لكن توقيت الاختبار أثار الكثير من التساؤلات، إذ جاء بعد ساعات فقط من توقيع أستراليا وفيجي اتفاقية دفاعية جديدة تتعهد بموجبها الدولتان بمساعدة بعضهما في حال تعرض أي منهما لهجوم.
أثار اختبار صاروخي صيني بعيد المدى قادر على حمل رأس نووي موجة واسعة من القلق في أستراليا ودول المحيط الهادئ، بعدما أطلقت بكين صاروخًا باليستيًا استراتيجيًا من غواصة نووية باتجاه المياه الدولية جنوب المحيط الهادئ.
كما أعربت الولايات المتحدة عن "قلقها البالغ" إزاء التجربة الصاروخية، معتبرة أنها تتعارض مع الجهود الدولية الرامية إلى الحد من انتشار الأسلحة النووية.
وقالت الخارجية الأمريكية إن "الولايات المتحدة تبذل جهودًا حثيثة أكثر من أي وقت مضى لمنع الانتشار النووي، بينما تسير الصين في الاتجاه المعاكس"وأكدت الصين نجاح عملية الإطلاق، موضحة أن الصاروخ حمل رأسًا حربيًا تدريبيًا محاكيًا، وسقط في منطقة تقع خارج المناطق الاقتصادية الخالصة لكل من كيريباتي وتوفالو.
من جانبها، أكدت بكين أن الاختبار كان "ترتيبًا روتينيًا" ولم يكن موجهًا ضد أي دولة، مشيرة إلى أنها أبلغت الأطراف المعنية مسبقًا بعملية الإطلاق.
ووصف وزير الدفاع الأسترالي ونائب رئيس الوزراء ريتشارد مارلز الاختبار بأنه دليل على اتساع قدرة الصين على نشر أسلحة نووية لمسافات أبعد، مؤكدًا أن حكومته نقلت مخاوفها مباشرة إلى بكين.
بدوره، وصف رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي عملية الإطلاق بأنها "عمل استفزازي"، مؤكدًا أن بلاده لا ترغب في رؤية أي خطوات من شأنها تقويض السلام والاستقرار في منطقة المحيط الهادئ.
كما كشف وزير صناعة الدفاع الأسترالي بات كونروي أن الصين كانت تخطط للاختبار منذ فترة، لكنها لم تبلغ أستراليا به إلا قبل ساعات قليلة من تنفيذه، مشددًا على أن المنطقة تشهد "أكبر توسع عسكري منذ الحرب العالمية الثانية"، في ظل "غياب الشفافية الكافية" من جانب بكين.
وقدمت حكومة رئيس وزراء جزر سليمان مذكرة احتجاج رسمية إلى بكين. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة، نظرًا إلى أن جزر سليمان تعد من أقرب شركاء الصين في المنطقة منذ توقيع اتفاقية أمنية بين الجانبين عام 2022، لم تُكشف تفاصيلها بالكامل.
وفي تايوان، قال مسؤول رفيع في مجلس الأمن القومي إن الصاروخ يبدو من طراز "JL-2" الباليستي، القادر على قطع آلاف الكيلومترات، فيما اعتبر الأمين العام للمجلس، جوزيف وو، أن الصين "أثبتت مرة أخرى أنها القوة المتغطرسة في المنطقة".
هل حمل الاختبار رسالة إلى أستراليا؟
أثار توقيت الاختبار الكثير من التساؤلات، إذ جاء بعد ساعات فقط من توقيع أستراليا وفيجي اتفاقية دفاعية جديدة تتعهد بموجبها الدولتان بتقديم الدعم العسكري المتبادل في حال تعرض أي منهما لهجوم.
وانقسم محللون بشأن تفسير هذا التوقيت، إذ رأى بعضهم أن الربط بين الحدثين قد يكون مبالغًا فيه، موضحين أن اختبارات الصواريخ الباليستية بعيدة المدى تتطلب تحضيرات تقنية ولوجستية تستغرق وقتًا طويلًا، وتشمل نشر سفن متخصصة لتتبع مسار الصاروخ في مواقع محددة.
وأشار هؤلاء إلى أن الغواصات الاستراتيجية لا تبحر عادة وهي تحمل صواريخ باليستية مزودة برؤوس تدريبية إلا بعد ترتيبات مسبقة، وهو ما يجعل فرضية أن يكون الاختبار ردًا مباشرًا على الاتفاقية الأمنية أمرًا غير محسوم.
كما اعتبروا أن توقيت الإطلاق ربما لم يكن في صالح بكين، لأن التحركات العسكرية التي تُفسر على أنها استعراضية أو عدائية غالبًا ما تدفع الدول الأخرى إلى تعزيز تعاونها الأمني بدلًا من التراجع.
