Newsletter الرسالة الإخبارية Events الأحداث البودكاست فيديو Africanews
Loader
ابحثوا عنا
اعلان

صيدنايا.. من محج مقدّس إلى سجن سيء الصيت: كيف سرقت التسمية هوية المدينة العريقة؟

بلدة صيدنايا في ريف دمشق - الصورة ملتقطة من دير سيدة صيدنايا
بلدة صيدنايا في ريف دمشق - الصورة ملتقطة من دير سيدة صيدنايا حقوق النشر  يورونيوز -وسام الجردي
حقوق النشر يورونيوز -وسام الجردي
بقلم: Wessam Al Jurdi & يورونيوز
نشرت في
شارك محادثة
شارك Close Button
نسخ/لصق رابط فيديو المقال أدناه Copy to clipboard تم النسخ

بعد سقوط النظام في 8 ديسمبر 2024 ودخول قوات المعارضة للسجن العسكري الأول، تعالت أصوات أهالي صيدنايا ووجهائها لتصحيح مغالطة تسمية السجن باسم المدينة، وأكدوا أن المكان يقع خارج حدودها الإدارية وأن الربط بين "مدينة المحبة" و"سجن للتعذيب" يشوه حضارة عريقة وموقعا هو المحج الثاني للمسيحيين بعد القدس.

بين جبال القلمون الشاهقة، حيث ترتفع مدينة صيدنايا عن سطح البحر بأكثر من 1400 متر، تعيش إحدى أقدم المدن في العالم حالة من الاستنفار الإعلامي والأخلاقي.

اعلان
اعلان

فبعد الأحداث الجسيمة التي شهدتها سوريا وسقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر 2024، ودخول قوات المعارضة إلى "السجن العسكري الأول" المطلّ على الطريق المؤدي للمدينة، برزت إشكالية جديدة لا تقل خطورة عن الأزمات الأمنية؛ وهي أزمة "الهوية والتسمية".

فبدلاً من أن يُذكر الاسم الحقيقي للموقع ("السجن العسكري الأول") في التقارير الإخبارية المحلية والدولية، سرعان ما التصق به لقب "سجن صيدنايا"، لتتحول المدينة التي اشتهرت عبر التاريخ بقدسيتها وتعايشها الطائفي الفريد، إلى مرادف للتعذيب والاعتقال، في ظل تجاهل تام لكون السجن يقع خارج النطاق الإداري للمدينة ولحقيقة كونه منشأة عسكرية منعزلة.

ظلم التسمية.. عندما يعمى الإعلام عن الجغرافيا والتاريخ

يرى أهالي صيدنايا ووجهائها أن هذه التسمية ليست مجرد خطأ لغوي، بل هي "ظلم مزدوج"؛ أولهما جغرافي لأن السجن يقع على الطريق الواصل للمدينة وليس ضمن نطاقها العمراني أو الإداري، وثانيهما تاريخي وأخلاقي لأنه يلوّث سمعة مدينة مقدّسة يقصدها الملايين من كافة أصقاع الأرض.

في هذا السياق، وفي حديث ليورونيوز، يؤكد بسام حبيب أندراوس، مختار الحي الأول في المدينة، أن التسمية الجديدة أحدثت شرخاً في معنويات السكان. ويقول: "السجن عمل غصّة في قلوب أهالي صيدنايا، هذه المدينة المقدسة. كثير من المواقع الإعلامية شالت كلمة 'سجن' وقالت فقط 'صيدنايا'، وكأن البلدة نفسها هي السجن. هذا كلام مغلوط تماماً" وفق تعبيره.

ويضيف أندراوس، الذي يصف المدينة بأنها "نموذج مصغّر للجغرافيا السورية" لاحتوائها على كل الطوائف المسيحية والإسلامية في نسيج واحد: "نحن الكبار والوجهاء نتواصل باستمرار مع كافة الجماعات لمنع أي زعزعة، لأن هناك من قد تكون له مصلحة في تشويه صورة هذه الأيقونة الشرقية. السجن العسكري الأول هو منشأة إرهابية بامتياز، وربطه باسم صيدنايا ظلم صارخ، تماماً كما ظُلمت مدينة تدمر حين رُبط اسمها بالسجن الثاني".

