أثارت مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران منذ اللحظة الأولى تساؤلات بشأن مضمونها وآليات تنفيذها، بعدما كشفت عن تباينات واسعة في تفسير بنودها بين الطرفين. ويرى تحليل نشرته شبكة "سي إن إن"، أعدّه محلل الشؤون الدولية بريت ماكغورك، أن الاتفاق لا يعكس تفاهمًا حقيقياً بقدر ما يؤجل الخلافات الأساسية.
يشير ماكغورك إلى أن مذكرة التفاهم المؤلفة من 14 بنداً تُعد من أكثر الاتفاقيات الدولية إثارة للاستغراب خلال السنوات الأخيرة. بحسب التحليل، تبدو الوثيقة - التي لا تتجاوز صفحتين وتفتقر إلى تفاصيل جوهرية - وكأنها تمنح إيران تنازلات أمريكية واسعة ومسبقة مقابل إعادة فتح مضيق هرمز، رغم أن الممر البحري كان مفتوحاً أساساً قبل الحرب التي أشعلها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في فبراير/شباط، والتي يسعى اليوم إلى إنهائها.
أثارت الوثيقة انتقادات داخل الأوساط الجمهورية، بينما وجد فيها الديمقراطيون فرصة لإحياء المقارنة مع الاتفاق النووي الذي أُبرم في عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، والذي امتد على 159 صفحة وتضمن قيوداً واضحة ومفصلة على البرنامج النووي الإيراني.
في المقابل، تبنت طهران قراءة مختلفة تماماً للمذكرة، معتبرة أنها لا تلزمها حتى بضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، رغم أن إدارة ترامب قدّمت هذه النقطة باعتبارها المبرر الأساسي لإبرام الاتفاق. وقد استهدفت إيران سفناً تجارية بطائرات مسيرة، متهمة إياها بانتهاك تفسيرها الخاص لبنود المذكرة، فيما ردت الولايات المتحدة باستهداف مواقع داخل إيران، مؤكدة أنها تتحرك دفاعاً عن تفسيرها هي للاتفاق.
ولا يقتصر الخلاف على ملف الملاحة، بل يمتد إلى معظم بنود الوثيقة. فبينما تؤكد واشنطن أن الأموال الإيرانية المفرج عنها مخصصة، على سبيل المثال، لشراء فول الصويا الأمريكي، وأن أي تخفيف للعقوبات يبقى مشروطاً بخطوات إيرانية ملموسة، ترى طهران أن تلك الأموال غير مقيدة بأي شروط، وأن رفع العقوبات يجب أن يسبق حتى استئناف أي مفاوضات مستقبلية.
لبنان.. أحد أبرز ساحات الخلاف
بحسب تحليل "سي إن إن"، انعكس تضارب التفسيرات أيضاً على الساحة اللبنانية. فالفقرة الأولى من المذكرة تنص على وقف إطلاق النار من دون تحديد آليات التنفيذ أو الالتزامات الواقعة على الأطراف.
وانطلاقاً من ذلك، اعتبرت إيران أن الاتفاق يفرض انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، إلا أن إسرائيل رفضت هذا التفسير، قبل أن توقع الأسبوع الماضي اتفاقاً منفصلاً مع لبنان ينص على أن انسحابها سيكون مرتبطاً بقدرة الجيش اللبناني على فرض سيطرته على تلك المناطق وإبعاد حزب الله عنها.
ويشير التحليل إلى أن طهران تعتبر الاتفاق اللبناني الإسرائيلي الجديد متعارضاً مع مذكرة التفاهم، بينما تؤكد الولايات المتحدة أنه لا يمثل سوى تطبيق عملي لما تنص عليه الوثيقة.
وفي محاولة لتفسير هذا التباين، نقل التحليل عن نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، الذي قاد المفاوضات، قوله إن "الكلمات لا تهم"، في حين تتعامل إيران مع المذكرة باعتبارها اتفاقاً ملزماً من الناحية القانونية.
ويرى ماكغورك أن هذا الواقع يفتح الباب أمام انتقادات واسعة لما وصفه بحالة غير مسبوقة من الضبابية الدبلوماسية، إذ يوقّع رئيس أمريكي اتفاقاً مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في وقت لا يوجد فيه توافق حتى على مضمون الوثيقة أو الأهداف التي يُفترض أن تحققها.
ويضيف أن الوفدين الأمريكي والإيراني كان من المقرر أن يلتقيا هذا الأسبوع في الدوحة لتوضيح تفسير كل طرف لبنود المذكرة، وربما إطلاق المحادثات النووية المجمدة، إلا أن المفاوضين الأمريكيين اجتمعوا مع وسطاء قطريين بدلاً من مسؤولين إيرانيين، بينما لا يزال الغموض يحيط بإمكانية عقد محادثات على مستويات أدنى.
وبحسب التحليل، فإن انعقاد تلك الاجتماعات أو عدمه لا يغيّر كثيراً من الصورة الحالية، إذ تبدو فرص تحقيق اختراق حقيقي محدودة، بعدما ازدادت المذكرة غموضاً وتعقيداً مع بدء تطبيقها على أرض الواقع.