في المقابل، يرى محللون آخرون أن الصين اختارت توقيت الإطلاق بعناية لإبراز قوتها العسكرية وتوجيه رسالة واضحة إلى أستراليا وحلفائها، حتى وإن كانت التحضيرات الفنية للاختبار قد بدأت قبل ذلك بفترة طويلة.
واعتبروا أن قرار تنفيذ الإطلاق في هذا التوقيت يعكس رغبة بكين في التأكيد على امتلاكها قدرات عسكرية بعيدة المدى، وأن الاتفاقيات الأمنية التي تعقدها أستراليا مع شركائها لن تغير موازين القوة العسكرية في المنطقة.
وأضافوا أن الاختبار يأتي ضمن سلسلة من التحركات العسكرية الصينية التي تعكس توسع حضورها في المحيط الهادئ، من بينها مناورات بحرية بالذخيرة الحية أجرتها في بحر تسمان، وأثارت آنذاك قلقًا في أستراليا ونيوزيلندا.
تنافس على النفوذ في المحيط الهادئ
يرى محللون أن خلفية الاختبار تعكس احتدام المنافسة الاستراتيجية بين الصين وأستراليا والولايات المتحدة على النفوذ في المحيط الهادئ.
وأشاروا إلى أن جنوب المحيط الهادئ يخضع لمعاهدة راروتونغا لعام 1985، التي أعلنت المنطقة منطقة خالية من الأسلحة النووية، معتبرين أن الاختبار يمثل رسالة بأن بكين ماضية في توسيع حضورها العسكري في منطقة تعدها أستراليا جزءًا من مجالها الأمني الحيوي.
كما أثار الاختبار انتقادات من أطراف إقليمية اعتبرته خطوة من شأنها زيادة التوتر في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وتعكس اعتماد الصين بشكل متزايد على استعراض قوتها العسكرية.
وفي المقابل، حذرت بكين من أي اتفاقيات أمنية تعتبرها موجهة ضدها، مؤكدة رفضها التعامل مع دول جزر المحيط الهادئ باعتبارها ساحة للتنافس بين القوى الكبرى.
ويرى محللون أن اهتمام الصين المتزايد بالمحيط الهادئ يرتبط بأهداف استراتيجية بعيدة المدى، إذ يمنحها النفوذ في المنطقة قدرة أكبر على التأثير في خطوط الملاحة البحرية الحيوية التي تربط أستراليا بالولايات المتحدة، والتي قد تصبح عاملًا حاسمًا في أي أزمة أو مواجهة مستقبلية.
وأضافوا أن إنشاء موطئ قدم أمني خارج سلسلة الجزر الأولى يمثل خطوة استراتيجية رئيسية ضمن رؤية بكين لتوسيع نفوذها العسكري.
الاختبار يكشف ثغرات الدفاع الأسترالي
أعاد الاختبار الصيني تسليط الضوء على أوجه القصور في القدرات الدفاعية الأسترالية، خاصة في مجال الدفاع ضد الصواريخ الباليستية بعيدة المدى.
وقال محللون إن أستراليا لا تمتلك حاليًا منظومة دفاع صاروخي متكاملة قادرة على اعتراض هذا النوع من الصواريخ، معتبرين أن هذه الفجوة تشكل تحديًا حقيقيًا لأمن البلاد.
وأشاروا إلى أن تعزيز قدرات الدفاع الجوي والصاروخي أصبح ضرورة ملحة في ظل التطور السريع للقدرات العسكرية الصينية.
ورغم وصول الإنفاق الدفاعي الأسترالي إلى مستويات قياسية من حيث القيمة، يرى محللون أن نسبة الإنفاق من الناتج المحلي الإجمالي لا تزال أقل بكثير من مستويات الحرب الباردة.
وتنفق أستراليا حاليًا نحو 2% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، مع خطة لرفع هذه النسبة إلى 3% بحلول عام 2033، إلا أنها لا تزال دون مستوى 3.5% الذي تحث الولايات المتحدة كانبيرا على بلوغه.
ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه المخاوف الدولية من عودة سباق التسلح النووي، بعدما دعت الولايات المتحدة في فبراير/شباط الماضي إلى إطلاق مفاوضات متعددة الأطراف بشأن الحد من الأسلحة النووية تشمل الصين، عقب اقتراب انتهاء صلاحية معاهدة "نيو ستارت" بين واشنطن وموسكو.
وتعد "نيو ستارت" آخر معاهدة رئيسية للحد من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة وروسيا، فيما تتهم واشنطن كلًا من موسكو وبكين بإجراء تجارب نووية سرية.