من جهته، يشير محمود باسمنة**،** من سكان المدينة، إلى بُعدٍ آخر للقضية قائلاً: "المسمّى 'سجن صيدنايا' لا يقع إدارياً ضمن نطاق مدينة صيدنايا، إنما يقع على الطريق الواصل إليها. نسبتُه إلينا هو ظلم لها لأنها مُنحت صفة لا تستحقها، ونأمل إزالة هذه الصفة فوراً".

 صورة للجبال حول دير القديس جاورجيوس في بلدة صيدنايا
صورة للجبال حول دير القديس جاورجيوس في بلدة صيدنايا يورونيوز- وسام الجردي

صوت الأهالي: "كلنا أولاد بلد واحد"

إلى جانب قضية التسمية، يعاني أهالي صيدنايا، كغيرهم من السوريين، من أوضاع معيشية صعبة يفاقمها ارتفاع أسعار المحروقات والكهرباء. لكنهم يصرّون على تمسكهم بنموذجهم الاجتماعي الفريد.

يقول جميل ضاهر، من أهالي المدينة لـيورونيوز: "صيدنايا تاريخها قديم، لا طوائف هنا، كلنا أولاد بلد واحد، وهذا متجذّر فينا منذ أجدادنا. نحن نحافظ على بعضنا البعض".

ويوضح ضاهر أن المدينة تعتمد تاريخياً على الزراعة البسيطة (مثل الكرمة واللوز) بالإضافة إلى وجود نسبة عالية من أصحاب الشهادات في كافة الاختصاصات العلمية، مشيراً إلى أن الشعب يعيش حالياً تحت وطأة الغلاء الجنوني، حيث وصلت فواتير الكهرباء إلى نسب خيالية (600%) مقارنة بدخل الفرد (100 دولار لدى القطاع الحكومي)، وهو رقم "غير معقول".

وعن قضية السجن، يسترسل ضاهر في حديثه ليورونيوز قائلا: "ظُلمت صيدنايا بسبب رقم واحد (السجن). مفروض إعلامياً أن يُغطى أن السجن ليس بأرض صيدنايا ولا علاقة له بها. صيدنايا تاريخها عريق وحضارتها لا تمت بصلة لهذا المكان. كل شيء قريب منها يُسمّى باسمها لشهرتها، لكن هذا السجن بعيدٌ عنا وظلم لنا، فهو سجن إرهاب بامتياز".

الصليب في ساحة دير الشيروبيم في بلدة صيدنايا
الصليب في ساحة دير الشيروبيم في بلدة صيدنايا يورونيوز- وسام الجردي

الرؤية الرسمية والدينية: تصحيح المسار والحفاظ على قدسية المكان

على المستوى الرسمي والديني، تتضافر الجهود لتصحيح هذه المغالطة التاريخية. فقد أكد المهندس جورج مراد، رئيس مجلس بلدية صيدنايا لـيورونيوز، أن المدينة التي يبلغ عدد سكانها قليلاً نسبياً، تتميز بتنوع طائفي كبير وسلم أهلي يميزها في كل شيء.

ويقول مراد: "في صيدنايا كنائس ومسجد كبير، والمدارس الحكومية والخاصة التابعة لدير السيدة تضم كل الطوائف وأبناء القرى المجاورة والمهجرين. نحن نعول على المجتمع الأهلي في تقديم الخدمات".

ويشير إلى أن الحركة السياحية الدينية كانت أفضل سابقاً، لكنها تراجعت بسبب الحرب، متمنياً تحسن الوضع مستقبلاً لاستعادة دور المدينة كمحج ثانٍ للمسيحيين بعد القدس، خاصة مع وجود دير سيدة صيدنايا الذي يعود عمره إلى عام 600 ميلادي.