شراء الوقت بدلاً من حلّ الأزمة
رغم هذا الارتباك، يرى تحليل "سي إن إن" أن المذكرة تحقق هدفاً أساسياً يتمثل في شراء الوقت والإبقاء على الخيارات السياسية مفتوحة.
واستحضر ماكغورك في هذا السياق مقولة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر: "عندما يريد رجال الدولة كسب الوقت، فإنهم يعرضون إجراء محادثات"، معتبراً أنها تنطبق إلى حد بعيد على الوضع الراهن.
ويشير التحليل إلى أن استمرار التصعيد في مضيق هرمز كان سيحمّل جميع الأطراف كلفة مرتفعة، بعدما أدى الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية إلى زيادة الضغوط على الاقتصاد الإيراني، في حين استخدمت طهران التهديد بإغلاق الممرات البحرية كورقة ضغط على الاقتصاد العالمي.
ومن هذا المنطلق، أتاحت المذكرة للطرفين التراجع خطوة إلى الخلف واحتواء التصعيد. فقد أقر ترامب بأن البديل عن الاتفاق كان ركوداً اقتصادياً عالمياً، فيما رأى مسؤولون إيرانيون مؤيدون للمذكرة أنها قد تفتح الباب أمام مكاسب اقتصادية لطهران.
ويؤكد ماكغورك أن تحديد الطرف الذي سيستفيد أكثر من هذه المهلة لا يزال سابقاً لأوانه. فعند الإعلان عن المذكرة، بدا لكثيرين أنها تميل بوضوح لمصلحة إيران، بعدما ظهرت واشنطن وكأنها تقدم تنازلات كبيرة مقابل مكاسب محدودة، أبرزها إعادة فتح مضيق هرمز.
لكن التحليل يشدد على أن تجارب الشرق الأوسط كثيراً ما أثبتت أن الانطباعات الأولى لا تعكس دائماً النتائج النهائية، وأن تطورات لاحقة قد تقلب موازين المشهد.
مؤشرات في صالح واشنطن
في هذا السياق، يعدد ماكغورك مجموعة من المؤشرات التي يرى أنها قد تصب حالياً في مصلحة الولايات المتحدة.
- إيران لم تستأنف عمليات تخصيب اليورانيوم، إذ ما تزال قدراتها على التخصيب متوقفة.
- استمرار الضغوط على الاقتصاد الإيراني، إذ توقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد بأكثر من 6%، وهو أكبر تراجع منذ ثمانينيات القرن الماضي، مدفوعاً جزئياً بتداعيات الحرب الأخيرة، بينما يُنتظر أن يبلغ متوسط التضخم نحو 70%. وحتى مع تنفيذ بنود تخفيف العقوبات، يرى التحليل أن التعافي سيظل محدوداً وبطيئاً.
- الضغوط الاقتصادية على الولايات المتحدة بدأت تتراجع بدورها، بعدما انخفضت أسعار النفط العالمية بأكثر من 20% منذ توقيع المذكرة، وهو ما انعكس على أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة مع بداية موسم العطلات الصيفية. وقد اعتبر ترامب هذا التطور أحد أبرز أهداف سياسته، مؤكداً عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن أسعار البنزين ستعود إلى مستوياتها المنخفضة التي كان الأمريكيون يتمتعون بها قبل "الرحلة الناجحة جداً إلى إيران".
- حلفاء إيران الإقليميين يواجهون تحديات متزايدة، فبينما منح التفسير الإيراني للمذكرة دفعة معنوية لحزب الله وحلفاء طهران، جاء الاتفاق الأخير بين لبنان وإسرائيل ليضعف هذه الرواية، فيما بدأت الحكومة العراقية الجديدة اتخاذ خطوات للحد من نفوذ الفصائل المسلحة والدفع نحو حصر السلاح بيد الدولة.
- تراجع الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز نسبياً، إذ دفعت التهديدات المتكررة للملاحة عدداً من الدول إلى تسريع مشاريع خطوط الأنابيب والموانئ البديلة، بما يقلل الاعتماد على هذا الممر البحري، فيما لم تُحدث الهجمات الأخيرة على السفن التجارية أثراً كبيراً في أسعار النفط العالمية.
ويخلص تحليل "سي إن إن" إلى أن مسار الأحداث لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، إلا أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار الوضع الحالي خلال الفترة المقبلة، على الأقل حتى انتهاء الانتخابات المرتقبة هذا الخريف في كل من إسرائيل والولايات المتحدة.
وحتى الآن، يلفت ماكغورك إلى أن ثلاثة عناصر تبدو واضحة نسبياً: تراجع احتمالات اندلاع مواجهة عسكرية واسعة، وانخفاض الضغوط الاقتصادية، واستمرار قنوات التواصل الدبلوماسي، رغم ما يحيط بها من غموض وارتباك.
ويختتم التحليل بالإشارة إلى أنه، رغم ما تعانيه مذكرة التفاهم من ثغرات وتناقضات، فإنها نجحت حتى الآن في تحقيق هدف أساسي يتمثل في منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع، مضيفاً أن تجنب الأسوأ في الشرق الأوسط قد يكون، في كثير من الأحيان، إنجازاً بحد ذاته.