عاجل
المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

تونسية تعرضت للتحرش تروي قصتها لـ"يورونيوز" وتسأل: هل نحن مجرد فرائس؟

محادثة
متظاهرة تونسية ترفع لافتة كتب عليها "الحصانة لمهامك النيابية مش لشهواتك الجنسية"
متظاهرة تونسية ترفع لافتة كتب عليها "الحصانة لمهامك النيابية مش لشهواتك الجنسية"   -   حقوق النشر  منظمة "أصوات نساء" غير الحكومية - تونس
حجم النص Aa Aa

بحسدها النحيل وعينيها الزرقاوين، اللتين تبدوان هائمتين، جلست آية إلى طاولة وسط المقهى القديم، يحيط بها رجال ضخام، وتراقب المارة جيئة وذهاباً، وتدخن سيجارتها وترشف قهوتها بكل أريحية وتبدو كأنها خارج هذا العالم.

كانت تراقب سيدة تجر ابنتها الصغيرة بعنف، عندما وجدتُها بصعوبة وسط تلك الهامات الطويلة والضخمة. تبادلنا السلام وجلسنا في المقهى، الذي اختارته آية، هو مقهى أغلب رواده رجال.. يعج برائحة الدخان وروائح كريهة تنبثق من كل مكان.

سألتها لماذا اخترت هذا المقهى بالذات، فوسطُ المدينة مليء بالمقاهي الفاخرة؟ أجابت أريد أن أجلس في "عقر دارهم" -تقصد الرجال- "وأريد أن أمارس حريتي داخل معقلهم".

أشعلت سيجارة ثانية ونظرت إليَّ وقالت "أترين كل أولئك الرجال؟ جُلهم تحرشوا بفتاة أو امرأة، إن لم يتحرشوا بجسدهم، فبنظرهم... أنظري إلى نظراتهم كلما مرت فتاة"، وأضافت بصوت منخفض ولكن بحرقة "يقومون بكل هذا التحرش العلني والخفي ويفلتون من العقاب".

"استري روحك"

تململت آية في مكانها وكأنها تحاول جمع شتات أفكارها لتتذكر، ثم قالت وهي تضحك بمرارة "استري رُوحك"..

بهذه الكلمات الحادة كانت أمي توبّخني، خصوصا عندما أرتدي ملابس قصيرة أو قميص تظهر منه بعض أجزاء جسدي. كانت تنهرني بشدة سواء عندما كنت صغيرة أو حتى عندما كبرت، تأمرني: البسي ملابس "محتشمة" فالعائلة و"الشارع" لن يرحماك".

"بهذه الكلمات الحادة والمخيفة كانت أمي والمجتمع يزرعان الخوف فيَّ، الخوف من أن يظهر جزء من جسدي أو أن يظهر جمالي، هي نهيٌ لي بعدم ارتكاب "الرذيلة" أو "جلب العار" للعائلة وعدم التركيز على جسدي أو جمالي وهي رسالة مبطنة أيضاً لكل متحرش، بأن إذا رأيت "لحماً" طرياً و"معروضا" للملأ فهو من نصيبك؟"، ثقافة الخوف والترهيب التي جعلت منا عبيداً، حتى في العلاقات الثنائية أو الزوجية، لقد أباحوا التحرش والعنف الزوجي من ضرب عنيف وقد يصل للقتل".

"شيء ما بداخلي انكسر"

واصلت آية، التي تشغل منصباً حساساً في الدولة -كما تقول- "أتذكر جيداً يوم كنت صغيرة، رجعت من المدرسة فلم أجد أحداً في منزلنا، جاءت جارتنا وأخذتنى معها إلى بيتها لأقوم بواجباتي إلى حين عودة أمي التي ذهبت لزيارة جدتي في المستشفى، أو عودة أبي من عمله".

