عاجل
المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

تفاقم أزمة الهجرة غير النظامية في تونس مع فشل "حكومات اليأس" والمستقبل المجهول

بقلم:  Sami Fradi
مهاجرون أفارقة ينتظرون المساعدة في عرض البحر المتوسط على بعد نحو 122 ميلا من السواحل الليبية. 2021/02/12
مهاجرون أفارقة ينتظرون المساعدة في عرض البحر المتوسط على بعد نحو 122 ميلا من السواحل الليبية. 2021/02/12   -   حقوق النشر  برونو تفينين/أ ب
حجم النص Aa Aa

ما زالت موجات الهجرة غير النظامية متواصلة من جنوب المتوسط باتجاه أوروبا حتى بداية 2021، ولكن سنة 2020 التي بدأت فيها تونس تواجه جائحة كورونا، عرفت البلاد ثاني أعلى ذروة للهجرة غير النظامية من السواحل التونسية (بلغت أكثر من 12 الف مهاجر) مقارنة بالفترة التي تبعت ثورة 2011 (22حوالي ألف مهاجر وفق وزارة الداخلية التونسية) باتجاه السواحل الإيطالية.

وتشمل أعداد المهاجرين غير النظاميين نحو أوروبا أفارقة من بلدان ما وراء الصحراء، وفق دراسة أصدرها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وساهمت في إعدادها الباحثة في علم الاجتماع نسرين بن بلقاسم.

لم تفلح سياسات الهجرة والمقاربات الأمنية الصارمة وفق الباحثة التي حاورتها يورونيوز في الحد من تدفق المهاجرين غير النظاميين على أوروبا، بل إنها ساهمت في تنوع وتوسع شبكات الهجرة وانتهاك حقوق المهاجرين.

"عدم الشعور بالانتماء"

تقول الباحثة نسرين بن بلقاسم ليورونيوز إن عملية الهجرة غير النظامية تعبر عن رفض المهاجر للوضع الاقتصادي والاجتماعي المتردي الذي يعيشه، ففي هذه الأيام من الأزمة الصحية بسبب كوفيدـ19 يعاني القطاع الصحي في تونس قصورا كبيرا، سجل خلاله نقص للأكسجين في المستشفيات ولغرف الإنعاش، ونقصا في أطباء الاختصاص.

إن هذا التدهور وفقدان المواطن التمتع بحق العلاج في بلاده إلى جانب غياب توفير الدولة للتنمية، خلق لديه حالة من الخوف وعدم الشعور بالانتماء، وقوى عنده الانطباع بأن الخارج أفضل.

الجائحة تعقد الوضع

تشير إحصائيات في تونس إلى أن أكثر من 69 ألف عاطل عن العمل فقدوا وظائفهم بسبب جائحة كوفيدـ19، ومع تدهور الوضع الاقتصادي زادت البطالة التي ارتفعت من 13 في المائة سنة 2010 إلى أكثر من 17 في المائة سنة 2020، وتضاعف عدد العاطلين عن العمل في صفوف خريجي الجامعات خلال الفترة نفسها من 130 ألف إلى 300 ألف.

وازداد الفقر، وأصبحت للشباب أحلام لا تتماشى مع الوضع المتردي. ويشير المعهد الوطني للاحصاء إلى أن تونس خسرت أكثر من 160 الف موطن عمل سنة 2020.

لقد عقدت الجائحة من الوضع الاقتصادي إذ تراجعت نسبة النمو إلى 21.6 في المائة خلال الثلاثي الأول من 2020 وزادت البطالة 3 في المائة لتبلغ 18 في المائة.

واستغل الشريك الأوروبي وفق الدراسة الوضع لمضاعفة الضغوطات على تونس، ومقايضة المساعدات بمدى التعاون في تشديد الرقابة على الحدود، ومضاعفة عدد المرحلين قسريا.

الهجرة "رؤية ثقافية" ولم تعد سرية

تقول الباحثة نسرين بن بلقاسم ليورونيوز: "إن الهجرة غير النظامية لم تعد تشمل الشباب فقط، بل أصبحت تشمل الأطفال القصر وحتى النساء الحوامل والكهول"،

وتبين الباحثة أن الهجرة غير النظامية أصبحت اليوم تمثل رؤية ثقافية اجتماعية، تدعم فيها الأسرة أبناءها القاصرين بالمال لتغيير الواقع المعيش.

يورونيوز
الباحثة في علوم الاجتماع نسرين بن بلقاسميورونيوز

وتتحدث الباحثة أيضا عن رحلات "مضمونة الوصول" عبر المتوسط، من الشاطئ الإفريقي إلى الشاطئ الأوروبي، باسعار متفاوتة، تثبت تورط العائلة بالمال والمعلومات، في تحريض الأبناء على الهجرة غير النظامية (أو الحرقة، نسبة لحرق الأوراق الثبوتية للمهاجر حتى لا يسهل ترحيله إلى بلاده، متى وصل إلى أوروبا).

