دخلت أوروبا هذا العام أجواء "صيف مبكر" مع ارتفاعات غير مسبوقة في درجات الحرارة، وسط تحذيرات متزايدة من علماء المناخ بأن القارة تواجه "واقعاً مناخياً جديداً" تتصاعد فيه موجات الحر من حيث الشدة والتكرار.
قال الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، سيمون ستيل، إن موجة الحر التي تضرب أجزاء من أوروبا تمثل "تذكيراً قاسياً" بتداعيات أزمة المناخ البشرية والاقتصادية، معتبراً أن الاعتماد على الفحم والنفط والغاز، إلى جانب تدمير الغابات، يقف وراء تفاقم الظواهر المناخية المتطرفة.
وأضاف في بيان الأربعاء أن مناطق أخرى من العالم، بينها الهند وأجزاء من آسيا، تتأثر أيضاً بشكل حاد، مؤكداً أن النشاط البشري يجعل موجات الحر أكثر تكراراً وقسوة.
ودعا إلى تسريع التحول نحو الطاقة النظيفة وزيادة الاستثمارات لمواجهة تداعيات التغير المناخي.
وتسلّط بيانات الوفيات خلال فصول الصيف في أوروبا الضوء على الوجه القاتم للطقس الحار الذي يعتبره كثيرون ممتعاً، إذ إن موجات الحر تحصد أعداداً هائلة من الأرواح من دون التعامل معها غالباً باعتبارها أزمة حقيقية.
ففي عام 2024، أودى حر الصيف في الاتحاد الأوروبي بحياة عدد من الأشخاص يفوق بثلاث مرات ضحايا حوادث السير، و16 مرة ضحايا جرائم القتل، وأكثر من 10 آلاف مرة ضحايا الهجمات الإرهابية. ولم يكد ينتهِ فصل الربيع هذا العام حتى بدأت درجات الحرارة الصيفية تضرب أوروبا، في مؤشر ينذر بموسم جديد من التطرف المناخي قد يكون أشد قسوة.
أرقام قياسية تثير القلق
في فرنسا، تجاوزت الحرارة 37.1 درجة مئوية في الجنوب الغربي الإثنين، ما دفع السلطات إلى تفعيل نظام الإنذار الوطني للمرة الأولى في شهر مايو/ أيار منذ إطلاقه عام 2004، بينما سُجلت سبع وفيات بسبب موجة الحر. وقالت هيئة "ميتيو فرانس" إن البلاد شهدت فترات حارة غير اعتيادية في مايو/ أيار خلال سنوات سابقة، "لكن لا شيء يضاهي هذه الموجة".
أما إسبانيا، فتستعد هذا الأسبوع لدرجات حرارة قد تصل إلى 40 درجة مئوية. وفي بريطانيا، سُجلت خلال عطلة نهاية الأسبوع درجات حرارة قياسية، وبلغت الحرارة الإثنين 34.8 درجة مئوية في حدائق "كيو" غرب لندن، قبل أن تشهد قاعدة "كينلي" الجوية "ليلة استوائية" لم تنخفض خلالها الحرارة عن 21.3 درجة مئوية، ثم ارتفعت الثلاثاء إلى 35.1 درجة مئوية في غرب لندن.
وقالت هيئة الأرصاد البريطانية إن هذه الدرجات "استثنائية حتى في ذروة الصيف، فما بالك بشهر مايو/ أيار؟".
وسط هذه الأرقام القياسية، يحذر علماء الأوبئة والمناخ من أن الخطر لا يكمن فقط في ارتفاع الحرارة بحد ذاته، بل أيضاً في توقيت هذه الموجات المبكرة، التي تأتي قبل أن تتمكن أجسام البشر من التأقلم مع الطقس الحار.
موجات حرّ "جنونية"
قال غاريفالوس كونستانتينوديس، أستاذ علم الأوبئة البيئية في "إمبريال كوليدج لندن"، إن "موجات الحر المبكرة تكون أكثر خطورة لأن أجسامنا لم تحصل بعد على الوقت الكافي للتأقلم". وقدّر الباحث أن تكون موجة الحر قد تسببت بنحو 250 وفاة إضافية مرتبطة بالحرارة في إنجلترا وويلز بين السبت والإثنين.
وأضاف: "موجة الحر الاستثنائية هذه لا تتسبب باضطرابات في النوم أو العمل أو الدراسة فقط، بل يمكن أن تشكل خطراً حقيقياً وقد تكون قاتلة للفئات الأكثر هشاشة التي لا تملك وسائل تبريد، وخصوصاً كبار السن والأطفال الصغار والمصابين بأمراض مزمنة".
من جانبه، قال بيتر ثورن، عالم المناخ في جامعة "ماينوث" الإيرلندية: "نعلم من دون أدنى شك أن أزمة المناخ زادت من احتمالات حدوث موجات حر مماثلة". وأضاف: "لكن رغم ذلك، فإن بعض الأرقام القياسية التي تُسجل، خصوصاً في بريطانيا وفرنسا، جنونية إلى حد يصعب تصديقه".
القارة الأسرع احتراراً
مع تصاعد موجات الحر، بدأ مزارعون في أنحاء القارة الأوروبية خلال الأسابيع الأخيرة دق ناقوس الخطر بشأن التوقعات المناخية، إذ حذرت مجموعة ضغط زراعية إقليمية في هولندا من الضغوط الناتجة عن الحر والجفاف.
وفي الشهر الماضي، حذرت جمعية المزارعين الشباب في منطقة أراغون الإسبانية من خطر "كارثي" يهدد المحاصيل الزراعية، وخصوصاً الحبوب، بسبب الحر الشديد ونقص الأمطار.
وفي هذا السياق، يقول ثورن: "أرجّح أن تشهد أوروبا هذا الصيف سلسلة من الظواهر المناخية المتطرفة، لأن هذا أصبح واقعنا الجديد، لكن لا يمكن التنبؤ بما سيحدث تحديداً أو أين ومتى وما حجم تأثيره".
وفي موازاة ذلك، حذر العلماء من أن ظاهرة "إل نينيو" (ظاهرة مناخية تنتج عن ارتفاع غير اعتيادي في حرارة مياه المحيط الهادئ الاستوائي)، قد تدفع درجات الحرارة إلى مستويات أعلى في عام 2026. وتشير التوقعات الحالية إلى أنها ستبلغ مستوى متوسطاً خلال الصيف وتصل إلى ذروتها في نهاية العام، رغم تأكيد المؤسسات العلمية أن التوقعات قبل نهاية الربيع تبقى شديدة التقلب.