عاجل

عاجل

بيولوجيا الذاكرة...

 محادثة
المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر يورونيوز
حجم النص Aa Aa

د محمد غاني، كاتب، المغرب

بخلاف الاعتقاد السائد فيما مضى من الزمن لدى علماء الاعصاب بأن الذكريات مخزنة في مكان محدد من الذاكرة، والذي كانوا يتصورونه في غالب الأحيان كغلاف او ظرف يحتوى جميع صفحات الذاكرة، صار العلم الحديث مع تطور التكنولوجيا أكثر فهما لبيولوجيا الذاكرة، و من ثم تغير تصوره الجذري الى مفهوم "الذاكرات" ، حيث تجووز مفاد الذاكرة الواحدة الى تواجد انواع من الذاكرة، لكن كيف ذلك؟ خصوصا و ان الذاكرة من اهم السمات التي تحدد شخصية كل انسان فهي ولا شك اكثر من كونها مجرد سجل لحياة الانسان؟.

لقد بات علماء الاعصاب يفرقون اليوم بين الذاكرة البصرية التي تخزن الملفات المنظورة بالعين و يحددون مكان تخزينها في القشرة البصرية، كما اضحت المعلومات الخاصة بالروائح مجمعة في القشرة الشمية فوق الأنف، أما ملفات العناصر الحركية فيتم حفظها داخل القشرة الحركية، اضف الى كل ذلك ملفات العناصر الشعورية التي وجد العلماء انها يحتفظ بها في اماكن المخ العميقة كحبة اللوز كما حددها الباحث الامريكي ماث والكر من جامعة باركلي بكاليفورنيا في برنامج "هاكر الذاكرة" على قناة نوفا الامريكية الوثائقية وووثائقيات نت فليكس الاصلية.

لمعرفة كيفية وصول علماء الاعصاب للتفريق العلماء بين انواع الذاكرة، لا بد من التذكير اولا الى ان ما وصلوا اليه من نتائج مذهلة لحد الآن لا يشكل في نظرهم سوى الذي يظهر من قمة جبل الجليد في حين ما خفي منه كان اعظم، يؤكد عالم الاعصاب رودي روديغر بجامعة واشنطن هاته الحقيقة بقوله ان ما يقوم به من ابحاث و زملاؤه لا يمثل شيئا غير انهم يتلمسون الجانب المحيط باللغز الكبير الذي تشكله الذاكرة بالنسبة لهم، أما دانيلا شيلر من كلية الطب بماونت سايناي فتقرر ان اللغز الاكبر الذي تمثله الذاكرة بالنسبة للعلماء يشبه التساؤلات الكبرى لديهم كسؤال ماهية الكون.

تأتي ابحاث جيم ماكغو من جامعة واشنطن في الدرجة الاولى، حيث كان اول من اكتشف الذاكرة الذاتية بالغة القوة او ما يسميه العلماء متلازمة قوة الاستذكار و هي قدرة غريبة ملفتة للنظر لدى بعض الافراد في تذكر سائر تفاصيل حياتهم شديدة الدقة في تفاصيل توقيتها و احداثها كما حصل لدى الحالات التي تابعها كالممثلة الامريكية ماريلو هينر التي اشتهرت في مسلسلها الناجح "التاكسي" و التي تذكر انها منذ كانت طفلة كانت تعرف ان قدرتها في التذكر كانت ملفتة للانظار حتى ان البعض من معارفها كان يلقبونها بملكة الذاكرة او سيدة الذاكرة، و يؤكد عالم الذاكرة هذا ان هؤلاء الافراد لا يختلفون عن غيرهم في معدلات الذكاء فلديهم قدرات عادية في نواح اخرى من التعلم، و للبحث في الاسباب التى تعطينا هذا الافراط في التذكر قام جيم ماكغو بمسح دماغي لدى مجموعة من الحالات اكتشف من خلاله نشاطا قويا في الحزمة الشطية من الدماغ، ولد تساؤلات اخرى لدى العلماء من قبيل هل يخزن هؤلاء الافراد كما هائلا من المعلومات اكثر مما نخزنه نحن، ان ان قدرتنا على التخزيت تتساوى لدينا و اياهم، و يبقى النقص الذي لدينا سببه هو عدم قدرتنا على استخراجها؟

في مقابل متلازمة فرط الاستذكار حققت الباحثة بريندا ميلنر ثورة في علم الاعصاب باكتشافها ل"فقدان الذاكرة المفرط" حين متابعة مريضها هنري موليسون الذي يعتبر تاريخيا اول مريض في ابحاث الذاكرة، حيث كان يعاني من حالات صرع متتالية جعل العلماء يقررون اجراء عملية عليه لنزع قرن آمون من المخ مما سبب له حالة فقدان الذاكرة المفرط، لكن فقدان ذكرياته الدائمة الجديدة و الذي جعله غير قادر على خلق اية ذكريات جديدة، كل هذا لم يثن عالمة الاعصاب بريندا ميلنر على البحث في قدرته على الاحتفاظ بانواع اخرى من الذاكرة.

اخضعت عالمة الاعصاب ميلنر مريضها ذاك لعدة تمارين حركية اكتشفت بعدها انه بفعل التمرن المتكرر استرجع قدراته الحركية مما ولد لديها القناعة بان الذاكرة ليست مفهوما واحدا و انما هناك انواع من الذاكرة، و هو الشيء عينه الذي يؤكده عالم الاعصاب دان شاكتر من جامعة هافارد، فيقرر ان الذاكرة شيء واحد اصبح امرا متجاوزا، حيث بات العلماء يفرقون بين انواع مختلفة من الذاكرة متفرقة على اماكن مختلفة من المخ.