تضيف بعد أن خنقتها العبرات "لن أنسى ذلك اليوم اللعين في حياتي، عندما كنت أجلس على الطاولة لأنجز واجباتي المدرسية، وفجأة أحسست بيد غليظة تمتد تحت ملابسي لتلمس جسدي النحيل، جسم جارنا "عمي إبراهيم" الضخم، هوَى عليا ليحتضنني وراح يفتش عن شيء في جسدي إلى الآن أجهله".

توقفت آية عن الكلام وامتلأت عيناها بالدموع، وراحت تبحث عن منديل في محفظتها، علها تمسح به سنوات الذل والمهانة والقهر، سنوات البكاء الخفي المتواصل، كلما أسدل الليل ظلامه، مثلما قالت.

وتابعت قائلة "كان يحتضنني بقوة ويلهث إلى حد انقطعت أنفاسي، كان جسده الكبير يحتك بجسدي الصغير ويلمس كل جزء صغير فيه على نحو مذل وعنيف قسراً وعدواناً"، وأضافت "شيء ما بداخلي انكسر في ذلك اليوم المشؤوم إلى الأبد".

قانون ضد "التحرش الجنسي"

آية، التي رفضت أن نأخذ لها صوراً أو أن نذكر اسمها الحقيقي، هي ضحية من ضمن آلاف ضحايا التحرش الجنسي منذ طفولتهن، أو حتى في كبرهن، ضحايا اغتصاب عائلي ومدرسي وجامعي، وحتى من جار أوصديق.

تواصل آية بحدة "يجب على الدولة حماية بناتها ونسائها أكثر، يجب ألا نقف عند المصادقة على القوانين فقط، بل يجب تطبيقها وبشدة".

وصادق البرلمان التونسي على قانون 58 حول "مناهضة العنف ضد المرأة" يوم 26 تموز/يوليو 2017، ودخل حيز التنفيذ في 15 شباط/فبراير 2018.

ويعتبر هذا القانون بمثابة ثورة ثانية في مجال حقوق المرأة التونسية، بعد مجلة "الأحوال الشخصية"، التي صدرت في آب/أغسطس 1956، إذ لأول مرة في تاريخ تونس يتم إدراج "التحرش الجنسي" ضمن أنواع العنف الجنسي المسلط على المرأة ويقع تجريمه بشكل رسمي.

ويعدّ مكسباً هاما للدفاع عن حقوق المرأة، إذ يعاقب الفصل 226 من قانون "مناهضة العنف ضد المرأة" المتحرشين بسنتين سجناً وغرامة مالية قدرها خمسة آلاف دينار.

ومنذ سنّ القانون الجديد للقضاء على العنف ضد النّساء في تونس، أصبح التحرش الجنسي يعرّف على أنه : "كل فعل أو قول يهدف مرتكبه إلى إخضاع المرأة لرغباته أو رغبات غيره الجنسية باستخدام الإكراه أو التغرير أوالضغط وغيرها من وسائل إضعاف وسلب الإرادة وذلك بغض النظر عن علاقة الفاعل بالضحية".

منظمة "أصوات نساء" غير الحكومية - تونس
متظاهرة تونسية تطالب بسنّ قوانين تحمي النساء من التحرش والاغتصابمنظمة "أصوات نساء" غير الحكومية - تونس

"أمي هدّدتني"

تسترسل آية حكايتها "كنت أتمنى نسيان هذه الحادثة لشدة قبحها وألمها الذي لازمني إلى يومي هذا"، مضيفة"الطامة الكبرى هي عندما أخبرت أمي، هاجت وصاحت واتهمتني بالمبالغة والكذب، وهددتني بعقوبة كبيرة إن لم أصمت وأنسى هذه التهيُّؤات".

نظرت إليَّ بحسرة وقالت " أرأيتِ؟ المتحرش عندنا يفلت من العقاب مرتين، مرة عندما يقوم بفعله المشين ويتلذذ بذلك ولا يُحاسب وأخرى عندما يُدافع عنه من التجأتِ إليه كي يُنقذك".

