بعد أن تراجع ترامب عن موقفه العلني بشأن غرينلاند، بدأ مسؤولون أوروبيون كبار في رفع نبرة التحذيرات، مشيرين إلى أن الاتحاد يواجه خطراً جسيماً من الصدمات الجيوسياسية.
دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الخميس، إلى "تسريع" أجندة "الاستقلال الأوروبي"، مؤكداً أن الاتحاد بحاجة إلى تحويل التصريحات إلى قرارات ملموسة قبل الاجتماع غير الرسمي لقادة الدول الأعضاء المقرر في 12 شباط/فبراير.
قال ماكرون على منصة إكس: "من أجل أوروبا قرارها بيدها، وأكثر تنافسية وسيادة. أعمل مع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين للتحضير لاجتماع رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي الأسبوع المقبل بشأن التنافسية".
وأضاف: "رسالتي هي: تسريع أجندة استقلالنا الأوروبي. الاستثمار، والحماية، والتنويع، والتبسيط، بشكل أسرع".
وبحسب مصدر مقرب من ماكرون، فإن الرئيس الفرنسي مصمم على الدفع نحو "إحداث تغيير" خلال هذا الاجتماع، مستفيداً من الزخم الذي أعقب تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن غرينلاند والرسوم الجمركية.
أشار المصدر نفسه إلى أن "الخطر الكبير الذي ينتظرنا هو أن تتلاشى الحماسة (الأوروبية)، وهذا ما حدث قبل عام بعد حادثة المكتب البيضاوي"، في إشارة إلى اللحظة التي هاجم فيها ترامب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لفظياً في البيت الأبيض، ما أثار تصريحات أوروبية منددة.
وسيلتقي قادة الاتحاد الأوروبي في 12 شباط/فبراير ببلجيكا في اجتماع غير رسمي، بحضور ماريو دراغي ــ رئيس الوزراء الإيطالي السابق ورئيس البنك المركزي الأوروبي الأسبق ــ معدّ التقرير الرئيسي حول تعزيز القدرة التنافسية للقارة العجوز.
تصاعد المخاوف من التقلبات الأمريكية
وبعد أن تراجع ترامب عن موقفه العلني بشأن غرينلاند، بدأ مسؤولون أوروبيون كبار في رفع نبرة التحذيرات، مشيرين إلى أن الاتحاد يواجه خطراً جسيماً من الصدمات الجيوسياسية.
وشدّدوا على ضرورة تسريع خطوات تحقيق الاستقلال الاستراتيجي، لا سيما في ثلاثة مجالات حاسمة: الدفاع، والطاقة، والتكنولوجيا.
ويأتي هذا التحذير في سياق تصاعد التهديدات الأمريكية، التي تراوحت بين فرض ضغوط تجارية على الدول الأوروبية ومحاولة فرض السيطرة على غرينلاند.
وتخشى العواصم الأوروبية أن تتحول هذه السياسات غير المتوقعة إلى سلاح رقمي، خاصة إذا قررت واشنطن استخدام نفوذها في البنية التحتية التكنولوجية ضد التكتل الأوروبي، وفق ما ذكرته وكالة الأنباء الفرنسية.
ودفعت هذه التحولات، إلى جانب الصراعات الدولية المستمرة، أوروبا إلى مراجعة جذرية لاستراتيجيتها الأمنية وسياساتها الدفاعية.
ويعود جزء كبير من هذا التحوّل إلى تراجع الثقة في الضمانات الأمنية الأمريكية، بعد مؤشرات واضحة على أن واشنطن قد لا تكون مستعدة للاستمرار في حماية حلفائها الأوروبيين. وفي هذا السياق، لم يعد الاستقلال الدفاعي خياراً يمكن تأجيله، بل أصبح ضرورة استراتيجية.
الاعتماد على الخارج: ثغرة تهدد السيادة
ويكشف تقرير صدر عام 2023 أن الاتحاد الأوروبي، المؤلف من 27 دولة، يعتمد على جهات خارجية في أكثر من 80% من المنتجات والخدمات والبنية التحتية الرقمية وممتلكاته الفكرية. ويُعد هذا الاعتماد الواسع أحد أبرز العوائق أمام بناء أوروبا ذات سيادة حقيقية.
وقد دفع هذا الواقع بروكسل إلى التعجيل بخطط خفض التبعية، خصوصاً للشركات التكنولوجية الأمريكية. وتأتي الخطوة الأحدث في هذا الاتجاه من فرنسا، التي أبلغت موظفيها الحكوميين الأسبوع الماضي باقتراب اعتماد بدائل محلية لأدوات اتصال أمريكية شهيرة مثل "زووم" و"مايكروسوفت تيمز".
إعادة تعريف الأمن الأوروبي
شكّلت العقوبات التي فرضتها واشنطن العام الماضي على قضاة المحكمة الجنائية الدولية، والتي حدّت من وصولهم إلى خدمات تكنولوجية أمريكية مثل "أمازون" و"غوغل"، جرس إنذار لبروكسل، إذ كشفت حجم الهيمنة الأمريكية على أدوات أساسية في الحياة الرقمية الأوروبية.
وقالت هينا فيركونين، مسؤولة التكنولوجيا في الاتحاد الأوروبي، إن العام الماضي عزّز إدراك الأوروبيين لأهمية عدم الاعتماد على دولة واحدة أو شركة واحدة في التقنيات الحيوية، محذّرة من أن هذا الاعتماد قد يُستغَل ضد الاتحاد.
ومن المقرر أن تكشف فيركونين في آذار/مارس المقبل عن حزمة شاملة لتعزيز "السيادة التكنولوجية" تشمل الحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، وصناعة الرقائق الإلكترونية، وهي مجالات يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تحقيق استقلالية أكبر فيها.