بين مؤيد يصف الخطوة بالبراغماتية لتجنيب لبنان مزيداً من التصعيد العسكري، ومعارض يرى فيها "إذعاناً واستسلاماً"، انطلقت أول جولة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في العاصمة الأمريكية واشنطن، لتعيد فتح جروح سياسية عميقة في بلد يعاني أصلاً من أزمات سياسية متلاحقة.
هذا التحرك الدبلوماسي الذي قاده الرئيس اللبناني جوزاف عون لم يلقَ إجماعاً، بل أشعل مواجهة سياسية جديدة، وأخرج إلى العلن اتهامات متبادلة بالخيانة، بينما تحولت منصة "إكس" إلى ساحة حرب افتراضية تعكس استقطاباً مجتمعياً غير مسبوق، في وقت يبدو فيه لبنان مقسوماً بين مؤيد يرى في التفاوض سبيلاً لإنقاذ البلاد، ورافض يصف اليوم الذي جرت فيه المفاوضات بـ "ثلاثاء العار".
محادثات واشنطن بين لبنان وإسرائيل
شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن أمس الثلاثاء انعقاد أول جولة من المفاوضات المباشرة بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، وذلك استجابةً لمبادرة طرحها عون في 9 مارس/آذار الماضي، والتي دعت إلى إطلاق مفاوضات مباشرة برعاية دولية، ترتكز على تثبيت هدنة شاملة من شأنها وقف كامل "لاعتداءات الإسرائيلية" على لبنان.
وعُقدت هذه المفاوضات التمهيدية بين سفيرة بيروت لدى واشنطن، ندى معوض، وسفير تل أبيب، يحيئيل ليتر، في مقر وزارة الخارجية الأمريكية، بحضور الوزير ماركو روبيو، والسفير الأمريكي لدى لبنان، ميشال عيسى، في لقاء وُصف بأنه الأول من نوعه بين دبلوماسيين لبنانيين وإسرائيليين بهذا المستوى.
ويأتي هذا التحرك في وقت تتزامن فيه هذه الزيار مع تصاعد الانقسامات داخل الساحة اللبنانية حيال ملف التفاوض، وكذلك القرارات الحكومية المرتبطة بحصرية السلاح بيد الدولة.
وفي الميدان السياسي، يمكن رصد اتجاهين أساسيين يتركزان في قراءة هذا المسار التفاوضي: فريق يعتبر أن التحرك يأتي في سياق محاولة فتح قنوات تفاوض غير مباشرة أو تليين المواقف الإقليمية، ويرى فيه خطوة براغماتية لتجنيب لبنان مزيداً من التصعيد، خصوصاً في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية.
في المقابل، هناك فريق سياسي يرفض بشكل قاطع أي انخراط في مفاوضات مع إسرائيل، ويعتبر أن أي خطوة في هذا الاتجاه هي جزء من ترتيبات أوسع تُمهّد لتنازلات سياسية أو أمنية، لا سيما في ظل ما يصفونه بـ"الغطاء الأمريكي" للمفاوضات.
زيارة خليل إلى الرياض وتحركات بري
في موازاة المفاوضات الأمريكية، برزت زيارة المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب اللبناني، النائب علي حسن خليل، إلى السعودية، كأحد أبرز التطورات في الساعات الأخيرة، حيث خُصصت الزيارة لبحث المستجدات في لبنان والمنطقة.
وتأتي هذه الزيارة في ظل موقف رئيس البرلمان نبيه بري الرافض للدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، ما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت الخطوة تمهّد لمسار بديل للحل أو لاستكشاف دور سعودي محتمل في هذا الملف، أم أنها مجرد محاولة للتنسيق مع حلفاء إقليميين لضبط الإيقاع التفاوضي.
حزب الله يصف المفاوضات بالـ "عبثية"
في موقف تصعيدي حمل نبرة غاضبة، انتقد النائب حسن فضل الله اليوم المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، معتبراً أنها تصبّ في مصلحة إسرائيل وتمّت من دون توافق وطني أو تشاور كافٍ مع القوى السياسية. ودعا إلى الاحتكام للدستور وتوحيد اللبنانيين، مشككاً بتمثيل هذا المسار للإرادة الشعبية، ومبدياً الاستعداد للذهاب إلى استفتاء.
