تضمنت المعلومات المُباعة أيضاً تخمينات حول عمليات عسكرية مستقبلية. ففي يناير، ومع تصاعد الاحتجاجات المناهضة للنظام في إيران، تواصل العميل الإيراني مع المتهم مجدداً طالباً معلومات عن المواقع المستهدفة.
كشف مكتب نيابة الدولة الإسرائيلي، الثلاثاء، النقاب عن لائحة اتهام غير مسبوقة، تتهم شقيقين من مستوطنتي بيتار عيليت وبيت شيمش، بتنفيذ مخطط متقن لاستدراج عملاء إيرانيين، عبر تقديم معلومات أمنية مختلقة أنتجت بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي، مقابل مبالغ مالية تجاوزت 100 ألف شيكل.
وتأتي تفاصيل اللائحة، التي قُدمت قبل أسابيع وخضعت لحظر نشر إعلامي بسبب حساسية التحقيقات، لتسلط الضوء على طريقة عمل غير مسبوقة اعتمدت على اختلاق الوقائع رقمياً بدلاً من سرقة أسرار حقيقية، مما أثار جدلاً قانونياً حول طبيعة التهم الموجهة للمتهمين الذين تلقوا مبالغ مالية طائلة مقابل معلومات وصفها التحقيق بأنها "مفبركة بالكامل".
ووفقاً للتفاصيل التي نشرها موقع "والا" الإسرائيلي، وجهت النيابة تهماً جسيمة للشقيقين، المقيمين في مدينتي "بيتار عيليت" و"بيت شيمش"، تتلخص في الاتصال بعنصر أجنبي وإمداد العدو بمعلومات، وهي جرائم تعتبر من أخطر الجرائم الأمنية في التشريعات الإسرائيلية.
وبحسب وثائق الاتهام، تلقى الشقيقان أكثر من 100 ألف شيكل جديد (حوالي 29 ألف دولار) من جهات إيرانية مقابل حزمة المعلومات التي قدموها.
وبدأت القصة في أغسطس الماضي، عندما تواصل عميل إيراني مع المتهم الرئيسي عبر تطبيق "تلغرام" عارضاً عليه كسب المال.
ورغم شكوك المتهم بأن الطرف الآخر عميل تابع لطهران، إلا أنه قرر الدخول في اللعبة، مقدماً اسماً مستعاراً ومزوراً، مدعياً أنه طالب علوم حاسوب على وشك التجنيد في وحدة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية النخبوية "8200"، المسؤولة عن التنصت وتحليل الإشارات.
سيناريو التجنيد الوهمي والتقنيات المزورة
ولتعميق الثقة لدى العميل الإيراني، نسج المتهم شبكة معقدة من الأكاذيب المدعومة بتقنيات حديثة. فادعى وجود صديق له يعمل داخل الوحدة، مستغلاً هوية شخص حقيقي عثر على بطاقته الشخصية ورخصة قيادته عبر الإنترنت. ولإضفاء مصداقية على الرواية، أنشأ المتهم مجموعة محادثة على "تلغرام" ضمت العميل والمتهم نفسه تحت هوية "الجندي الصديق".
وعندما طلب العميل صوراً تثبت هوية "الجندي"، أرسل المتهم فيديو لشخص إسرائيلي عشوائي وجد رخصة قيادته على الشبكة، لكن العميل طلب صورة للشخص وهو يحمل وثيقة الهوية. هنا تدخلت تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث قام المتهم بتوليد صورة مزيفة تظهر الشخص وهو يقوم بإشارة "موافق" بيده بينما يحمل الوثيقة، باستخدام برامج توليد الصور.
كما قدم وثيقة خدمة مزورة في الوحدة 8200، تم تحريرها رقمياً بناءً على نماذج وجدها على الإنترنت.
دور الذكاء الاصطناعي في تزوير البيانات الاستراتيجية
وكشفت اللائحة عن استخدام مكثف لأدوات الذكاء الاصطناعي مثل "تشات جي بي تي" (ChatGPT) و"جروك" (Grok) و"جيميناي" (Gemini) لصياغة التقارير المزعومة. ففي أعقاب وفاة الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي في حادث تحطم مروحية، سأل العميل عن دور إسرائيل في الحادث، فأجاب المتهم بالإيجاب مرفقاً تقريراً مفبركاً أنتجه "تشات جي بي تي" يؤكد الضلوع الإسرائيلي.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل امتد ليشمل تقديم إحداثيات لمواقع استراتيجية في إيران. فبعد أن علم المتهم من صديق له في الوحدة 8200 أن جزءاً من مهامه يتضمن رسم الخرائط، ادعى أن "صديقه الجندي" يعمل في قسم الخرائط ويستخدم أنظمة متطورة تعتمد على الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي.
