ثم مرحلة الفتوة فالكهولة، ختما بمرحلة الهرم، فهل يا ترى ينطبق نفس المعنى على حضارات الأمم؟ باعتبارها كائنات جمعية تنمو في مراحل من مرحلة البربرية و البداوة إلى أن تصل الى أعلى مراتب الرقي و التقدم و الثقافة؟ فإن كانت الإجابة بنعم، فهل يمكن بعث روح الشباب من جديد في حالة الشيخوخة الحضارية التي يغلب في مرحلتها تلك حالات الوهن و الضعف و التراخ و العجز؟ و هل هذا هو المقصود بالدورة الحضارية ؟ و وما هو الطابع الغالب على الفعل الحضاري هل هو العقل أو الفكر أو الأخلاق؟ و على ما يتوقف مستقبل كل حضارة لتضمن الاستمرارية؟

أن نجعل موضوع بؤرة حديثنا و تفكيرنا في حضارتنا هو أمر بديع للغاية، لانه يتعلق بجوهر وجودنا الانساني، ذلك ان كل تفكير في مشكلة الانسان هو تفكير في مشكلة الحضارة، كما يذهب الى ذلك مالك بن نبي1، و كيفية الحفاظ عليه في رأس ماله، و إن كان صغيرا، و محاولة تنميته و تطويره، بمعنى أننا ينبغي ان نركز كلى كيفية التنمية الحضارية و الوسائل الناجعة لبلوغ ذلك المرمى، لاننا حينذاك نحافظ على النوع البشري ككل، في محاولة مستمرة للتطوير محاولين الحفاظ على القوة الحضارية في حال بلوغها ما أمكن حتى تدوم في الزمان ما شاء الله لها أن تدوم.

لا شك أن حياة كل كائن لا تتم بدون روح تسري فيه و إلا بقي الهيكل فارغا إلى أن يبلى، نفس الأمر ينطبق على كل مولود حضاري فإن تأملنا تاريخ الحضارات السابقة نستشف هذا المعنى بوضوح، فالأمم تبقى قوية بأخلاقها كما ذهب الى ذلك الفيلسوف الألماني ألبرت شفايتسر، لكن شفايتسر حين يذكر الأخلاق لا يقصد معناها السطحي الذي يتبادر إلى ذهن أغلبنا من سلوك قويم و معاملات حسنة، بقدر ما يقصد الفكر العقلي و الفلسفة الروحية الكامنة وراء ذلك السلوك و الا كان سلوكا أجوفا، ففي نظره تبين له بعد البحث العميق في مشكلة الحضارة أن" الحضارة في جوهرها أخلاقية"2، أما ما اعتاد المفكرون تحديد الحضارة به، من انها مجموع الأعمال المبتكرة للانسان و الفنية منها و العقلية و المادية "ما هي الا ظروف مصاحبة للحضارة و لا شأن لها بجوهرها"3 و لذلك ف"سعادة الانسانية لا يمكن أن تقوم الا على القوانين الروحية"4.

يقصد شفايتسر بنظر ثاقب بذلك انه لا سعادة للانسان الى بتطوير نظرية واعية بالكون و بحقيقة السياق الانساني في هذا الوجود "فان الاعتقاد العام في هذه الأيام، سواء لدى المتعلمين أو غيرالمتعلمين، هو أن الانسانية ستتقدم على نحو مَرضي تماما دون حاجة الى أي نظرية في الكون على الاطلاق، و الواقع أن كل تقدم انساني يتوقف على تقدمه في نظريته في الكون"5.