هنا اتى دور الحائز على جائزة نوبل في علم الاعصاب ليطور ابحاث بريندا ميلنر حول مسؤولية قرن آمون عن القدرة على التذكر، انطلاقا من مخلوق جد بسيط في تكوين جهازه العصبي فكان ان جعل موضوع ابحاثه هو "أبليزا كاليفورنيكا" او بزاق البحر، فأخضعه لعدة تجارب بيولوجية لفهم بيولوجيا الذاكرة و لسبر اغوار اسباب قدرتنا على التذكر.

تعلن الباحثة في علم الاعصاب في جامعة كاليفورنيا ان ما قام به كاندل كان رائعا حيث اخضع ظاهرة علوم الذاكرة للتجارب فحولها الى سؤال بيولوجي، استخرج فريق كاندل نورونين عصبيين من "أبليزا كاليفورنيكا" او ما يسمى "بزاق البحر"، الاول حسي من اسفنجته و الثاني حركي من ذيله و هما متصلان ببوصلة نورونية عصبية، و بتحفيز النورونات العصبية المتعلقة بذاكرة بزاق البحر حدث شيء سحري كان اكتشافا مذهلا في علوم الذاكرة و هو نمو شبكة نورونية عصبية جديدة لم تكن من قبل مما جعل العلماء يدركون لاول مرة بان فعل التذكر طويل الامد يحدث في الحقيقة تغيرا تشريحيا في المخ حيث تتشكل وصلات جديدة بين النورونات العصبية و هو ما خلف ذهولا كبيرا لدى العلماء لما رأوه لاول وهلة.

لتفعيل هذا الاكتشاف قام عالم الاعصاب من اصل عربي كريم نادر بجامعة ماكجيل الكندية بالتساؤل وبالتالي تطوير ابحاث استاذه ايريك كيندل، ماذا يحدث للوصلات النورونية العصبية حين نقوم بعملية التذكر، و هل عملية تذكر ملف من الذاكرة هو مجرد استخراجه من اجل الاستعمال الحياتي ثم اعادة تخزينه في الذاكرة كما هو؟ ام ان الامر يتعدى ذلك الى امكانية تعديله قبل اعادة تخزينه؟ و باخضاع فئران التجارب الى تخزين ذاكرة نغمة معينة و ربطها دماغيا بصعقة محددة جعل الفئران يخزنون ذاكرة الخوف كلما انطلقت النغمة، بعد ذلك قام بتجربة مماثلة هو تشغيل النغمة ليتجمد الفأر في مكانه حين يتذكر الصعقة المرتبطة بالنغمة ليعطيه محلول الأنيوسيمايسن و هو دواء معروف في علم الاعصاب بقدرته على اعاقة البروتينات اللازمة لبناء الوصلات العصبية لتخزين الذكريات.

انطلق كريم نادر من كون ان الذكريات ان كانت تشابه في استدعائها جلب كتب من المكتبة ثم ردها الى مكانها السابق، فان تجربته تلك لن تكون لها اية فائدة و ان الدواء لن يكون له اي تأثير على ذاكرة الفئران، لكن التجربة اثبتت العكس تماما، بمعنى انه بعد أخذها للدواء لم تعد تربيط بين النغمة و الصعقة فلم تتجمد في امكنتها في مستقبل الايام.

هاته التجربة الملفتة للنظر - و التي غيرت نظرة علماء الاعصاب لكيفية عمل الذاكرة من مجرد ملفات مكتبية تعاد بعد استعمالها الى مكتبة المخ، الى كونها تستدعى ملفات الذاكرة و لا تخزنها الا بعد اعطاء امكانية التعديل او التغيير في الملف - جعلت الباحثة الهولندية في علم الاعصاب ميرل كينث من جامعة امستردام تُفَعل نظرة كريم نادر في علاج بعض المرضى الذين لديهم خوف رهابي من العناكب فتخضعهم لاسترجاع خوفهم بمثولهم امام عنكبوت ضخم فيقتربون من مكانه تدريجيا الى ان يستطيعوا لمسه، ثم تعطي لهم المحلول الدوائي الذي يعيق وظيفة البروتينات التي تفعل الصلة بين النورونات العصبية فينمحي بعد ذلك خوفهم و ردة فعلهم حين يرون العناكب، و تأكدت فعالية تجاربها لاعادة ترسيخ الذكريات بعد تعديلها في جميع الحالات التي عالجتها.

ختاما يبقى التساؤل كبيرا في مدى تأثير ابحاث الذاكرة على حياتنا بتطوير قدرتنا على التحكم في ذكرياتنا و تعديلها قبل تخزينها، و هل سنستطيع استدعاء ذكرياتنا الجميلة كلها و تعديل او محو ذكرياتنا السلبية؟ ام قد يتلاعب الاطباء بذكرياتنا فيستغلون اصحابها لصالحهم، ان ايجابا او سلبا؟ و الى اي حد سيؤثر ذلك على سلوكاتنا المستقبلية؟ كل ذلك مع استحضار قدرة الدماغ على خلق وصلات عصبية جديدة عند استحضار اي ملف من الذاكرة بقوله تعالى"ويخلق ما لا تعلمون".

للكاتب

نحو بث الروح في حضارتنا المعاصرة

أن تكون مبدعا.. لا أن تكون الأول

لنضبط العقل على الموجة التي نريد

د محمد غاني، كاتب –المغرب.

المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر يورونيوز