الاقتصاد الألماني يتراجع تحت وطأة أزمة الطاقة من غير أن ينكسر

Access to the comments محادثة
بقلم:  يورونيوز
ميناء هامبورغ في ألمانيا أكبر ميناء في ألمانيا وثالث أكبر ميناء في أوروبا.
ميناء هامبورغ في ألمانيا أكبر ميناء في ألمانيا وثالث أكبر ميناء في أوروبا.   -  حقوق النشر  Michael Probst/Copyright 2022 The AP. All rights reserved

تتراجع احتمالات الركود القصوى في ألمانيا، حيث يجتاز الاقتصاد فصل الشتاء وأزمة الطاقة بشكل أفضل ممّا كان متوقّعاً، غير أنّه يتحتّم عليه الخضوع لعمليّة تحوّل لضمان مستقبله.

وأعلن المعهد الوطني للإحصاءات "ديستاتيس" الجمعة أن نمو إجمالي الناتج المحلي الألماني عام 2022 تخطى التوقعات مسجلا 1,9% بالرغم من "البيئة الصعبة" الناجمة عن الحرب في أوكرانيا والارتفاع الحاد في الأسعار.

وكانت الحكومة تعول في الخريف على نمو بنسبة 1,4% فقط في 2022 بعد نمو بنسبة 2,6 بالمئة في 2021. لكن المحلل في المجموعة المصرفية "أي إن جي" كارستن بيجيسكي حذر من أن الاقتصاد الأول في منطقة اليورو "لا يزال (يواجه) الركود".

وأفادت تقديرات أولية لمعهد ديستاتيس أن إجمالي الناتج المحلي سجل "ركودا" خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من 2022، ما سمح له في الوقت الحاضر بتفادي التراجع إلى نسبة نمو سلبية.

فبين صمود الاستهلاك والمساعدات الحكومية ومدّخرات الطاقة في القطاع الصناعي، لا تزال ألمانيا صامدة بوجه الأزمة حتى لو أن "الخسائر الاقتصادية الإجمالية كانت رغم كل شيء جسيمة إذ كانت التوقعات قبل الهجوم الروسي على أوكرانيا تشير إلى نمو أكبر بحوالى مرّتين"، على ما أوضح الخبير الاقتصادي في بنك "كاي إف في" فريتزي كولر غايب.

طقس معتدل

وأعلن وزير الاقتصاد روبرت هابيك مبديا ارتياحه "نجحنا في السيطرة على هذه الأزمة ... سيكون التباطؤ الشتائي أكثر اعتدالا وأقصر مما كان متوقعا". ولا تزال الحكومة تتوقع انكماشا بنسبة 0,4% عام 2023، لكن معظم المعاهد أقل تشاؤما.

وأدت أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب في أوكرانيا إلى زعزعة النموذج الاقتصادي الألماني الذي يعتمد بشكل خاص على الاستيراد الهائل للغاز الرخيص من روسيا.

وأوقفت الحرب الإمدادات الروسية، ما تسبب في ارتفاع حاد في الأسعار في أوروبا خلال قسم من العام. وارتفع معدل التضخم مع زيادة تكاليف الإنتاج في الصناعة، محرك النمو الألماني، ما أثار مخاوف من حدوث أزمة اقتصادية كبرى في البلد.

وفي هذا السياق، أوضح ديستاتيس أن الاستهلاك الخاص بات "الدعامة الرئيسية" للنمو العام الماضي، مع عودة الإنفاق إلى مستوياته السابقة لتفشي وباء كوفيد-19.

وأتاحت المساعدات الضخمة التي خصصتها الحكومة لدعم القوة الشرائية، تفادي انهيار الإنفاق الخاص مع ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية بشكل كبير. أما الصناعات، فبرهنت عن "حس خلاق" في ادّخار الغاز، برأي يان كريستوفر شيرير الخبير في معهد "دي اي في" الاقتصادي.

وأظهرت دراسة أعدها معهد الأبحاث الاقتصادية "إي إف أو" أن "ثلاثة أرباع" الصناعات التي تستخدم الغاز خفضت استهلاكها بدون الحد من إنتاجها. كذلك تراجعت أسعار الطاقة في الأشهر الأخيرة بفضل طقس معتدل هذا الشتاء وجهود برلين لزيادة إمداداتها من الغاز الطبيعي المسال.

وعلى صعيد العرض، فإن التراجع التدريجي للضغوط على سلاسل الإمداد في الأسواق العالمية أدى إلى تخفيف الضغط عن الصناعة التصديرية. وأكد بيجيسكي أن "هذا التأثير الإيجابي عوّض جزئيا عن تبعات الحرب وأسعار الطاقة المرتفعة".

"أشهر قادمة صعبة"

لكن الأزمة لم تنته واعتبر أوليفر هولتمولر الباحث في معهد "إيه في اتش" أن "الأشهر المقبلة ستكون صعبة". لكن إن كانت أسعار الغاز تراجعت في الأشهر الماضية في أسواق العقود القصيرة الأجل، فإنها ستبقى لفترة طويلة أعلى من مستوياتها قبل الأزمة.

بالطبع، خصصت برلين 200 مليار يورو لفرض سقف لأسعار الكهرباء والغاز سيسمح بتجميد الأسعار في 2023 و2024، لكن هذا الإجراء لن يتمكن من التعويض عن كل الخسائر ولا سيما في حال عاودت الاسعار الارتفاع بصورة مفاجئة.

وما يعزز المخاوف أن الحسابات العامة سبق أن سجلت عجزا بقيمة 101,5 مليار يورو عام 2022، ما يمثل 2,6% من إجمالي الناتج المحلي، ومن المتوقع أن يزداد إلى 3,25% هذه السنة.

وأفاد الاتحاد الألماني لصانعي السيارات أن هذا القطاع سيسجل مجددا عام 2023 رقم مبيعات "أدنى بنسبة الربع منه في 2019" السنة السابقة لتفشي كوفيد.

كما أن بعض الصناعات الشديدة الاستهلاك للطاقة مثل الكيمياء قد تعمد حتى إلى مغادرة البلد، بحسب تحذيرات خبراء، بعدما تراجع الإنتاج في هذه القطاعات بنسبة 12,9% في تشرين الثاني/نوفمبر بمعدل سنوي، بعد عام 2019 عانى من تبعات الأزمة الصحية.

وترتفع أصوات متزايدة للدعوة إلى التخلي عن هذه الفروع الاقتصادية التي لا تتمتع بقدرة تنافسية كبيرة، والاستعاضة عنها بصناعات تكنولوجية أكثر وأقل استهلاكا للطاقة.