وهو يوافق كلا الفيلسوفين أليكس كارليل في كتابه الانسان ذلك المجهول و طه عبد الرحمن في كتابه سؤال الاخلاقي حيث يذهب الأول الى أن " الحضارة العصرية تجد نفسها في موقف صعب لأنها لا تلائمنا، فقد أنشئت من غير معرفة حقيقية بطبيعتنا، إذ أنها تولدت من خيالات الاكتشافات العلمية و شهوات الناس و أوهامهم و نظرياتهم و رغباتهم، و بالرغم أنها أنشئت بجهودنا فإنها غير صالحة بالنسبة لحجمنا و شكلنا"6، و يعلن طه عبد الرحمن هذا المعنى بقوله " ”ما أشد غفلة الانسان الحديث ، حتى كأنه على ظاهر تقدمه العلمي و التقني الهائل انسان جهول ؟ ألا ترى كيف أنه يقدم قليل النفع على كثيره، إن لم يقدم صريح الضرر على صحيح النفع كما يفعل الجهلة من الخلق؟ و هل في الضرر أسوأ من أن يدعو الى حقوق و حظوظ تخرجه من رتبة الانسانية و تنزل به الى درك البهيمية، محتجا في ذلك أنه يتبع طريق العقلانية الواضح الذي هو وحده عنوان الانسانية؟ لكن لو كان ما يدعيه هذا الانسان صحيحا، فيا ترى كيف بالطريق العقلاني الذي يتبعه يفضي به الى نقيض مقصوده؟”7.

إن صناعة السلام في عصرنا الراهن تجد راهنتيها من حاجة الانسان الملحة الى روح للتقانة و قلب للحضارة من اجل اعادة الروح فيها ، لا أن يعيش وسط تقانة جوفاء و عولمة خواء، بمعنى أن تخليق و بناء الانسان هو سبيل تلجيم التقانة و توجيهها لمصلحة الانسانية لا لمصلحة كل دولة على حدة، ذلك أن صراع الانسانية فيما بينها صراع مصالح بالدرجة الأولى ولن تجد الانسانية السلم الا ببناء الانسان فردا فردا ، فإن تم ذلك وصل الى تخليق الدول و تلجيم جموح ركوب خيول المصالح بلجام القيم الأخلاقية الكونية المبثوثة أصلا في "الذاكرة الأصلية للإنسان" و التي يقصد بها د طه عبد الرحمن في كتابه الجميل "روح الدين" الفطرة، و الفطرة في نظرنا هي الأخلاق و المبادئ و الأسماء كلها التى علمها الله الانسان في الأزل.

ان الرجوع الى الذاكرة الروحية للإنسان هو سبيل تحقيق السلم داخل الانسان فإن تحقق السلم الداخلي الفردي تحقق بالضرورة السلم الجمعي.

يقرر شفايتسر ان"الحضارة تنشأ حين يستلهم الناس عزما واضحا صادقا على بلوغ التقدم و يكرسون أنفسهم تبعا لذلك لخدمة الحياة و خدمة العالم، و في الاخلاق وحدها نجد الدافع القوي الى مثل هذا العمل"8.

و للتأكيد على أن نظرة شفايستر للاخلاق تتجاوز سطحية تفكير العامة في فهم الاخلاق نجده يصدح قائلا "لكن لا سبيل الى اقناع الناس بحقيقة توكيد الحياة و الدنيا و بالقيمة الصادقة للأخلاق – لا سبيل الى اقناعهم عن طريق الدعوة و الوعظ، بل لا بد أن تنشأ العقلية الايجابية الاخلاقية التي تمتاز بها هاته المعتقدات – في الانسان نفسه كنتيجة لصلة روحية باطنة بالعالم، فحينئذ و حينئذ فقط تكون معتقدات قوقة راسخة، تكيف كل أفكاره و أفعاله" 9، و بهذا يعطي شفايتسر الأهمية الكبرى للفلسفة الروحية الكامنة وراء الفعل الانساني لا العكس.

يستشف مما سبق من كلام شفايتسر أن مستقبل كل حضارة يتوقف على مدى حفاظها على المضي قدما، و على مدى تغلبهم على روح اليأس و فقدان المعنى و لا يتأتى للحضارة ذلك الا اذا حافظ أهلها على روحهم الاخلاقية و على الأمل و العزم "إن مستقبل الحضارة يتوقف على تغلبنا على فقدان المعنى و اليأس اللذين يميزان أفكار الناس و معتقداتهم في هذه الأيام، و على بلوغ حالة من الأمل النضير و العزم الفتي. و لن يكون في وسعنا ذلك الا اذا اكتشفت غالبية الناس لا نفسهم موقفا أخلاقيا عميقا راسخا يؤكد الدنيا و الحياة، عن طريق نظرية في الكون مقنعة و قائمة على الفكر معا. و بغير مثل هاته التجربة الروحية العامة لا سبيل الى المباعدة بين عالمنا و بين الانهيار الذي يغذ في السير اليه، فمن واجبنا اذن ان نبعث في نفوسنا التأمل النضر في الكون و الحياة"10.