وتقول نسرين بن بلقاسم إنه بعد أن كانت الهجرة السرية "عيبا"، أضحت اليوم "مفخرة" لدى عديد العائلات، وأصبحت هناك "ثقافة موسعة خرجت من إطار السرية".

"حكومات اليأس والمستقبل المجهول"

وجاء في الدراسة أن الحكومات التونسية المتتالية بعد الثورة تتحمل جزءا كبيرا، من الأسباب التي أدت إلى ارتفاع ظاهرة الهجرة غير النظامية، "فهي لم تزرع في قلوب التونسيين سوى اليأس، و الاحساس بالإهمال وانعدام الثقة، مما يدفع إلى هروب الشعب من موطنه، حتى أصبحت الهجرة لا فردية فقط، بل عائلية شملت أكثر من 300 عائلة"، وهو ما يفسر رفض الشعب للوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي للبلاد وخيبة الأمل في السياسيين الذين صنعوا مستقبلا مجهولا.

سانتي بلاسيوس/أ ب
مهاجرون من جنسيات إفريقية مختلفة بينهم 14 قصرا و4 نساء على متن قارب تم إنقاذهم في المتوسط بعد أن غادروا ليبيا. 2020/09/09سانتي بلاسيوس/أ ب

وتقول الباحثة نسرين بن بلقاسم، إنه ما دام الوضع غامضا في تونس فإنه من الصعب توقع الحد من ظاهرة الهجرة غير النظامية، لأنها ظاهرة معقدة وأسبابها متعددة، يتداخل فيها دور العائلة والمدرسة والمؤسسة المهنية والبيئة الثقافية، وتضيف القول إنه كلما ساد الغموض بشأن الواقع الاقتصادي والاجتماعي كلما زادت الأزمات.

لقد كان هدف الثورة التونسية الشغل والحرية والكرامة، ولكن بعد 10 سنوات من المسار الانتقالي للدولة التونسية، لم تحقق الوعود الانتخابية التي أطلقها السياسيون شيئا فكانت وعودا كاذبة، وهو ما دفع مزيدا من الناس إلى الهجرة.

فلافيو غاسبيريني/أ ب
إخراج جثة غريق كان على الأرجح على متن قارب على متنه حوالي 100 مهاجر شمال شرقي العاصمة الليبية طرابلس. 2021/04/22فلافيو غاسبيريني/أ ب

غياب الشفافية

وتنتقد الباحثة نسرين بن بلقاسم غياب الشفافية من الحكومة التونسية، عندما لا يتم الاطلاع على مضمون الاتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي، فلا يعرف الأساس الذي يتم وفقه الترحيل القسري للمهاجرين، الذين يمرون بعديد المآسي خلال عبور المتوسط، ويتعرضون لاعتداءات عنصرية وعنف مادي ومعنوي، واحتجاز في مراكز الإيواء في البلد المضيف.

وتعد تونس أول البلدان المتعاونة مع الدول الأوروبية في مجال الترحيل القسري لمواطنيها من إيطاليا، في عملية لا تخلو من انتهاك لحقوق المهاجرين.

فقد جاء في التقرير أن السلطات الإيطالية تتعامل مع المهاجرين في مراكز إيواء تعاملا سيئا، حيث يتعرضون في لامبيدوزا مثلا للعنف النفسي والجسدي، ويفرض عليهم إمضاء وثائق دون قراءتها أو فهمها، تتضمن عدم الرجوع إلى الاتحاد الأوروبي مدة خمس سنوات، وذلك مخالف أصلا للاتفاقيات الدولية.

سيرغي كامارا/أ ب
عملية إنقاذ مهاجرين غير نظاميين حاولوا الوصول الوصول إلى الشواطئ الأوروبية بعد مغادرتهم ليبيا. 2020/11/11سيرغي كامارا/أ ب

تغيير السياسات

توضح الباحثة ليورونيوز أن الحد من ظاهرة الهجرة غير النظامية يتطلب تغييرا في السياسات الحالية، وتوفر الإرادة السياسية والرؤية الواضحة، مبينة أن المقاربة الأمنية وحدها ليست الحل، وأنه هناك رهان على وعي العائلة، ودور الإعلام، وكذلك المدرسة التي غاب عن برامجها موضوع الهجرة.

وتدعو الباحثة المسؤولين في تونس خاصة إلى فهم مشكلة الهجرة بأبعادها المختلفة، وعدم الخلط بين الهجرة والإرهاب، فالمهاجر غير النظامي إنسان وليس مجرما، والتفريق بين الصفتين واجب.