وسط اتهامات واسعة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ"خيانة" إسرائيل والتخلي عنها في مرحلة حساسة من المواجهة مع طهران، يرى رئيس التحرير السابق لصحيفة "جيروزاليم بوست"، يعقوب كاتس، أن المشكلة لا تكمن في قرارات ترامب بحد ذاتها، بل في القراءة الإسرائيلية الخاطئة لطبيعة العلاقة مع واشنطن.
في مقال رأي نشرته الصحيفة العبرية، قال كاتس إن موجة المقالات التي اتهمت ترامب خلال الأسبوع الماضي بـ"خيانة" إسرائيل تستحق نقاشاً جدياً، ليس لأن الانتقادات الموجهة إلى الاتفاق غير مشروعة، بل لأن الشعور الإسرائيلي بالخيانة يكشف، بحسب رأيه، عن سوء فهم لطبيعة التحالف مع الولايات المتحدة.
وأوضح أن هناك بالفعل تساؤلات مشروعة بشأن تأثير الاتفاق على البرنامج النووي الإيراني، وترسانة الصواريخ الباليستية، ومصير اليورانيوم عالي التخصيب، إضافة إلى استمرار دعم طهران لحزب الله وحركة حماس، إلا أن تحويل هذه المخاوف إلى اتهام شخصي لترامب بالخيانة يعكس، وفق الكاتب، اعتقاداً خاطئاً بأن سياسة واشنطن تجاه إيران كانت مصممة أساساً لخدمة إسرائيل.
ويرى كاتس أن كثيرين في إسرائيل تعاملوا مع كل خطوات ترامب خلال العام ونصف العام الماضيين باعتبارها موجهة لخدمة إسرائيل، متجاهلين أن الإدارة الأمريكية كانت تتحرك أيضاً انطلاقاً من اعتبارات الأمن القومي الأمريكي، وحرية الملاحة، واستقرار أسواق الطاقة، والاستقرار الإقليمي، ومنع إيران من الوصول إلى العتبة النووية، وهي أهداف تتجاوز المصالح الإسرائيلية المباشرة.
"واشنطن تحركها مصالحها"
استشهد الكاتب في "جيروزاليم بوست" بمقال نشره وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق أفيغدور ليبرمان في صحيفة "وول ستريت جورنال"، قال فيه إن الاتفاق قد يكون سيئاً، وإن إسرائيل ستظل مضطرة للدفاع عن نفسها، لكن لا مبرر لتحميل الولايات المتحدة المسؤولية، لأن واشنطن تتحرك وفق مصالحها الأمريكية، وليس وفق المصالح الإسرائيلية، وهو أمر اعتبره كاتس بديهياً، رغم أن الأجواء السياسية الحالية تستدعي التذكير به.
ويرى كاتس أن مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل في الحرب على إيران كانت متطابقة تقريباً، إذ سعى الطرفان إلى توجيه ضربة قوية لإيران، وإضعاف قدراتها العسكرية، والإضرار ببرنامجها الصاروخي، ومحاولة إسقاط نظام أمضى سنوات في زعزعة استقرار المنطقة بينما كان يقترب من امتلاك القدرة النووية.
لكن، بحسب المقال، بدأت المصالح تتباعد عندما استخدمت إيران مضيق هرمز كورقة ضغط. ففي تلك المرحلة، لم يعد تركيز ترامب منصباً على تغيير النظام الإيراني أو مواصلة استنزاف قدراته العسكرية، بل أصبح هدفه إعادة فتح مضيق هرمز، واستقرار أسواق الطاقة، وإنهاء حرب أصبحت أطول وأكثر كلفة مما كان يتوقع.
ويقول كاتس إن إسرائيل كان يفترض أن تدرك عند تلك المرحلة أن المصالح الأمريكية والإسرائيلية لم تعد متطابقة، وأن تتحول أولويتها إلى الحفاظ على المكاسب العسكرية وتقليص الخسائر الاستراتيجية المحتملة نتيجة أي قرار أمريكي بوقف العمليات.
إلا أنه يرى أن إسرائيل واصلت الدفع نحو توسيع العمليات العسكرية والسعي إلى إضعاف النظام الإيراني، بينما كان ترامب يبحث بالفعل عن مخرج سياسي للحرب.