ان كل حضارة تنبعث روح الشباب فيها بقدر التوازن بين الثراء المادي و الغنى الفكري و الوفر الروحي فيها و كلما ساهمت في تغذية هذه الابعاد الثلاث كلما نمت و ترعرعت منذ فترة ولادتها و تطول حياتها الى ان تختل هاته الجوانب فتدخلها الامراض و تنخرها الأوبئة المجتمعية كما تنخر الأمراض الأجساد، لذلك فالوقاية و العمل الجاد و المثابرة على الحفاظ على رأس المال المادي و الفكري و الروحي كل ذلك يسهم في ديمومة و استمرارية كل حضارة.

يذهب شفايتسر الى معنى قريب من هذا التوازن المطلوب للاستمرار الحضاري قائلا"و يدخل في مجال الحضارة ثلاثة أنواع من التقدم: التقدم في المعرفة و السيطرة، التقدم في التنظيم الاجتماعي للانسانية، و التقدم في الروحية"11.

ان المعنى العميق للحضارة في نظر شفايتسر هو أن نحافظ على فطرتنا الانسانية و نعيش انسانيين "فمعنى أن نكون متحضرين هو أن نظل إنسانيين على الرغم من ظروف المدنية الحديثة. ان الاهتمام بكل ما ينتسب الى الطبيعة الانسانية الحقيقية هو الذي يمكنه أن ينقذنا و يحفظنا من الذهاب بعيدا عن طريق الحضارة، و لن يستطيع الانسان أن يجد طريقه خلال الاضطراب الذي يسرح فيه الآن و قد أعماه الزهو بمعرفته و التنفج بقواه، الا اذا اشتغل فيه الشوق من جديد إلى أن يصبح انسانا حقا"12 .

الهوامش:

1-مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، ترجمة عبد الصابور شاهين، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، الطبعة الرابعة، سنة 2000، ص 100.

2- ألبرت شفايتسر فلسفة الحضارة، ترجمة د عبد الرحمن بدوي، مراجعة د عبد الحليم محمود، ص 03.

3- ألبرت شفايتسر فلسفة الحضارة، ترجمة د عبد الرحمن بدوي، مراجعة د عبد الحليم محمود، ص 04.

4-ألبرت شفايتسر فلسفة الحضارة، ترجمة د عبد الرحمن بدوي، مراجعة د عبد الحليم محمود، ص 61.

5- ألبرت شفايتسر فلسفة الحضارة، ترجمة د عبد الرحمن بدوي، مراجعة د عبد الحليم محمود، ص 05.

6- ألكسيس كارليل ، الانسان ذلك المجهول، ترجمة عادل شفيق، الدار القومية للطباعة و النشر، ص 27.

7- طه عبد الرحمن سؤال الاخلاق، المركز الثقافي العربي طبعة 2000 ص 13.

8- ألبرت شفايتسر فلسفة الحضارة، ترجمة د عبد الرحمن بدوي، مراجعة د عبد الحليم محمود، ص 05و06.

9- ألبرت شفايتسر فلسفة الحضارة، ترجمة د عبد الرحمن بدوي، مراجعة د عبد الحليم محمود، ص06..

10- ألبرت شفايتسر فلسفة الحضارة، ترجمة د عبد الرحمن بدوي، مراجعة د عبد الحليم محمود، ص07.

11- ألبرت شفايتسر فلسفة الحضارة، ترجمة د عبد الرحمن بدوي، مراجعة د عبد الحليم محمود، ص 406.

12- ألبرت شفايتسر فلسفة الحضارة، ترجمة د عبد الرحمن بدوي، مراجعة د عبد الحليم محمود، ص 408.

المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر يورونيوز

لم تعد يورونيوز متاحة على Internet Explorer. لا يتمكن تحديث هذا المتصفح بواسطة Microsoft وأيضا لا يدعم آخر التطورات التقنية. نحن نشجعك على استخدام متصفح آخر ، مثل Edge أو Safari أو Google Chrome أو Mozilla Firefox