عاجل
المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

استدعاء ناشطين ومعارضين إلى التحقيق: هل يتحول لبنان إلى دولة بوليسية؟

محادثة
خلال مواجهة بين عناصر الجيش والمتظاهرين في زوق مصبح (جبل لبنان) في نيسان/أبريل الماضي
خلال مواجهة بين عناصر الجيش والمتظاهرين في زوق مصبح (جبل لبنان) في نيسان/أبريل الماضي   -   حقوق النشر  AP Photo/Bilal Hussein
حجم النص Aa Aa

بعد نحو قرن على إعلان "لبنان الكبير" في بداية عهد الانتداب الفرنسي (1920)، تشهد "بلاد الأرز"، كما شاعت تسميتها، أكبر أزمة في تاريخها. بعض الأصوات المعارضة تكاد تجزم أن مشروع هذه الدولة "فشِل" حقاً. والأزمة الحالية ليست فقط اقتصادية ومالية وأزمة سيولة، إنما هي أيضاً أزمة ديمقراطية بالغة، تمسّ حريات كثيرة. والمستقبل، على الرغم من ضبابيته، لا يبشِّر بالخير، فلا حكومة "التكنوقراط" (الاختصاصيين) برئاسة حسان دياب تملك مفاتيح الحل، ولا الغرب وصندوق النقد الدولي مستعدان لتقديم المساعدات، كـ"إبر المورفين"، كما فعلا مراراً في السابق. وعلى الرغم من دعوة أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، هو الذي يمثّل الطرف الأقوى لبنانياً، إلى "التوجه شرقاً"، إلا أن تطبيق هذه الدعوة التي وصفت بـ"الفضفاضة" ليس ممكناً لأسباب عدّة، أبرزها هوية لبنان الاقتصادية والسياسية تاريخياً.

جذور الأزمة الاقتصادية

بالعودة قليلاً إلى الوراء، إلى نهاية الحرب الأهلية في العام 1990 (وهو في الحقيقة وقف لإطلاق النار، نظراً إلى جولات المواجهات المسلحة المتكررة في أماكن عدّة على أراضي الجمهورية) حكمت لبنان بشكل شبه كلّي مجموعة من زعماء الحرب الأهلية، قد يكون الأبرز بينهم رئيس مجلس النواب نبيه بري (شيعي) ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، الزعيم الدرزي، وليد جنبلاط.

HASSAN IBRAHIM/AP
بري وجنبلاط خلال لقاء في عام 2007HASSAN IBRAHIM/AP

ودخل رفيق الحريري، رئيس وزراء لبنان السابق، ورجل الأعمال السني، السعودي-اللبناني، إلى الحقل السياسي، إلى السلطة التنفيذية تحديداً، في العام 1992 باستلامه رئاسة الحكومة في عهد الراحل الياس الهراوي.

ويُستثنى من الذين حكموا البلد إبان فترة "الوصاية السورية" و"مكتب عنجر"، المسيحيان الأقوى اليوم، سمير جعجع، رئيس حزب القوات اللبنانية، الذي كان سجيناً حتى العام 2005 وخرج بعفو عام، ورئيس الجمهورية الحالي، ميشال عون، حليف حزب الله. وبقي عون منفياً إلى باريس حتى خروج الدبابات السورية من الأراضي اللبنانية في نهاية نيسان/أبريل 2005، بعد اغتيال رفيق الحريري في شباط/فبراير من العام نفسه. والاثنان، أي جعجع وعون، عادا إلى اللعبة السياسية الداخلية تدريجياً بعد الانسحاب السوري.

غير أن السلطة اللبنانية، التي احتاج ممثلوها إلى مصادقة النظام السوري على كل شيء تقريباً، حتى الانسحاب، عجزت عن ترميم ما تسببت به الحرب الأهلية. لا بل أنها سارت بسياسات اقتصادية بدت فعالة على المدى القصير. كما شهدت فترة ما بعد الحرب الأهلية فساداً وهدراً وسرقةً بعشرات مليارات الدولارات.

