عاجل
المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

"حقول الألغام" مازالت تقتل الليبيين وتنغّص على النازحين فرحتهم حتى بعد نهاية الحرب

محادثة
euronews_icons_loading
Extracted from video
Extracted from video   -   حقوق النشر  AFP
حجم النص Aa Aa

لا شيء يثير الانتباه سوى الهدوء الممزوج برائحة البارود في منطقة الخلة جنوب طرابلس، حيث وضعت حرب استمرت عاماً ونيف أوزارها في غرب ليبيا بين قوات حكومة الوفاق الوطني المدعومة أمميا والقوات الموالية للمشير خليفة حفتر.

دخل هشام سليمان بسيارته إلى الشارع المؤدي إلى منزله، واضطر إلى تركها على بعد 400 متر وأكمل سيرا وبحذر شديد، خوفا من التعرض لانفجار مفاجئ، بعدما فقد أحد جيرانه حياته جراء انفجار لغم بالقرب من منزله، ما جعله متوجساً ويعتريه الخوف.

لا حاجة لفتح بوابة المنزل التي اقتلعتها قذيفة هاون تركت آثارها بوضوح أمام مدخل البيت. وبكل حذر دخل المدرِّس الخمسيني ما تبقى من منزله متخطيا الركام الذي تسبب في انهيار نصفه تقريبا.

وتعد منطقة الخلة جنوب طرابلس من أكثر المناطق التي شهدت مواجهات عنيفة بين قوات حكومة الوفاق وقوات حفتر، وأكثرها تضرراً نظراً لموقعها الاستراتيجي إذ تشكل حلقة وصل بمناطق مهمة تجاورها مثل طريق المطار وصلاح الدين والسدرة.

ويقول هشام الذي يعمل معلما منذ أكثر من 25 عاما، إن فرحته بالعودة إلى منزله "سرعان ما تلاشت، وشعر بانقباض في قلبه" أمام حجم الدمار الذي خلفته آلة الحرب.

وتابع وهو يتجول في منزله بحذر، "أصبت بخيبة أمل ليس جراء خسارتي المنزل وتعرضه للدمار فقط، بل للحالة التي خلفتها الحرب في منطقتي، وكأن نيزكا عملاقاً ضربها وترك فيها هذا الدمار غير المسبوق".

وأضاف أثناء تفقده زاوية للكتب في غرفة الاستقبال متصفحا بعض ما نجا من الحرق، والحسرة تعلو وجهه المرهق، "يعلم الله وحده وعائلتي كيف بنيت هذا المنزل... استغرق مني كامل مدخرات عمري وأكثر من 10 أعوام، واليوم صار خرابا بفعل الحرب التي لا شأن لي وعائلتي بها".

وختم رافعا رأسه للسماء، "لله المشتكى وحده. دُمر منزلي وزرعت ألغام حوله ... سأتحمل المخاطر وأجهز نصف منزلي السليم، لأن لا طاقة لي للاستمرار في دفع إيجار منزل مع غلاء المعيشة الذي ضيق حالي".

تشريد 200 ألف ليبي في عام

لقي المئات حتفهم وشرد حوالي 200 ألف شخص منذ أن شنت قوات حفتر، رجل شرق ليبيا القوي، هجومها للسيطرة على طرابلس في نيسان/أبريل 2019 والذي انتهى بالانسحاب منها ومن غرب ليبيا بالكامل مطلع حزيران/يونيو. وفيما لقي حفتر الدعم من الإمارات العربية المتحدة ومصر وقوات روسية مرتزقة، تلقت حكومة الوفاق الوطني الدعم من تركيا مما مكنها من شن هجوم مضاد واستعادة كامل مناطق شمال غرب ليبيا.

وعبرت الأمم المتحدة الأسبوع الماضي عن قلقها إزاء تقارير "مروعة" عن اكتشاف ثماني مقابر جماعية في مدينة ترهونة على بعد 90 كلم جنوب-شرق العاصمة طرابلس، والتي شكلت المعقل الأخير للقوات الموالية لحفتر في غرب البلاد.

حقول ألغام

وقد اتهمت حكومة الوفاق الوطني قوات المشير حفتر بزراعة ألغام في كافة المواقع التي دخلتها، وطلبت مساعدة دولية في عمليات نزع الألغام.

ولم تصدر قوات حفتر تعليقا رداً على الاتهامات، لكن مقاطع فيديو انتشرت على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لم يتسن التأكد من صحتها، أظهرت عناصر، قيل إنهم تابعون لقوات حفتر، أثناء تجهيزهم عبوات ناسفة داخل منزل في منطقة صلاح الدين جنوب طرابلس.

وقال العميد أحمد بعيو، رئيس فريق تفكيك المتفجرات بوزارة الداخلية بحكومة الوفاق، "في هذه المنطقة بين صلاح الدين والسدرة، قمنا بتفكيك ألغام ورفع مخلفات الحرب في مساحة 5 هكتارات (50 ألف متر مربع) وما زلنا نقوم بعمليات التنظيف والتأمين للمناطق تباعا".

وقال إنه يصعب حصر منطقة الألغام إذ إن "معظم المناطق جنوب طرابلس وضعت فيها ألغام ضد الأفراد أو عبوات محلية الصنع، واستخدم العدو جميع الطرق في وضع ألغام شديدة الخطورة وحديثة غير موجودة في ليبيا من قبل".

ودعا المسؤول الليبي سكان المناطق التي شهدت اشتباكات، إلى عدم التسرع بالعودة حفاظا على سلامتهم، فيما وضعت الفرق الأمنية علامات إرشادية وملصقات حديثة تنبه السكان إلى مواقع الألغام.

وقد شهد جنوب طرابلس العشرات من حوادث انفجار الألغام. وقتل خلال الأسبوعين الماضيين أكثر من 30 شخصا وجرح أكثر من 60 بينهم حالات حرجة، وجلهم من المدنيين جنوب العاصمة، بحسب وزارة الصحة.

هذا وقد وصل فريق عسكري تركي متخصص في نزع الألغام إلى ليبيا الأسبوع الماضي، ونشرت صور للفريق وهو يقوم بنزع الألغام في عدد من المناطق جنوب طرابلس.

وعبرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن قلقها من استخدام عبوات ناسفة "تتعمد" استهداف المدنيين في طرابلس. وأكدت الأمم المتحدة في بيان صحافي، بأنها "قلقة للغاية حيال تقارير تفيد بمقتل أو إصابة ساكني منطقتي عين زارة وصلاح الدين في طرابلس جراء انفجار عبوات ناسفة مبتكرة وضعت في منازلهم أو بالقرب منها".

ودعت جميع الأفراد إلى التماس المعلومات والاستماع إلى إرشادات الجهات الأمنية بالابتعاد عن المناطق التي لم تعلن السلطات بأنها آمنة وعدم الاقتراب من أية أجسام مجهولة.

وأوقفت حاليا عودة سكان المناطق المتضررة حيث تقوم الفرق الأمنية بمنع أي شخص يحاول الدخول إلى منزله. وستعلن وزارة الداخلية بحكومة الوفاق عن المناطق الخالية من الألغام ومخلفات الحرب تباعا لتسهيل عودة آمنة للمدنيين بشكل تدريجي.

viber