وبناءً على طلب العميل، استخدم المتهم "خرائط جوجل" لتحديد إحداثيات عشوائية في إيران، منها مطار في طهران، ومقر إقامة لمسؤول رفيع، ومصنع يشتبه في كونه مستودعاً للأسلحة، وصاغها في وثيقة "بي دي إف" رسمية المظهر.
ملف المواطن الإيراني والتوريط الكاذب
وفي فصل آخر من عملية الخداع، استهدف المتهم مواطناً إيرانياً محدداً بعد العثور على تفاصيله الشخصية وزوجته عبر قنوات "تلغرام". وقام المتهم بتلفيق قصة تتهم هذا المواطن بالتعاون مع إسرائيل والمساعدة في اغتيال مسؤولين إيرانيين خلال عملية سميت بـ"الأسد الصاعد" في يونيو الماضي.
واستعان المتهم بأداة "جروك" لابتكار سردية كاملة ومفصلة تدعي أن المواطن الإيراني قادر على تشغيل الطائرات المسيرة وركوب الدراجات النارية، وأنه تم تجنيده بواسطة "مشغلين إسرائيليين" عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وأدى تسليم هذه المعلومات المفبركة للعميل الإيراني إلى عواقب وخيمة على المواطن المذكور، الذي تم اعتقاله واستجوابه من قبل السلطات الإيرانية، قبل أن يتم تبرئته لاحقاً وإخلاء سبيله بعد ثبوت براءته من التهم المنسوبة إليه.
تسريبات ممزوجة بالتخمين حول هجمات مستقبلية
وتضمنت المعلومات المُباعة أيضاً تخمينات حول عمليات عسكرية مستقبلية. ففي يناير، ومع تصاعد الاحتجاجات المناهضة للنظام في إيران، تواصل العميل الإيراني مع المتهم مجدداً طالباً معلومات عن المواقع المستهدفة. فرد المتهم باستخدام "جيميناي" للاستفسار عن أهداف محتملة لضربة أمريكية على إيران، وأرسل النتائج التي تضمنت مواقع رمزية موالية للنظام، مدعياً وجود تأهب أمني مرتفع في قاعدة الوحدة 8200.
كما استغل المتهم محادثة عرضية سمعها بين معارف له في الجيش ومسؤول عسكري رفيع، ذُكر خلالها قرار باستهداف بنية تحتية إيرانية متوقعة في 7 يناير. فقام المتهم بتضخيم المعلومة وأبلغ العميل بأن "موعد الهجوم قد حُدد"، مفصلاً أدواراً مزعومة لإسرائيل والولايات المتحدة في العملية، مستنداً في تفاصيله إلى معلومات جمعها من قنوات عامة على "تلغرام".
دفاع المتهم: "جائزة إسرائيل" بدلاً من السجن
في مواجهة هذه التهم الخطيرة، اتخذ محامي الدفاع موقفاً هجومياً غير معتاد، واصفاً لائحة الاتهام بأنها "فضائحية وغير ضرورية". وأكد المحامي أن الشقيقين هما "ابنان وطنيان صهيونيان" هدفا منذ البداية إلى خداع العدو الإيراني وإيذائه، مستغلين ما وصفه بـ"العقل اليهودي المخترع" وروح "أمة الشركات الناشئة".
وقال المحامي في مرافعته: "لقد نجحوا في بيع معلومات مفبركة للإيرانيين باستخدام الذكاء الاصطناعي مقابل المال، وكان هدفهم الوحيد الإضرار بالعدو وخداعه".
وأضاف قائلاً إنه بدلاً من محاكمتهما، "كان ينبغي على الدولة منحهما جائزة إسرائيل تقديراً لمساهمتهما الفريدة في أمن الأمة"، في إشارة إلى نجاحهما في استنزاف وقت وجهد الأجهزة الإيرانية بمعلومات لا قيمة لها.
يذكر أن القضية لا تزال قيد النظر القضائي، حيث يوازن القضاء الإسرائيلي بين نية المتهمين المعلنة في خداع العدو، وطبيعة الأفعال القانونية التي ارتكبوها والتي تنطوي على اتصال فعلي مع جهاز مخابرات معادٍ وتلقي أموال منه، بغض النظر عن دقة المعلومات المنقولة.