من جانبه، يركز سمعان معمار، رئيس مجلس الرعية في كنيسة السيدة العذراء لـيورونيوز، على البعد العالمي للمدينة. ويقول: "صيدنايا معروفة عالمياً وليست فقط في سوريا، وهي المحجّ الثاني بعد القدس. نحن مؤلفون من مسيحيين ومسلمين نعيش في بوتقة واحدة وعائلة واحدة في جميع مناسباتنا".

ويضيف أن الحركة السياحية حالياً خفيفة بسبب الأوضاع القتالية السابقة والتكاليف المرتفعة للتنقل، لكن المؤمنين ما زالوا يقصدون الدير لرؤية الأيقونة العجائبية ليوحنا الإنجيلي.

جامع صيدنايا الكبيرة في وسط البلدة
جامع صيدنايا الكبيرة في وسط البلدة يورونيوز- وسام الجردي

مصير المبنى

لم تقف المطالبات عند حدّ التنديد، بل تحولت إلى خطوات عملية. كشف بسام حبيب أندراوس عن زيارة قام بها وفد من قيادات "دولة سوريا الجديدة" إلى دير سيدة صيدنايا، وتم عقد اجتماعات مع محافظ ريف دمشق الجديد، عامر الشيخ، لمناقشة هذه القضية تحديداً.

ويتطلّع الأهالي والمسؤولون إلى حلّ جذري يتمثل في إزالة التسمية تماماً من الخرائط الإعلامية والرسمية، وتغيير وظيفة المبنى نفسه.

ويقول أندراوس: "نطالب بأن يُزال الاسم أو يُغير. وفقاً لتصريحات الحكومة الانتقالية، قد يتحول المبنى إلى متحف أو مشفى، لكن الشرط الأساسي هو ألا يُسمى باسم صيدنايا أبداً".

أهالي من بلدة صيدنايا يتجمعون في إحدى ساحاتها لشراء حاجياتهم
أهالي من بلدة صيدنايا يتجمعون في إحدى ساحاتها لشراء حاجياتهم يورونيوز - وسام الجردي

السجن العسكري الأول لا "سجن صيدنايا"

ما يُعرف إعلامياً بـ"سجن صيدنايا" هو في الأصل "السجن العسكري الأول"، أحد أكثر السجون العسكرية تحصيناً في عهد نظام حافظ الأسد ومن بعده نجله بشار الأسد.

يقع هذا السجن العسكري على بعد 30 كيلومتراً شمالي دمشق، على الطريق المؤدي إلى مدينة صيدنايا، وليس ضمن حدودها الإدارية أو العمرانية. ويتبع السجن وزارة الدفاع السورية، وكانت تديره الشرطة العسكرية قبل سقوط نظام الأسد.

وقد اكتسب شهرته السيئة بسبب استخدام التعذيب والقوة المفرطة، إثر أعمال شغب قام بها بعض النزلاء عام 2008. ويتألف من مبنيين يستوعبان معاً ما بين 10 آلاف و20 ألف سجين.

ورغم أن اسمه الرسمي هو "السجن العسكري الأول"، إلا أن وسائل الإعلام المحلية والدولية دأبت على تسميته بـ"سجن صيدنايا"، في مغالطة جغرافية أربكت اسم المدينة المقدسة التي تعتبر المحجّ الثاني للمسيحيين في العالم بعد القدس، وألصقت بها وصمة لا علاقة لها بها.

انتقل إلى اختصارات الوصول
شارك محادثة

مواضيع إضافية

موسكو: أفشلنا محاولة انقلاب كبرى في مالي شارك فيها 12 ألف مسلح دربتهم أوكرانيا

"أطباء بلا حدود": إسرائيل تستخدم المياه سلاح إبادة في غزة وتهندس الندرة عمداً

تحت غطاء المسيرات.. 20 آلية إسرائيلية تتوغل في درعا وتفتش مقسم هاتف مهجور