يُعد المنتخب البرتغالي في هذا المونديال الأكثر اكتمالا بحسب النقاد، لكن تساؤلات تلاحق دور كريستيانو رونالدو البالغ من العمر 41 عاما ومدى إجماع الشارع على المدرب.
يستعد المنتخب البرتغالي لخوض أولى مواجهاته في كأس العالم 2026، حين يلتقي مساء اليوم منتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية في افتتاح مشواره ضمن دور المجموعات، في مباراة يسعى من خلالها إلى تحقيق انطلاقة قوية في البطولة.
وفي الوقت الذي يعوّل فيه المدرب روبرتو مارتينيز على كتيبة تضم أسماء بارزة مثل كريستيانو رونالدو ورفاقه، يدخل "سيليساو داس كويناس" المواجهة بطموح واضح يتمثل في الذهاب بعيداً في المنافسة والبحث عن أول تتويج مونديالي في تاريخ الكرة البرتغالية، في نسخة تُعد من أبرز محطات الجيل الحالي الذي يُنظر إليه كأحد أقوى الأجيال في تاريخ المنتخب.
ربما لم تكن المنتخب البرتغالي في أي وقت مضى في وضع أفضل من الآن لخوض غمار التتويج بأول كأس عالم في تاريخه.
ويستمد منتخب البرتغال هذه بعد التتويج الثاني في دوري الأمم الأوروبية أمام بطلة أوروبا إسبانيا، إضافة إلى تألق عدد من اللاعبين البرتغاليين مع أنديتهم، باتت تُستثمر داخلياً بكل وضوح.
اختار الاتحاد البرتغالي لكرة القدم شعار "Vai Dar Portugal" (سيكون ذلك من نصيب البرتغال) لحملة الترويج للمونديال. وتصور الحملة الرسمية، التي نُشرت نهاية مارس الماضي، رحلة القاطرة البحرية "الأمل" وسط بحر هائج بعاصفة، مع إشارات إلى "الإيمان الراسخ لدى البرتغاليين".
"مهما حدث، وبأي طريقة كان، لم نكن يوماً أقرب من الآن"، كان هذا جزءًا من الرسالة التي ترافق الفيديو، والتي تعكس حالة التفاؤل السائدة داخل المعسكر البرتغالي. برناردو سيلفا، أحد 27 لاعباً اختارهم المدرب روبرتو مارتينيز لخوض مغامرة المونديال في القارة الأمريكية، كان مرآةً لطموح المنتخب، مؤكداً أن البرتغال لا تخشى أي منافس.
وبعد الفوز وديًا على منتخب شيلي، قال اللاعب: "نملك الثقة والعزيمة ونحن ذاهبون من أجل الفوز"، مشدداً على أنه لا توجد أي منتخب آخر يملك ما تملكه البرتغال من مؤهلات، مضيفاً: "هناك منتخبات أخرى تملك نفس الطموح، لكن لا أحد أفضل منا ولا أقل منا".
كما استند المدرب مارتينيز بدوره إلى بعض المعتقدات الرمزية لتعزيز الروح المعنوية، مشيراً إلى دلالة الرقم 6، المرتبط بأبرز مشاركات البرتغال في البطولات الكبرى.
ففي عام 1966، حقق الفريق بقيادة أوزيبيو المركز الثالث في كأس العالم بإيطاليا، وهو أفضل إنجاز في تاريخ البلاد، بينما وصلت "الجيل الذهبي" بقيادة لويس فيغو إلى المركز الرابع في مونديال ألمانيا 2006. وهذا العام، الذي ينتهي أيضاً بالرقم 6، قد يكون فأل خير جديد.
وقال روبرتو مارتينيز في مقابلة مع قناة RTP في مايو الماضي: "أنا أؤمن كثيراً بعلم الأرقام. أعتقد أن الرقم 6 قد يجلب شيئاً إيجابياً جداً للمجموعة". كما أن المصادفات تتواصل، إذ سيكون هذا المونديال السادس في مسيرة كريستيانو رونالدو.
وتتوسع دائرة "الإشارات" الداعمة للمنتخب البرتغالي، حيث تنبأ البرازيلي مايكل برونو، المعروف باسم "عراف المونديالات" والذي أصاب في توقعه لثلاثة من آخر أربعة أبطال، بأن البرتغال ستتوج باللقب بعد الفوز على إسبانيا في النهائي المقرر يوم 19 يوليو في إيست راذرفورد قرب نيويورك.
وفي عالم الرياضة، حتى من لا يركل الكرة يقدم توقعات لصالح البرتغال. فقد قال نجم التنس نوفاك دجوكوفيتش مازحاً: "سأكون جريئاً: البرتغال ستفوز بكأس العالم، وستتفوق على المكسيك في النهائي".