ويشير الكاتب إلى أن هذا التباين يفسر أيضاً ما وصفه بحالة الارتباك في إدارة المرحلة الأخيرة من الحرب، لافتاً إلى أن مسؤولين كباراً في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي حاولوا، قبل أسبوعين فقط، التقليل من شأن التوتر مع واشنطن، وأكدوا أن الخلافات لا تتجاوز الجوانب التقنية، إلا أن الوقائع بحسب كاتس أثبتت خلاف ذلك، مع حديث مسؤولين أمريكيين بشكل علني عن تصاعد الإحباط والغضب تجاه إسرائيل.
كما يلفت إلى أن هذا التطور لم يكن مفاجئاً، لأن ترامب، وفق توصيفه، لم يكن يوماً مؤيداً للحروب الطويلة، بل يفضل العمليات العسكرية السريعة، وإظهار القوة، وتحقيق انتصارات يمكن تسويقها سياسياً، أكثر من الانخراط في حملات إقليمية ممتدة.
ما الذي ينبغي أن تفعله إسرائيل؟
بحسب الكاتب، إن التحدي أمام إسرائيل يتمثل في ضمان ألا يؤدي أي اتفاق جديد مع إيران إلى تقييد حريتها العسكرية، وخصوصاً في لبنان، أو إلى فرض وقف لإطلاق النار بإملاء إيراني تتولى الولايات المتحدة ضمان الالتزام به.
لكن كاتس يرى أن السؤال الأهم يتمثل في كيفية استثمار الواقع الإقليمي الجديد مع اقتراب الحرب من نهايتها، وفي ظل سعي واشنطن إلى بلورة إطار إقليمي مختلف.
ويطرح في هذا الإطار تفعيل مجموعة I2U2، الذي يضم الهند وإسرائيل والولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة، موضحاً أن هذا المنتدى أُنشئ عقب اتفاقيات أبراهام ليكون منصة للتعاون في مجالات الاقتصاد والطاقة والبنية التحتية، تربط جنوب آسيا بالخليج وإسرائيل، إلا أنه لم يحقق الأهداف التي أُنشئ من أجلها.
ويرى أن أزمة مضيق هرمز أعادت إظهار هشاشة طرق التجارة في المنطقة، ما يجعل إحياء هذه المجموعة أمراً ملحاً، على أن يكون في صلبها مشروعالممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، الذي يقوم على نقل البضائع والطاقة من الهند عبر الإمارات والسعودية والأردن إلى إسرائيل، ومنها إلى البحر المتوسط وأوروبا، بما يقلل الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
ويعتبر الكاتب أن تبني إسرائيل لهذا المشروع سيعزز مكانتها لدى الولايات المتحدة ودول الخليج، ليس كشريك عسكري فقط، وإنما أيضاً كمركز اقتصادي ولوجستي، وسيمنحها فرصة لإظهار أن دورها في المنطقة لا يقتصر على خوض الحروب، بل يشمل أيضاً المساهمة في بناء بنية تحتية إقليمية أكثر ترابطاً.
إلا أن كاتس ينتقد غياب جهة إسرائيلية تتولى هذا الملف بشكل واضح، مشيراً إلى أن المسؤولية موزعة بين وزارة الخارجية، ووزارة المواصلات، ووزارة الدفاع، ومجلس الأمن القومي، وبالتالي لا أحد يتحمل المسؤولية الفعلية.
كما يشير إلى فرصة أخرى تتمثل في الدور الذي يمكن أن تلعبه أذربيجان، بعدما اشترت شركة SOCAR الأذربيجانية العام الماضي حصة في حقل الغاز الإسرائيلي تمار، وهو ما أوجد شراكة تربط بين أذربيجان والإمارات وإسرائيل.
ويضيف أن أذربيجان سعت لسنوات إلى لعب دور الوسيط بين إسرائيل وتركيا، وأن هذه الجهود كانت تحقق تقدماً قبل السابع من أكتوبر، مع لقاء جمع نتنياهو والرئيس التركي رجب طيب أردوغان على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وزيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أنقرة، إضافة إلى خطط لعقد لقاءات أخرى رفيعة المستوى.
لكن العلاقات بين الجانبين شهدت، منذ السابع من أكتوبر، تراجعاً غير مسبوق، ورغم ذلك يرى الكاتب أن المصالح الاقتصادية قد تعيد فتح قنوات التواصل، وأن أذربيجان، بحكم علاقاتها مع الطرفين وامتلاكها حصة في أحد أهم حقول الغاز الإسرائيلية، قد تكون في موقع يسمح لها بالمساهمة في تخفيف التوتر وإعادة بناء جسور التواصل.