كما وجّه انتقادات حادة للسلطة، معتبراً أنها غير مؤهلة وتغلب عليها المصالح الضيقة، وأنها تمضي في تقديم تنازلات من شأنها تعميق الانقسام الداخلي. وحمّلها جزءاً من مسؤولية التصعيد، داعياً إلى وقف شامل لإطلاق النار وتطبيق الاتفاقات السابقة، في وقت رأى أن إسرائيل لا تزال عاجزة عن تثبيت سيطرتها ميدانياً رغم كثافة هجماتها.
وكان الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، قد عبّر مؤخراً عن رفضه القاطع لأي مسار تفاوضي مع إسرائيل، واصفاً هذه المباحثات بأنها "عبثية" وتمثّل "إذعاناً واستسلاماً"، معتبراً أنها تأتي ضمن سلسلة تنازلات لم تحقق للبنان أي مكاسب.
ودعا قاسم إلى إلغائها فوراً واعتماد موقف وطني موحّد يرتكز إلى عناصر القوة، بهدف فرض التزام إسرائيل بالاتفاقات بدلاً من الدخول في مفاوضات جديدة تمنح إسرائيل ما فشل في أخذه بالقوة.
وهذا الموقف الحازم من قاسم وضع حزب الله في موقع الرافض الأكبر لأي تطبيع، في وقت يصر فيه رئيس الجمهورية على مبادرة رأى فيها البعض "ورقة ضغط" على الحزب، بينما يرى فيها الحزب ذاته "خيانة لثوابت المقاومة".
في الجهة المقابلة، وفي وقت يدعو فيه حزب الله إلى التراجع عن المفاوضات، يرى معارضوه أن لا سبيل لوقف إطلاق النار وحماية البلاد إلا عبر الانخراط في هذا المسار التفاوضي.
ويعتبر هؤلاء أن استمرار امتلاك حزب الله للسلاح خارج إطار الدولة يُبقي لبنان في دائرة الاستهداف الإسرائيلي، وأن التفاوض المباشر هو الطريق الوحيد لاستعادة السيادة الكاملة على الأراضي اللبنانية، ولو كان ذلك بدفع ثمن سياسي.
بين "فك الارتباط بإيران" و"ثلاثاء العار"
على منصة "إكس"، تحوّلت النقاشات إلى مواجهة افتراضية مفتوحة بين الآراء المتباينة، فبينما تبنّى مؤيدو المفاوضات خطاب "الدولة أولاً" واعتبروها خطوة ضرورية للخروج من دوامة التصعيد، وصفها معارضون بأنها "تطبيع مقنّع" يفرّغ التضحيات من معناها.
وفي هذا السياق، برزت منشورات تعكس هذا التباين الحاد، إذ رأى بعض المستخدمين أن خيار التفاوض يأتي بعد خسائر ميدانية، محذّرين من تداعيات رفضه، في حين اعتبر آخرون أن الذهاب إلى مفاوضات مباشرة يشكّل لحظة مفصلية لفك الارتباط مع المحاور الإقليمية والانطلاق نحو مسار سلام طويل الأمد.
في المقابل، اتخذت أصوات معارضة منحى أكثر حدّة، معتبرة أن الجلوس إلى طاولة واحدة مع إسرائيل يشكّل انزلاقاً خطيراً لا ينسجم مع حجم الخسائر البشرية، ويطرح تساؤلات حول معنى السيادة وشروط إدارة الصراع. وذهب بعضهم إلى توصيف هذه الخطوة بـ"ثلاثاء العار"، في تعبير عن رفضهم لهذا المسار.
وفي المحصلة، يقف لبنان عند مفترق حاسم بين خيار التفاوض وخيار المواجهة، وسط انقسام داخلي يعكس صراعاً أعمق حول هوية الدولة وحدود القرار السيادي.