حملت الزيارة الأخيرة التي أداها أردوغان إلى القاهرة في 4 شباط/ فبراير الجاري بعدًا رمزيًا لافتًا، تمثّل في إهداء الرئيس التركي نظيره المصري السيسي سيارة "توغ" الكهربائية، وهي أول سيارة تركية محلية الصنع.
بعد أكثر من عقد من العلاقات المتوترة، يبدو أن القاهرة وأنقرة تقفان اليوم في نقطة انعطاف استراتيجية، حيث تحولت طبيعة العلاقات بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره التركي رجب طيب أردوغان من العداء والصراع إلى تنسيق وتعاون إقليمي متزايد.
وحملت الزيارة الأخيرة التي أداها أردوغان إلى القاهرة في 4 شباط/ فبراير الجاري بعدًا رمزيًا لافتًا، تمثّل في إهداء الرئيس التركي نظيره المصري السيسي سيارة "توغ" الكهربائية، وهي أول سيارة تركية محلية الصنع.
وقد جرى تسليم الهدية خلال الزيارة الرسمية، في خطوة عكست رغبة أنقرة في إضفاء طابع إيجابي وشخصي على مسار التقارب.
أصل التوتر: 2013 وما بعدها
بدأ التدهور الحاد في العلاقات عقب الإطاحة بالرئيس المصري الراحل محمد مرسي في يوليو/تموز 2013، وهي لحظة اعتبرها أردوغان وصناع القرار في أنقرة انقلابًا على إرادة شعبية، وعبر عن رفضه لها بشكل مستمر في السنوات اللاحقة.
وتجاهلت تركيا للنظام المنبثق عن مرحلة ما بعد مرسي مما شكل أبرز نقاط الخلاف، حيث تحولت مصر في الخطاب التركي الرسمي إلى نموذج لـ "الانقلاب العسكري" في المنطقة، بينما اتهمت القاهرة أنقرة بالتدخل في شؤونها الداخلية ودعم جماعة الإخوان المسلمين المحظورة في مصر.
وتعمّق هذا الخلاف لاحقًا مع تبادل الاتهامات غير المباشرة بشأن ملفات أمنية إقليمية، من بينها اتهامات تركية غير رسمية بضلوع أطراف إقليمية، من بينها مصر، في خلق بيئة معادية لتركيا في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، ما أبقى العلاقات في حالة جمود سياسي ودبلوماسي طويل.
التحوّل نحو التهدئة
رغم هذا الإرث الثقيل، شكّل اللقاء الذي جمع السيسي وأردوغان في الدوحة على هامش افتتاح كأس العالم 2022 نقطة تحوّل رمزية في مسار العلاقات.
وعمليًا، أنهت المصافحة الشهيرة التي التقطتها عدسات الإعلام قطيعة استمرت قرابة عقد، وفتحت الباب أمام مسار تهدئة هادئ بعيدًا عن الأضواء.
ورغم الطابع البروتوكولي للقاء، إلا أن دلالاته السياسية كانت واضحة من خلال استعداد متبادل لتجاوز مرحلة الصدام، وإطلاق مسار تطبيع تدريجي تُرجم لاحقًا بإعادة العلاقات الدبلوماسية إلى مستوى السفراء، ثم بتكثيف الاتصالات والزيارات رفيعة المستوى.
وبعد سنوات من القطيعة الدبلوماسية ونبرة الخطاب العدائية، بدأت علاقة القاهرة وأنقرة تشهد مؤشرات تهدئة بداية من عام 2023، حيث اتفق البلدان على إعادة العلاقات الدبلوماسية على مستوى السفراء، وبدأ تبادل الزيارات رفيعة المستوى بينهما لأول مرة منذ سنوات طويلة.
وتجسّد هذا التحوّل في عدة مؤشرات من خلال زيارات متبادلة بين زعيمي البلدين، حيث زار أردوغان القاهرة لأول مرة منذ بداية الأزمة في شباط/ فبراير 2024 للمشاركة في مباحثات رسمية، واستُقبل هناك رسميًا ووصف السيسي بأنه "الأخ المحترم"، ما شكل خطوة رمزية مهمة بعد سنوات من النزاع.
وفي سبتمبر/ أيلول من العام نفسه، أدى السيسي أول زيارة رسمية إلى تركيا منذ تولّيه الرئاسة، حيث استُقبل فيها من قبل أردوغان، واتفق الطرفان على تعزيز العلاقات الثنائية والاقتصادية، واعتُبرت زيارةً تاريخية في مسار التقارب.
وبعدها بعام، التقى السيسي وأردوغان مجددًا في قطر على هامش قمة طارئة، حيث عبّرا عن تنسيق أكبر في المواقف تجاه الأزمات الإقليمية، لا سيما الحرب في غزة.
كما تم الإعلان عن تأسيس مجلس تعاون استراتيجي رفيع المستوى، حيث تم عقد أول اجتماع لمجلس التعاون بين البلدين، وتطرّق إلى أولويات مشتركة مثل وقف إطلاق النار في غزة وسبل التعاون في قضايا إقليمية.
هذا التقارب لم يأتِ من فراغ، بل بدفع عدة عوامل إقليمية، أبرزُها الحرب على غزة وهو ما دفع القاهرة وأنقرة إلى التنسيق بشكل أكبر في جهود وقف التصعيد وفتح ممرات إنسانية، إذ أكد الرئيسان خلال لقاءات مشتركة على الحاجة لتنفيذ اتفاقات وقف النار وتقديم المساعدات.
وبالرغم من بعض الاختلافات القديمة في السياسات المتعلقة بليبيا، عبّر الجانبان عن توافق في الرغبة بتعزيز الاستقرار وحفظ وحدة الترابية لهذا البلد، ما يفتح بابًا للعمل المشترك في ملف لطالما شكّل ساحة تنافس بينهما.
كما عملت تركيا ومصر على تنسيق المواقف حول الحرب الأهلية في السودان، مع الدعوة إلى وقف إطلاق النار، التي بدت قاسمًا مشتركًا آخر في الحوار السياسي بين القاهرة وأنقرة.
أبعاد اقتصادية وتعاون عابر للصراع
مع تحسّن الأجواء السياسية، بدأت العلاقات الاقتصادية تتوسع بشكل ملفت، حيث تطور التبادل التجاري بين مصر وتركيا ليبلغ حوالي 9 مليارات دولار، مع هدف لرفعه إلى 15 مليارًا بحلول 2028.
خلال الزيارة الأخيرة، جرى التأكيد على أن الاستثمارات التركية في مصر تقترب من 4 مليارات دولار، مع توجيهات لتسهيل الإجراءات وتشجيع المزيد من الاستثمارات الثنائية.
كما جرى توقيع اتفاقيات تعاون في مجالات الدفاع، والصحة، والزراعة والسياحة، إضافة إلى تنسيق على صعيد البنى التحتية والاستثمار.
وأيضاً، عُقد منتدى أعمال مصري–تركي كبير في مدينة العلمين بحضور قيادات من رجال الأعمال من كلا البلدين، ضمن جهود لتشجيع المشاريع المشتركة والاستثمارات وفتح آفاق جديدة لشراكات اقتصادية في مجال الصناعة والتجارة.