دخلت إسرائيل على خط الجدل بعد تصريحات سفيرها لدى الأمم المتحدة داني دانون، الذي انتقد طريقة تعامل مدريد مع أزمة سبتة.
اندلع سجال على مواقع التواصل الاجتماعي بين إسبانيا وإسرائيل عقب أزمة الهجرة غير النظامية التي شهدتها مدينة سبتة الخاضعة للإدارة الإسبانية في شمال إفريقيا، بعدما حاول عشرات الآلاف من المهاجرين عبور الحدود من المغرب نحو الجيب الإسباني المطل على البحر المتوسط.
وقالت الحكومة الإسبانية إن نحو 60 ألف شخص حاولوا دخول سبتة، معظمهم عبر السباحة قرب نقطة حدودية صغيرة تمتد داخل البحر، مشيرة إلى مقتل 67 شخصاً خلال الأزمة، قبل إعلانها إعادة المهاجرين إلى خارج المدينة.
وتُعد سبتة، إلى جانب مدينة مليلية، من أبرز نقاط الخلاف بين إسبانيا والمغرب، إذ تطالب الرباط بالسيادة عليهما باعتبارهما منطقتين تقعان جغرافياً داخل الأراضي المغربية، فيما تعتبرهما مدريد مدينتين إسبانيتين.
وتأتي حساسية الملف في ظل العلاقات الوثيقة بين المغرب وإسرائيل، إذ كان المغرب الدولة العربية الوحيدة التي أبرمت اتفاق دفاع رسمي مع إسرائيل، بعد تطبيع العلاقات بين البلدين عام 2020 ضمن اتفاقيات أبراهام برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال عهدته الأولى.
كما اعترفت إسرائيل بموقف المغرب بشأن الصحراء الغربية، في حين تواجه العلاقات بين الرباط وتل أبيب انتقادات داخلية متواصلة بسبب الحرب في غزة.
وفي خضم الأزمة، انتقدت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان طريقة تعامل السلطات مع الوضع، محملة الدولة مسؤولية التطورات، ومنتقدة ما وصفته بـ"الصمت المقلق" للمسؤولين والمؤسسات الرسمية. واعتبرت أن تزامن محاولة عبور نحو 60 ألف مهاجر في يوم واحد ليس أمراً عفوياً.
من جهته، أرجع رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز موجة الهجرة المفاجئة إلى شبكات تهريب البشر التي استغلت قراراً قضائياً صدر في يوليو/تموز يمنع السلطات من إعادة المهاجرين الذين يصلون عبر البحر بشكل فوري. لكن الصحفي الإسباني إغناسيو سيمبريرو، المتخصص في شؤون الهجرة في شمال إفريقيا، رأى أن القرار القضائي لعب دوراً في الأزمة، لكنه لا يفسر وحده حجم الحشد والتنظيم الذي رافقها.
إسرائيل على الخط
ودخلت إسرائيل على خط الجدل بعد تصريحات سفيرها لدى الأمم المتحدة داني دانون، الذي انتقد طريقة تعامل مدريد مع أزمة سبتة.
وقال دانون في منشور على منصة "إكس" إن إسبانيا، التي "لا تفوت فرصة لتوجيه الانتقادات إلى إسرائيل"، أعلنت حالة طوارئ بسبب أزمة في سياساتها المتعلقة بالهجرة، مضيفاً أنه قبل أن تواصل إلقاء المحاضرات على إسرائيل، عليها أن تشرح للعالم سبب استمرارها في إدارة "جيوب استعمارية في إفريقيا".
ورد وزير النقل الإسباني أوسكار بوينتي بمنشور مقتضب قال فيه: "حسناً، بدأت الأمور تصبح أكثر وضوحاً"، وهو ما فُسر في وسائل إعلام إسبانية على أنه إشارة إلى احتمال وجود دوافع سياسية وراء تصريحات دانون.
ورغم تداول فرضيات تربط إسرائيل بشكل مباشر بأزمة سبتة، لا توجد أدلة موثوقة تثبت أي دور إسرائيلي في تنظيم موجة الهجرة أو الوقوف خلفها.
وسارع القائم بالأعمال الإسرائيلي في إسبانيا دانا إيرليخ إلى النأي بالحكومة الإسرائيلية عن تصريحات دانون، مؤكداً أن موقف سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة "لا يمثل موقف دولة إسرائيل الرسمي".
العلاقة في أدنى مستوياتها
ويأتي هذا السجال في ظل توتر متزايد بين حكومة بيدرو سانشيز وإسرائيل، بعدما اعترفت مدريد بالدولة الفلسطينية عام 2024، وانتقدت بشدة العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة. كما شهدت العلاقات الإسبانية الأميركية توترات مرتبطة بملفات عدة، من بينها الإنفاق الدفاعي داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) والتعاون العسكري خلال العمليات المرتبطة بإيران.
وكانت إحدى أبرز نقاط الخلاف بين البلدين قرار إسبانيا، في مايو/أيار 2024، الاعتراف رسمياً بدولة فلسطين إلى جانب أيرلندا والنرويج، وهي الخطوة التي أثارت غضب إسرائيل التي اعتبرتها "مكافأة للإرهاب"، وأدت إلى تصعيد دبلوماسي شمل استدعاء السفراء وتبادل الانتقادات بين الجانبين.
ومنذ ذلك الحين، تبنت مدريد موقفاً أكثر تشدداً داخل الاتحاد الأوروبي تجاه السياسات الإسرائيلية، حيث دعت إلى مراجعة اتفاقية الشراكة بين الاتحاد وإسرائيل على خلفية ما وصفته بانتهاكات للقانون الدولي الإنساني، كما طالبت بوقف تصدير الأسلحة إلى إسرائيل.
وامتد التوتر إلى المجالين العسكري والاقتصادي، بعدما ألغت الحكومة الإسبانية وعدد من المؤسسات الرسمية عقوداً مرتبطة بالتجهيزات الدفاعية والتعاون مع شركات إسرائيلية، في خطوة عكست اتساع الخلافات السياسية بين الطرفين.
كما دعا مسؤولون إسبان إلى تقليص المشاركة الإسرائيلية في بعض الفعاليات الرياضية والثقافية، في مواقف شبّهها بعضهم بالإجراءات التي اتخذت ضد روسيا بعد غزو أوكرانيا، في وقت شهدت مناسبات شاركت فيها جهات إسرائيلية احتجاجات وانتقادات داخل إسبانيا.
ويستند الموقف الإسباني إلى عوامل سياسية وشعبية عدة، أبرزها توجه الحكومة الائتلافية التي يقودها الحزب الاشتراكي وحزب سومار، والتي تتبنى تاريخياً موقفاً داعماً لحل الدولتين وللقضية الفلسطينية. كما تشهد المدن الإسبانية منذ اندلاع الحرب في غزة احتجاجات واسعة ضد العمليات العسكرية الإسرائيلية، ما شكل ضغطاً داخلياً على الحكومة لاتخاذ مواقف أكثر صرامة.