يحذّر سياسيون ديمقراطيون ومسؤولون سابقون في السياسة الخارجية والأمن القومي من أن تقليص الحضور الدبلوماسي الأمريكي، بالتوازي مع تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية التي كانت تضخّ مساعدات بمليارات الدولارات حول العالم، قد يفتح الباب أمام تراجع النفوذ الأمريكي.
أخطرت وزارة الخارجية الأمريكية الكونغرس بنيّتها إغلاق خمس بعثات دبلوماسية في كل من كندا واليابان وإندونيسيا والكاميرون وغرينادا، وذلك في خطوة نادرة تأتي ضمن خطة تنفذها إدارة الرئيس دونالد ترامب لإعادة هيكلة التمثيل الدبلوماسي الأمريكي على مستوى العالم.
ولم يسبق الإعلان عن عمليات الإغلاق هذه أو تسريب معلومات بشأنها من قبل، وهو ما يجعلها سابقة، إذ قلّما تُقدم واشنطن على إغلاق عدة بعثات دبلوماسية في وقت واحد خارج سياق أزمة جيوسياسية طارئة أو حدث أمني محدد.
"أمريكا أولاً"
لا تأتي الخطوة من فراغ، بل تشكّل استكمالاً لمسار انطلق مطلع العام الماضي، حين كانت وزارة الخارجية، في الأشهر الأولى من ولاية ترامب، قد بدأت التحضير لإغلاق نحو عشر بعثات دبلوماسية، بحسب ما نقلته حينها وكالة رويترز ووسائل إعلام أخرى.
وتصبّ الخطوة الأحدث في إطار حملة يقودها الرئيس الجمهوري، تستهدف إعادة تشكيل الجهاز البيروقراطي الأمريكي بما يتّسق مع توجه إدارته المعروف بشعار "أمريكا أولاً".
لكن هذا التوجه لا يحظى بإجماع، إذ يحذّر سياسيون ديمقراطيون ومسؤولون سابقون في السياسة الخارجية والأمن القومي من أن تقليص الحضور الدبلوماسي الأمريكي، بالتوازي مع تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية التي كانت تضخّ مساعدات بمليارات الدولارات حول العالم، قد يفتح الباب أمام تراجع النفوذ الأمريكي، ويترك فراغاً قد تسارع قوى منافسة كالصين وروسيا لملئه.
وسبق أن مرّت وزارة الخارجية العام الماضي بموجة إصلاح بيروقراطي واسعة شملت إلغاء عشرات المكاتب وتسريح مئات الموظفين، غير أنها لم تصل حينها إلى حدّ إغلاق أي بعثة دبلوماسية.
أما الوزارة نفسها، فلم تؤكد رسمياً خطط الإغلاق حتى الآن، واكتفت بالإشارة إلى أن جهودها تنصبّ على رفع كفاءة الوجود الدبلوماسي الأمريكي وفعاليته، مع تأكيدها الالتزام بإجراءات إخطار الكونغرس المتّبعة.
روبيو يبرر: مؤسسة "متضخمة"
من جانبه، برّر وزير الخارجية ماركو روبيو إجراءات خفض التكاليف بكونها خطوة لا بد منها لتقليص حجم مؤسسة يعتبرها كثير من المحافظين مترهلة ومثقلة بروتين بيروقراطي زائد.
ويتناقض هذا النهج مع ما اتّبعته إدارة الرئيس السابق جو بايدن، التي عمدت خلال فترة حكمها إلى افتتاح عدد من البعثات الدبلوماسية الجديدة، جاءت كلها في منطقة المحيط الهادئ، الساحة التي تشتد فيها المنافسة بين واشنطن وبكين على النفوذ.
يُذكر أن الصين لا تملك حالياً تمثيلاً دبلوماسياً فعلياً في مدينتَي دوالا الكاميرونية ووينيبيغ الكندية، وهما من ضمن المواقع المستهدفة بالإغلاق الأمريكي، في حين يحتفظ الحضور الدبلوماسي الصيني بمواقع أخرى، من بينها سانت جورج في غرينادا، وناغويا في اليابان، وميدان في إندونيسيا.