رغم امتناع نتنياهو عن توجيه انتقادات علنية مباشرة إلى مبعوثي ترامب، فإن شخصيات إعلامية بارزة في اليمين الإسرائيلي لم تُخفِ استياءها من الدور الذي يلعبه كوشنر وويتكوف في المفاوضات مع إيران.
تصاعدت حدة الانتقادات داخل الأوساط اليمينية والإعلامية في إسرائيل ضد صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، جاريد كوشنر والمبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وهما من أبرز المقربين من الرئيس الأمريكي والمعنيين بملفات الشرق الأوسط، على خلفية دورهما في التوصل إلى مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، يرى معارضوها في إسرائيل أنها لا تلبي المتطلبات الأمنية الإسرائيلية وتمنح طهران مكاسب استراتيجية دون معالجة "التهديدات" التي تقلق تل أبيب.
وتتزايد المخاوف الإسرائيلية بشأن ملامح الاتفاق الأمريكي الإيراني الناشئ، والذي يهدف، وفق ما يتم تداوله، إلى احتواء التوترات الإقليمية وضمان إعادة فتح الملاحة في مضيق هرمز، في حين يؤجل ملفات أخرى، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني وبرنامج الصواريخ الباليستية ودعم طهران لحلفائها الإقليميين، إلى مراحل تفاوضية لاحقة.
والاثنين، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل ستواصل العمل لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي بغض النظر عن أي تفاهمات أو اتفاقات يتم التوصل إليها بين واشنطن وطهران.
كما نقل موقع "يديعوت أحرونوت" العبري عن مسؤولين إسرائيليين أن نتنياهو أوضح للرئيس الأمريكي أن إسرائيل لا تعتبر نفسها ملزمة بالبند المتعلق بلبنان ضمن الاتفاق الجاري التفاوض بشأنه، وأنها ستواصل عملياتها العسكرية ضد أي تهديدات تراها صادرة عن حزب الله.
انتقادات حادة من القناة 14
رغم امتناع نتنياهو عن توجيه انتقادات علنية مباشرة إلى مبعوثي ترامب، فإن شخصيات إعلامية بارزة في اليمين الإسرائيلي لم تُخفِ استياءها من الدور الذي يلعبه كوشنر وويتكوف في المفاوضات مع إيران.
وكانت القناة 14 الإسرائيلية، المعروفة بخطها التحريري المحافظ والداعم لنتنياهو، في مقدمة وسائل الإعلام التي شنت هجومًا على الرجلين.
وخلال برنامجها الصباحي يوم الاثنين، وجهت مقدمة البرامج تال مئير انتقادات لاذعة إلى كوشنر وويتكوف، متهمة إياهما بالتخلي عن إسرائيل في لحظة مهمة.
وقالت مئير إن الرجلين "اختلطت عليهما الأمور"، معتبرة أنهما جزء من الشعب اليهودي الذي تدافع عنه إسرائيل.
وأضافت أن إسرائيل لا تدافع عن مواطنيها فقط، بل عن اليهود في مختلف أنحاء العالم أيضًا، قبل أن تتساءل بنبرة غاضبة: "نحن هنا، من بين أمور أخرى، للدفاع عنكم أيضًا. في النهاية هذه هي دياركم الحقيقية، ونحن نحرسها من أجلكم ومن أجل الأجيال القادمة. ثم تديرون ظهوركم لنا بهذه الطريقة؟ أنتم مجرد خاسرين".
اتهامات بـ"بيع إسرائيل"
وأفادت القناة 14 بأن الإعلامي والسياسي اليميني يينون ماغال هاجم كوشنر وويتكوف معتبرًا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خرج من الاتفاق بمظهر "الخاسر".
وبحسب القناة، اتهم ماغال الرجلين بالتصرف تحت تأثير ضغوط قطرية، وذهب إلى حد القول إنهما "باعا إخوانهما في إسرائيل" من خلال دعمهما للاتفاق الجاري مع إيران.
وتُبرز هذه الحدة في الخطاب حجم الاستياء المتصاعد داخل تيار اليمين الإسرائيلي، الذي لم يعد يرى في كوشنر وويتكوف مجرد مبعوثين للإدارة الأمريكية، بل يطالبهما بمراعاة الهوية المشتركة والانحياز لإسرائيل. هذا التحول في النظرة إليهما يأتي بعد فترة وجيزة من الاحتفاء الإسرائيلي الواسع بدور الرجلين، اللذين صُنفا سابقاً كأبرز حلفاء تل أبيب في واشنطن بفضل جهودهما في ملف المحتجزين وصياغة السياسات الإقليمية لإدارة ترامب.
غير أن انخراطهما في المسار التفاوضي مع إيران جعلهما هدفًا مباشرًا لانتقادات القوى اليمينية الإسرائيلية التي ترى أن واشنطن تسعى إلى تحقيق إنجاز دبلوماسي سريع على حساب المصالح الأمنية الإسرائيلية.
اتفاق "لا يحقق مطالب نتنياهو"
يشير إعلام عبري إلى أن مذكرة التفاهم المطروحة لا تستجيب لأربعة مطالب رئيسية كان نتنياهو قد طرحها قبل أيام فقط.
وتشمل هذه المطالب إزالة مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، وتفكيك البنية التحتية الخاصة بعمليات التخصيب، وفرض قيود على برنامج الصواريخ الإيراني، وإنهاء الدعم الإيراني للفصائل المسلحة الحليفة في المنطقة.
وهذه المطالب "ليست مطروحة على الطاولة في الوقت الراهن"، فيما يرى منتقدو الاتفاق أن التركيز الحالي ينصب على معالجة الأزمة المرتبطة بمضيق هرمز وضمان استقرار الملاحة البحرية وأسواق الطاقة العالمية، في حين يتم ترحيل القضايا الأخرى إلى مراحل تفاوضية لاحقة قد لا تتحقق نتائجها على أرض الواقع.
كما نقلت القناة 14 عن مسؤولين أمنيين إسرائيليين تحذيرات من أن الاتفاق يستند إلى "بنية هشة"، وأنه جرى التوصل إليه على عجل بدافع الرغبة الأمريكية في تحقيق اختراق دبلوماسي سريع، دون تقديم حلول فعلية للمخاوف المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني.
ورغم أن موجة الانتقادات الحالية لم تخرج بعد عن نطاق المنصات الإعلامية لليمين الإسرائيلي نحو الأروقة الرسمية، إلا أن ضراوة الهجوم المستهدف لكوشنر وويتكوف تؤكد وجود تبدل ملموس في المقاربة الإسرائيلية تجاههما.
فبعد أن كان يُنظر إلى الرجلين باعتبارهما قناتين موثوقتين للتأثير داخل الدائرة المقربة من ترامب والمدافعين عن المصالح الإسرائيلية في واشنطن، باتا اليوم في نظر عدد من المعلقين والسياسيين الإسرائيليين رمزًا لما يعتبرونه استعداد الإدارة الأمريكية لتقديم تنازلات دبلوماسية من أجل تحقيق تهدئة إقليمية واتفاق سياسي مع إيران، حتى وإن جاء ذلك على حساب المطالب الأمنية التي ترفعها إسرائيل.