وبين التوقعات الغيبية والتقديرات الرياضية، يعكس ذلك تزايد الحماس تجاه المنتخب البرتغالي، الذي أصبح في مونديال 2026 ضمن قائمة المنتخبات المرشحة بقوة، خلف البرازيل والأرجنتين، وبجانب إسبانيا وفرنسا وإنجلترا.
ومقارنة بالسنوات السابقة، فإن موقع البرتغال في أسواق المراهنات تحسن بشكل واضح، إذ كانت أقل حظاً في نسخ سابقة رغم إنجازاتها القارية.
خيارات أوسع من أي وقت مضى
"الجيل الذهبي" بقيادة كارلوس كيروش، الذي فاز بكأس العالم تحت 20 عاماً مرتين متتاليتين (1989 و1991)، أعاد البرتغال إلى الواجهة الدولية، لكنه لم يحقق لقباً في فئة الكبار.
وفي مونديال 2006، ورغم قوة التشكيلة التي ضمت فيغو وديكو ورونالدو الشاب، فإن الفريق اصطدم بحدود واضحة في بعض المراكز. ومع مرور الوقت، ارتفعت القوة البدنية والانضباط، خصوصاً مع بروز بيبي، الذي ساهم في التتويج بيورو 2016 ودوري الأمم 2019، لكن عمق التشكيلة ظل أقل من كبار العالم.
وفي 2018، خرجت البرتغال من ثمن النهائي أمام أوروغواي، رغم تسجيل بيبي هدف المنتخب.
وفي مونديال 2022، بدأت ملامح جيل جديد أكثر اكتمالاً بالظهور، وهو الجيل الذي يُنظر إليه اليوم على أنه الأكثر توازناً في تاريخ المنتخب.
في حراسة المرمى، يواصل ديوغو كوستا تقديم مستويات قوية مع بورتو، وأصبح متخصصاً في ركلات الترجيح بعد تصديه لثلاث ركلات في بطولة أوروبا 2024.
وفي الدفاع، ترك رحيل بيبي فراغاً قيادياً، لكن تم تعويضه بظهور غونزالو إيناسيو ورافائيل فيغا، إلى جانب رُبن دياز كقائد للخط الخلفي.
وعلى الأطراف، يبرز نونو مينديش بمستوى هجومي ودفاعي متقدم مقارنة بما كان عليه في كأس العالم في قطر، حيث لم يشارك سوى في مباراة واحدة قبل تعرضه للإصابة. وهو الآن من الركائز الأساسية في باريس سان جيرمان، إلى جانب جواو نيفيز وفيتينيا، اللذين تطورا بشكل كبير.
في الخط الأمامي، يضيف فرانسيسكو كونسييساو وفرانسيسكو ترينكاو وبييدرو نيتو حلولاً هجومية جديدة، إلى جانب تطور غونزالو راموس كمهاجم من الطراز العالمي.
ويجمع منتخب البرتغال في 2026 بين الخبرة والحيوية، ويمتلك خيارات متعددة في جميع المراكز، مع وجود عدد كبير من اللاعبين الذين بلغوا ذروة مستواهم مع أنديتهم.
أفضل خط وسط في العالم؟
تكمن القوة الحقيقية للبرتغال في خط الوسط، إذ لا يزال برناردو سيلفا، الذي يستعد لموندياله الثالث، يقدم مستويات عالية رغم تجاوزه الثلاثين، إذ يتميز بالاحتفاظ بالكرة في المساحات الضيقة وربط الخطوط وصناعة التفوق العددي عند تحوله إلى لاعب حر في العمق.
ويُعد رُبن نيفيز أيضاً عنصراً مهماً، كونه لاعب وسط دفاعي يمكنه شغل مركز قلب الدفاع، وقد كان حاسماً في التصفيات بتسجيله هدفاً متأخراً منح البرتغال ثلاث نقاط ثمينة أمام أيرلندا.
لكن ما يلفت الأنظار عالمياً هو الثلاثي جواو نيفيز وفيتينيا وبرونو فيرنانديش.
جواو نيفيز، خريج أكاديمية بنفيكا، عرف صعوداً سريعاً بعد انتقاله إلى باريس سان جيرمان، حيث تأقلم بسرعة مع فريق ينافس على أعلى المستويات. ويتميز بقدرته على بناء اللعب والضغط واستعادة الكرة، كما يقدم مساهمات هجومية مهمة.
أما فيتينيا، فهو صانع اللعب الأساسي في باريس سان جيرمان، وقد تطور بشكل كبير تحت قيادة لويس إنريكي، حتى حطم رقم تشافي في عدد التمريرات خلال نسخة واحدة من دوري الأبطال، وأصبح محور السيطرة على الإيقاع.