وتوالت الحكومات اللبنانية، بعد الانسحاب السوري كذلك، على اتباع سياسات مالية يصفها خبراء كثيرون بـ"الخاطئة"، ما أدّى إلى ديْن عام بلغت قيمته العام الماضي نحو 85 مليار دولار أميركي (من دون حساب العجز في الموازنة) بحسب بيانات وزارة المالية اللبنانية.

ولإعطاء فكرة صغيرة عن سوء الإدارة والفساد وحسّ المسؤولية لدى أهل السياسة في لبنان، ومدى تعقيد المأزق اللبناني الاقتصادي الحالي، قال مسؤول دبلوماسي أوروبي كبير لصحيفة "الغارديان" البريطانية إن صندوق النقد الدولي والشركاء الأوروبيين، ربطوا مؤخراً المساعدات المالية "المحتملة" (وقيمتها خمسة مليارات دولار) لمساعدة لبنان في أزمته الحالية، بـ"تجاوز البلد نظام المحسوبيات الذي حوّل كلّ مؤسسات الدولة إلى معاقل إقطاعية". وأضاف الدبلوماسي قائلاً "كنا نترجاهم لكي يتصرفوا كدولة عادية ولكنهم كانوا يتصرفون كما لو أنهم يبيعوننا سجادة".

الأزمة ديمقراطية أيضاً

لا يمكن فصل الانهيار الاقتصادي، وتراجع الليرة القوي في بلد "مدولَر" (أي يعتمد على الدولار) بشكل شبه كامل، ووضع الدولة والمصارف الخاصة يدها -أقله بشكل مؤقت- على ودائع اللبنانيين، إضافة إلى تهريب رؤوس الأموال، وغلاء السلع الفاحش، لا يمكن فصل كلّ هذا عن تهديد مستمرّ للأمن الاجتماعي، وللديمقراطية، يشهدهما لبنان مؤخراً.

وهذا التهديد للتعبير الحر متمثل بدور أكبر للأجهزة الأمنية، لم يتعوّد اللبنانيون عليه منذ الانسحاب السوري وإقفال فندق الـ"بوريفاج" (أساساً فندق ولكنه تحوّل إلى مقرّ لتعذيب قسم من المعتقلين اللبنانيين الذين عارضوا الوجود السوري خلال الفترة التي تلت الحرب الأهلية).

مثالاً على ذلك، وفي حادثة فرعية إنما نادرة، "اعترض" عناصر من مخابرات الجيش الأسبوع الماضي صحافييْن من فريق عمل شبكة "فرانس 24" الفرنسية بينما كانا يمارسان مهامهما في أحد شوارع بيروت، وطُلب منهما إبراز هويتهما.

وهذا الأمر يعدّ طارئاً على حرية الصحافة في لبنان. صحيح أن النظام السوري فرض رقابة واسعة على الإعلام خلال فترة الوصاية، إلا أنّه، ومنذ العام 2005، لم تحصل مضايقات كالتي تحصل في الفترة الأخيرة.

وفي سياق التضييق على الإعلام والمعارضين، استدعت الأجهزة الأمنية منذ السابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر، تاريخ بداية احتجاجات الشارع ضدّ السلطة، استدعت الأجهزة، على اختلاف مشاربها من مخابرات الجيش، وأمن الدولة، وشعبة المعلومات التابعة لقوى الأمن الداخلي، مجموعة من الشبان اللبنانيين (نحو 75 بحسب مصادر حقوقية) بسبب منشورات كتبوها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ونددت منظمة العفو الدولية (أمنستي)، الأسبوع الفائت في بيان بما تقوم به تلك الأجهزة الأمنية مذكرة بأنها "ليست مفوضة للنظر في قضايا حرية الرأي" وبأن ذلك يخالف القوانين والشرع الدولية. وطالبت المنظمة السلطة اللبنانية بـ"الإقلاع فوراً عن مضايقة الصحافيين والنشطاء الذين يمارسون ببساطة حقهم في حرية الرأي".

