عاجل

عاجل

البشير واحتجاجات السودان.. صراع من أجل البقاء

 محادثة
الرئيس السوداني عمر حسن البشير في تجمع شعبي
@ Copyright :
رويترز
حجم النص Aa Aa

لا يبذل الرئيس السوداني عمر حسن البشير جهدا يذكر لإخفاء احتقاره للشبان والشابات الذين خرجوا للاحتجاج منذ أكثر من شهر للمطالبة بإنهاء حكمه المستمر منذ 30 عاما.

فئران؟

ففي كلمة وجهها لجنوده هذا الشهر حذر البشير، المظلي السابق البالغ من العمر 75 عاما والذي استولى على السلطة في انقلاب أبيض عام 1989، من وصفهم بالفئران بأن عليهم العودة لجحورهم وقال إنه لن يتنحى سوى لأحد ضباط الجيش أو من خلال صندوق الانتخاب.

وقال البشير مرتديا الزي العسكري لجنوده في قاعدة عطبرة المدينة الواقعة في شمال السودان التي بدأت فيها الاحتجاجات إن المحتجين طالبوا بأن يتولى الجيش السلطة وإنه لا مانع لديه في ذلك.

ورأى الرئيس الذي يعتبر شخصية خلافية منذ زمن طويل، أنه عندما يتحرك الجيش فإنه لا يتحرك في فراغ ولا يتحرك بدعم من خونة بل يتحرك دعما للوطن.

البشير والحرب الأهلية وانفصال الجنوب

منذ أن تولى السلطة في السودان، الذي كان حينذاك أكبر دول أفريقيا مساحة، خاض البشير حربا أهلية طويلة مع متمردين في جنوب البلاد انتهت بانفصال الجنوب عام 2011 فقد إثره السودان أكثر من 70 في المئة من مقدرات النفط التي كان يتمتع بها قبل الانفصال.

ومنذ عام 1993، رزخت البلاد تحت وطأة سنوات طويلة من العزلة عندما أضافت الولايات المتحدة حكومته إلى قائمة الدول الراعية للإرهاب لإيوائها متشددين إسلاميين. وأعقب ذلك فرض واشنطن عقوبات على الخرطوم بعد أربع سنوات.

البشير والجنائية الدولية

كما وجهت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي اتهامات للبشير ناجمة عن ادعاءات بوقوع أعمال إبادة جماعية في منطقة دارفور خلال تمرد بدأ عام 2003.

تحديات أمام رئيس يحكم السودان منذ أكثر من ثلاثة عقود

ولكن التحدي الأكبر الذي يعترض مسيرة الرئيس السوداني الآن يأتي من الداخل، إذ يواجه مظاهرات شبه يومية في مختلف مدن البلاد وفي كثير من الأحيان يردد المحتجون هتافات مثل "يسقط بس" و"سقطت سقطت يا كيزان" في إشارة يقصدون بها الإسلاميين.

ولا يوجد ما يشي بتراجع حدة تلك الاحتجاجات رغم القبض على أعداد كبيرة وحملة قمع شديدة تشنها قوات الأمن باستخدام الغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت والذخيرة الحية بحسب متظاهرين وجماعات حقوقية محلية.

أسعار الخبز أشعلت الفتيل

وكانت الشرارة التي أطلقت الاحتجاجات هي محاولة الحكومة طرح خبز غير مدعوم مما سمح للمخابز ببيع الخبز بأسعار أعلى. وجاء ذلك بالإضافة إلى الأزمة المستمرة منذ فترة والتي أدت إلى نقص الوقود والأوراق النقدية.

حصيلة ضحايا الاحتجاجات

وتقول السطات إن 30 شخصا على الأقل قتلوا في الاضطرابات التي بدأت في 19 ديسمبر كانون الأول بعد أن حاولت الحكومة رفع أسعار الخبز غير أن جماعات حقوقية وشخصيات محلية معارضة تقول إن 45 شخصا على الأقل قتلوا. وأصيب المئات بجروح واعتقلت السلطات مئات آخرين.

"انهيار اقتصادي سببه البشير"

ويقول منتقدو البشير إنه هو السبب في تهميش السودان والانهيار الاقتصادي الذي دفع معدل التضخم للارتفاع إلى 72 في المئة بنهاية 2018 وجعل البلاد تعجز عن سداد قيمة الواردات الغذائية.

مؤامرة غربية ؟

أما أنصاره فيقولون إن وراء الاحتجاجات مؤامرة غربية تهدف لتقويض الحكم الإسلامي في السودان مثلما وصف البشير اتهامات المحكمة الجنائية الدولية بأنها جزء من مؤامرة من تدبير الاستعمار الجديد.

أحوال معيشية صعبة وإصلاحات اقتصادية موجعة

وفي الأشهر التي سبقت بدء الاحتجاجات كان السودانيون يواجهون صعوبات في المواءمة بين دخولهم واحتياجاتهم. وحاولت الحكومة تطبيق إصلاحات فخفضت قيمة الجنيه السوداني وخففت قيود الاستيراد لكن كل ذلك لم يحقق نتيجة.