في المقابل، يمنح برونو فيرنانديش حلولاً هجومية كبيرة، بعد موسم مميز مع مانشستر يونايتد، حيث كان من أكثر اللاعبين صناعة للأهداف والفرص في أوروبا.
يتكامل جواو نيفيش وفيتينيا وبرونو فيرنانديش بصورة جيدة، ويملكون مقومات تشكيل منتخب قادر على فرض نفسه بالاستحواذ على الكرة وكسر الدفاعات المتكتلة. أكبر علامات الاستفهام تبقى في خط الهجوم وعلى مقاعد البدلاء.
معضلة كريستيانو رونالدو والشكوك حول روبرتو مارتينيز
يبقى دور كريستيانو رونالدو محور جدل مستمر، خصوصاً أنه لم يسجل في الأدوار الإقصائية في كأس العالم حتى الآن. ورغم تقدمه في السن، لا يزال الهداف التاريخي لتصفيات المونديال ويواصل تحطيم الأرقام القياسية.
ويخوض رونالدو ما يُتوقع أنه آخر مونديال له، وهو يسعى لإكمال مسيرته بالتتويج باللقب الوحيد الذي ينقص خزائنه.
ورغم الشكوك حول لياقته، لا يزال يشكل خطورة داخل منطقة الجزاء، بينما يبقى القرار النهائي بشأن مشاركته أساسياً بيد المدرب روبرتو مارتينيز.
المدرب الإسباني يواجه بدوره ضغطاً إضافياً بسبب تجربته السابقة مع منتخب بلجيكا، حيث لم يحقق أي لقب رغم امتلاكه جيلاً ذهبياً.
ومع ذلك، تشير الإحصائيات إلى أن البرتغال تحت قيادته تحقق أعلى نسبة انتصارات وأفضل معدل تهديف في تاريخها.
تحت قيادة المدرب الإسباني استعاد المهاجم توازنه وجدد طموحه، فسجل عشرة أهداف في تسع مباريات في طريق التأهل إلى يورو 2024. وكانت تلك أول مرة يحسم فيها المنتخب البرتغالي التصفيات بعشرة انتصارات في عشر مباريات.
صحيح أن كأس أوروبا كانت محبطة، إذ فشل رونالدو في التسجيل وودع المنتخب من ربع النهائي بركلات الترجيح أمام فرنسا، لكن مسيرته الظافرة في دوري الأمم أعادت شحنه، حيث سجل في نصف النهائي أمام ألمانيا وفي النهائي ضد إسبانيا.
مع ذلك، لا تزال الشكوك قائمة بشأن الحالة التي سيخوض بها، في سن 41 عاما، البطولة الموزعة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا.
القائد نفى بالفعل تراجع لياقته البدنية، لكن الحقيقة أنه فقد بعض تأثيره في أسلوب لعب الفريق. المباراة الختامية من التصفيات في 16 نوفمبر انتهت بأكبر نتيجة في المشوار (9-1) في غيابه عن أرض الملعب.
وتدخل البرتغال تدخل المونديال بطموحات كبيرة، لكن الاختبار الحقيقي سيكون في الأدوار الإقصائية، حيث تُحسم مصائر المنتخبات الكبرى.
حتى الآن، يفضل البرتغاليون التركيز على الجانب الإيجابي: فمارتينيز هو المدرب صاحب أعلى نسبة انتصارات في تاريخ المنتخب، وتحت قيادته يسجل الفريق أعلى متوسط تهديف. لكن الاختبار الحقيقي سيكون في الأدوار النهائية على أكبر المسارح.
وقال كريستيانو رونالدو للصحفيين في "مدينة كرة القدم" قبل سفر البعثة إلى الولايات المتحدة: "عندما تبدأ الأمور في التعقيد، هناك فقط سنرى الأبطال الحقيقيين". مارتينيز ورونالدو وبقية المجموعة ستكون لهم الكلمة الأولى هذا المساء. فلنترك الكرة تتكلم.
برنامج البرتغال في دور المجموعات من كأس العالم:
17 يونيو
البرتغال - جمهورية الكونغو الديمقراطية، الساعة 6:00 مساء (7:00 مساء بتوقيت وسط أوروبا الصيفي) هيوستن
23 يونيو
البرتغال - أوزبكستان، الساعة 6:00 مساء (7:00 مساء بتوقيت وسط أوروبا الصيفي) هيوستن
28 يونيو
كولومبيا - البرتغال، الساعة 12:30 صباحا (1:30 صباحا بتوقيت وسط أوروبا الصيفي) ميامي