تقول آية ذات 36 سنة "في ذلك اليوم تمنيت الموت، جاري المتحرش المريض استباح جسدي، وأمي تسكت صوتي وتنصفه وتصرخ في وجهي بأن أهتم بدروسي وألا أذكر هذا "العيب والعار" لأي شخص، وأن عمي إبراهيم رجل تقي ومعروف في المنطقة".

تقول آية وهي تحتسي قهوتها وتنفث دخان سيجارتها "لسنوات، تحملت ذلك "العار" بداخلي، في الوقت الذي واصل فيه المتحرش حياته وواصل تحرشه بكل أنثى تقابله"، وتضيف بانفعال "يحتقروننا ويستضعفونا وينتهكون أجسادنا عنوة، ثم يواصلون حياتهم وتتحطم حياتنا وأحلامنا".

وتتابع آية شهادتها المؤلمة وتطرح السؤال التالي "متى يمكنني، كأنثى، أن أضع رأسي على كتف أحدهم دون أن أرتعب أو أشعر بالخوف من اغتصاب أو شهوة جنسية عابرة؟ دون القلق والشكوك والتهديد؟".

وترى آية الواقع التونسي ذكورياً بامتياز وتتساءل إذا ما "قدّر للتونسيات أن يتحولن إلى فرائس للمتحرشين" وتضيف أن "المجتمع درّبنا على إتقان الصمت وجلد الذات والتستر على المجرمين".

استعادة الحق عبر مواقع التواصل الاجتماعي؟

تقول آية إنها فكرت بأن تسرد قصتها على مواقع التواصل الاجتماعي، في مجموعة مغلقة تحمل اسم "أنا زادة"، مثلما فعلت آلاف الفتيات من ضحايا التحرش في تونس.

و"#أنا زادة" هو شعار حملة في موقعيْ فايسبوك وتويتر، أطلقتها مجموعة من التونسيات، وتبنتها منظمة غير حكومية تدعى "أصوات نساء"، وذلك لتسليط الضوءعلى ظاهرة التحرش، التي انتشرت بعد الثورة، والمطالبة بالتصدي لها.

وتنشر الحملة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً فيسبوك وتويتر، تدوينات وتغريدات وشهادات شخصية لنساء يقلن إنهن عانين من عنف أو تحرش جنسي.

أنا زادة = أنا أيضاً

تعني "أنا زادة" باللهجة التونسية "أنا أيضاً".

الحملة أساساً انطلقت بسبب قضية رُفعت ضد أحد النواب الفائزين في الانتخابات التشريعية، بتهمة "التحرش الجنسي والتجاهر بما ينافي الحياء"، خرجت على إثرها مظاهرة كبيرة، حملت فيها لافتات تحت عنوان "المتحرش ما يشرعش".

ووفق النساء اللواتي سارعن لبعث هذه المبادرة، فإن حملة "أنا زادة" تهدف إلى إيجاد منبر لضحايا التحرش وتمكينهن من كسر الصمت وكسر "التابوهات" وسرد ما جرى لهن، من خلال "تقاسم تجاربهن وسرد قصصهن الواقعية حول أنواع التحرش التي تعرضن لها وكيف تعاملن معها، والبوح بمشاعر التعاطف معهن بما يساعد على تقويتهن ويتيح لهن التغلب على ما تخلفه هذه الاعتداءات المرتكبة ضدهن من آثار سلبية".

منظمة "أصوات نساء" غير الحكومية - تونس
"المتحرش ما يشرعش" من مظاهرة مطالبة بقوانين تحمي النساء في تونسمنظمة "أصوات نساء" غير الحكومية - تونس

"المتحرش ما يقرّيش"

بعد انتشار حملة "أنا زادة"، تلتها حملة "المتحرش ما يقرّيش" وهي حملة بدأتها طالبات يدرسن في "دارالمعلمين العليا"، ضد أستاذ للغة الفرنسية، اتهم بالتحرش بعدد من الطالبات، حيث كان يرسل لهن رسائل هاتفية غرامية، فيها "غزل وكلام يخدش الحياء".

وتم على إثر هذه الحملة توقيفه عن العمل في انتظار التحقيق معه.