البشير وانتظار المساعدات من الحلفاء على دور السودان في حرب اليمن

كانت الحكومة تأمل أن تجد دعما ماليا سريعا من حلفائها في منطقة الخليج بعد أن أرسل البشير قوات إلى اليمن في إطار التحالف الذي تقوده السعودية لمحاربة متمردين متحالفين مع إيران لكن المساعدات تأخرت.

من الاحتجاج على أسعار الخبز إلى المطالبة بإسقاط النظام

وسرعان ما تحولت المظاهرات إلى احتجاجات سياسية استهدفت مقار الحزب الحاكم وطالبت بسقوط البشير.

حيث يرى المحلل خالد التيجاني أن "الاحتجاجات الحالية تمثل أكبر وأعمق تحد لحكم البشير لأنها تشير إلى أن الأزمة وصلت مستوى جديدا".

وعلى النقيض من موجات الاضطراب السابقة امتدت الاحتجاجات إلى مناطق من البلاد كانت في العادة موالية للبشير وأخفق الرد القاسي حتى الآن في منع انتشار الاحتجاجات.

من هو عمر البشير ؟

ولد البشير في الأول من يناير كانون الثاني عام 1944 لأسرة فقيرة تعمل بالزراعة في قرية حوش بانقا الصغيرة المؤلفة من بيوت طينية وشوارع غير معبّدة تقع على الضفة الشرقية لنهر النيل على مسافة 150 كيلومترا شمالي العاصمة الخرطوم.

وفي كثير من الأحيان كان البشير يضخم بداياته المتواضعة. ففي وقت سابق من الشهر الجاري كرّر قصة رواها عام 2013 عن كسر أحد أسنانه أثناء نقل الخرسانة إلى موقع بناء كان يعمل فيه وهو طالب لسداد نفقات تعليمه.

وقال البشير إنه رفض زرع سن من الفضة له عندما التحق بالقوات المسلحة لأنه أراد أن يتذكر ذلك الحادث كلما نظر في المرآة.

وبعد تخرجه من الكلية الحربية السودانية عام 1967 خدم البشير في الوحدة السودانية التي أرسلت إلى مصر للمساعدة في حرب الاستنزاف مع إسرائيل والتي بدأت في أعقاب حرب الأيام الستة.

وانضم وهو ضابط صغير في قوات المظلات إلى الجناح المسلح للحركة الإسلامية التي انفصلت عن جماعة الإخوان المسلمين وحكمت السودان منذ تولى البشير منصبه.

وقام البشير رئيس المجلس العسكري الذي استولى على السلطة عام 1989 بحل المجلس عام 1993 وحكم البلاد منذ ذلك الوقت بقبضة من حديد واتهمته جماعات حقوقية باللجوء للعنف والتعذيب للتخلص من خصومه السياسيين.

البشير وملف دارفور

غير أن أبرز ما اتسم به حكم البشير هو رده على التمرد في إقليم دارفور الغربي.

وفي مواجهة الأمر بالقبض عليه الذي أصدرته المحكمة الجنائية الدولية بسبب مقتل عدد يقدر بنحو 300 ألف شخص في دارفور، ركز البشير على بقائه وتشبث بالسلطة كدرع يحميه من محاكمة تشبه محاكمة الرئيس اليوغوسلافي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش.

وتحدى البشير المحكمة الدولية وواصل زياراته للدول الأجنبية الصديقة محاولا إظهار أنه لم يذعن للأمر الدولي بالقبض عليه الذي أصدرته المحكمة.

لعب على التوازنات الإقليمية ولادولية

وسعى البشير للعب على الخلافات الإقليمية والدولية في تحسين وضع السودان. ففي عام 2013 استضاف الرئيس الإيراني حينذاك محمود أحمدي نجاد في الخرطوم.

وبعد عامين انضم البشير للتحالف الذي تدخل بقيادة السعودية في الحرب الأهلية اليمنية وذلك في إطار استراتيجية لاحتواء النفوذ الإيراني المتزايد.

كما سعى البشير للتودد إلى تركيا وروسيا في الوقت الذي صعدت فيه الخرطوم تعاونها الأمني مع واشنطن على أمل التعجيل برفع العقوبات المفروضة على البلاد. وقد رفعت العقوبات عام 2017.

"سنموت هنا وهنا سنُدفن.."

وفيما يواجه الرئيس السبعيني أخطر تحد لحكمه، فإنه يعول البشير على دعم المؤسسة الأمنية التي رعاها على مدى 30 عاما في الخروج من الأزمة.

وخاطب الشباب هذا الشهر وهو يرتدي جلبابه الأبيض ويلوح بعصاه التي اشتهر بها فقال "هذه البلاد ملككم والمستقبل ملككم. وبلدنا إذا حصل فيها ما حصل في بلاد أخرى إلى أن سنذهب؟ سنصبح لاجئين؟ ... لا سنموت هنا وندفن هنا".