أربع شهادات عن القمع لأسباب مختلفة

يقول بعض اللبنانيين، بشيء من السخرية، إن من استُدعي إلى التحقيق بالطرق الرسمية "نيّاله" (أيْ أنه كان محظوظاً). والواقع أنّ هناك من الأصوات المعارضة من يزعج "أهل السلطة" لدرجة بعيدة، ويجبرها على اتباع أساليب "البلطجة". فبما أنّ لا سبيلَ قانونياً للوصول إلى بعض المعارضين، لم يتهنَّ هؤلاء "باستدعاء"، كما تُلزم السبل في دولة القانون، إنما ضُربوا ضرباً مبرحاً في الشارع من قبل "مجهولين"، أملاً بتوقيفهم عن نشاطهم المعارض. من بين هؤلاء، نذكر المحامي والناشط واصف الحركة، وأيضاً الصحافي الاقتصادي محمّد زبيب، اللذين تعرضا لضرب همجي ومبرح.

ورغم أن قوى الأمن الداخلي أعلنت إيقاف المجموعة المتورطة في الاعتداء على المحامي الحركة، إلا أن البعض يرى أن هؤلاء مجرّد "كبش محرقة" وأن المذنب ما زال حرّاً طليقاً.

تعليقاً على هذا الاعتداء، رفض نقيب المحامين في لبنان، ملحم خلف، أمس الثلاثاء، وهو بالمناسبة نقيب غير حزبي، "انزلاق لبنان الى ما يُشبه الدولة البوليسية"، وطالب الوزير المتورّط في عملية ضرب الحركة (وزير السياحة رمزي مشرّفية) بالاستقالة، بحسب ما نقلته وسائل إعلام محلية.

مع ذلك، يرى البعض أن الاستدعاءات العشوائية التي تقوم بها السلطة ما هي إلا نتيجة تراجع حادّ للديمقراطية في البلاد منذ تسوية 2016 التي أوصلت قائد الجيش السابق، ميشال عون، إلى رئاسة الجمهورية، بدعم من الحزب الأقوى، والأكثر تسلُّحاً، حزب الله، وهو تراجع اشتدّ كثيراً بعد تشكيل حكومة دياب.

وبين الشبان الذين تمّ استدعاؤهم إلى التحقيق، هناك من استدعي بسبب انتقاد السلطة والأجهزة الأمنية والسياسات الحكومية، ولكن أيضاً هناك من استدعي لأسباب لها أبعاد دينية (مثل احترام الأديان) أو أخرى بسبب انتقاد مالكي مصارف أو بسبب السخرية من جواز السفر و"هيبة الدولة".

ربيع الأمين: "طُلب مني التوقيع ورفضت"

استدعاني مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية (الأمن الداخلي) للتحقيق في نهاية العام الماضي، وذلك على خلفية شكوىً قدمها "بنك الموارد" بسبب منشورات كتبتها في فيسبوك.

ربيع الأمين
استدعي ربيع الأمين مرتين إلى التحقيق بشكوى من مصرف لبنانيربيع الأمين

أولاً لم أفهم كيف يرفع مصرف شكوى ضدّ مواطن، لأن المواطن أعطى رأياً بمالكه (المرتبط بالوسط السياسي). لم أفهم أيضاً لمَ المصرف مثَّل الجهة التي تقدّمت بالشكوى، خصوصاً وأن المنشورات لم تكن موجهة ضد المصرف بل مالكه. ذهبت إلى المكتب حيث تمّ التحقيق معي ومن ثم فتح محضر ضبط. طُلب مني التوقيع على تعهّد ولكني رفضت.

عمر ليظا: "كأن تعهّدي سيردّ للدولة هيبتها"

استدعاني جهاز الأمن العام للتحقيق بسبب فيديو نشرته، أرمي فيه جواز السفر اللبناني في القمامة. اعتبر الجهاز أنّ الفيديو "يمسّ بهيبة الأمن العام وجواز السفر اللبناني" وطُلب إزالته، وعدم التعرض للأمن العام مجدداً. كأن تعهّدي سيرد الهيبة للدّولة أو لجواز سفري. يندرج هذا الاستدعاء ضمن حملة مُمنهجة من النظام لإسكات كلّ الأصوات المعارضة، خصوصاً بعد انتهاء فترة الحجر الصحّي وعودة "الشارع" إلى الشارع.

عمر ليظا
رمى عمر ليظا جواز السفر اللبناني في سلة المهملات ما أودى به إلى مكتب التحقيقعمر ليظا

شربل خوري: "كلما زاد الضغط سيزداد البطش الأمني"

استدعي الناشط والصحافي شربل خوري إلى التحقيق عدّة مرات. كانت المرة الأولى في 2018 بسبب منشور ساخر في فيسبوك، ذكر فيه "القديس شربل". آنذاك رأت جهات معينّة أن المنشور "يمسّ بالقدسية والدين" و"الشعائر الدينية"، فطُردَ الشاب من عمله، كما تمّ إغلاق حسابه في المنصة الزرقاء لمدّة شهر وحذفِ كل منشوراته منه. واستدعيَ مرّة ثانية في شباط/فبراير 2020، بعد تشكيل الحكومة برئاسة حسان دياب على خلفية تغريدة في تويتر أيضاً.

وفي اتصال هاتفي أجرته يورونيوز معه يقول خوري "علمت مؤخراً أنّه يتم التقصي عنّي منذ شهر إلى الآن، ويتم وجمع معلومات عني وعن أهلي بسبب منشورات كتبتها سابقاً وهي تتعلق بأداء الجيش في طرابلس، وقتله الشاب فواز السمان. قد أستدعى وقد لا أستدعى. لكن الاستقصاء يعود إلى نهج مُتبع منذ الانتفاضة. نهج "ازداد كثيراً" مع الحكومة الجديدة، التي تتوجه نحو عسكرة الدولة، لقمع أي صوت يصوّب على أداء الدولة الاقتصادي أو الأمني. وكلَّما زادت الضغط الاجتماعي سيزداد البطش الأمني".

شربل خوري
الناشط والصحافي شربل خوريشربل خوري

فارس الحلبي: "استدعوني فذهبت متأخراً"

استدعيت في حزيران/يونيو الفائت من قبل جهاز أمن الدولة (وكالة الأمن القومي اللبنانية). جاؤوا إلى بيتي في قريتي وأخبروني في اليوم نفسه أني مطلوب إلى التحقيق، فذهبت متأخراً إلى المكتب ساعة ونصف الساعة تقريباً. خلال التحقيق سألوني عن التغريدات التي أكتبها في تويتر وأهاجم فيها، نوعاً ما، بشكل مركّز يعني، الأجهزة الأمنية، ورئيس الجمهورية والمجموعة الحاكمة. ولكني أهاجم بدون شتائم. خلال التحقيق عرضوا عليّ نحو 10 تغريدات من حسابي، منها عن جهاز أمن الدولة، منها عن مخابرات الجيش، ومنها متعلق بالتعذيب، وأيضاً عن رئيس الجمهورية والحكومة. طُلب مني لاحقاً أن أوقع على تعهّد فرفضت. قيل لي حينها "سنوقفك" فقلت "أنا ما عندي مشكلة". انتظرت حوالي ساعة ثم جاء قرار من القضاء الذي طلب إخلاء سبيلي بسند إقامة. وهذا ما حصل. لا أعرف إذا ما كان ملفّي سيُغلق أم أنه سيرفع إلى الادعاء العام.

فارس الحلبي
انتقد فارس الحلبي أداء بعض الأجهزة الأمنية فتدخل جهاز "أمن الدولة" (الأمن القومي) واستدعاه إلى التحقيقفارس الحلبي

"جبهة الدفاع عن حريّة التعبير في لبنان"

كان لافتاً بداية هذا الأسبوع، إطلاق "جبهة جديدة" تتألف من 14 منظمة لبنانية ودولية "تحالف الدفاع عن حرية التعبير في لبنان" في بيروت. ويهدف التحالف، بحسب ما جاء في بيان افتتاحي، إلى التصدّي لمحاولات القمع والتضييق على الحريات، وتشكيل شبكة تحاول حماية من يعبّر عن رأيه من القمع والاعتقال.