تحمل جدران القسم الأول من الجناح كتابات ووجدانيات خطّها السجناء بأنفسهم، تعبر عن الأمل والتضرع، مثل عبارة "اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيراً منها"، والتي تحولت من رسائل سرية إلى شواهد تاريخية معروضة للعالم.
انطلقت مساء الأربعاء فعاليات الدورة الـ63 من معرض دمشق الدولي في قصر المؤتمرات بالعاصمة السورية، بحضور الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع وعدد من الوزراء والمسؤولين السوريين، إلى جانب شخصيات وفعاليات عربية وأجنبية.
وتتزامن انطلاقة المعرض مع إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهي القائمة التي بقيت البلاد مدرجة فيها لنحو نصف قرن.
ويجمع المعرض في دورته الحالية بين النشاط الاقتصادي والصناعي والثقافي والبرامج الفنية، فيما خصصت الأيام الثلاثة الأولى للأعمال والشركات عبر التسجيل المسبق، على أن يفتح أبوابه أمام الجمهور والزوار اعتباراً من 29 أغسطس/آب وحتى 4 سبتمبر/أيلول المقبل.
تحتضن أروقة معرض دمشق الدولي، جناحاً استثنائياً يحمل عنوان "حين تتكلم الجدران"، مخصصاً لتوثيق حقبة سجن صيدنايا (السجن العسكري الأول) وسائر المعتقلات في عهد نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.
ولا يقتصر العرض على عرض مقتنيات جامدة، بل ينقل الزوار عبر تجربة معايشة حية تعيد بناء ذاكرة الاعتقال والتعذيب، مع تسليط الضوء على التحول الحالي نحو مؤسسات الإصلاح والتأهيل في سوريا الجديدة.
نقل الغرفة كما هي
ويتميز الجناح، التابع لوزارة الداخلية، بإعادة تمثيل دقيقة ومفصلة لإحدى زنازين سجن صيدنايا ومنفرداته، حيث تم نقل الأبواب الأصلية والأقفال والمقتنيات الحقيقية من الموقع إلى أرض المعرض.
وتتضمن المعروضات بقايا ملابس كان يرتديها المعتقلون، شملت قطعاً لنساء وأطفال، بالإضافة إلى أدوات تعذيب استخدمت خلال سنوات القمع، ما يمنح الزائر لمسة مباشرة للواقع القاسي الذي عاشه آلاف السوريين خلف القضبان.
وإلى جانب أدوات القمع، يسلط الجناح الضوء على جانب إنساني آخر تمثل في قدرة المعتقلين على الصمود والتكيف، من خلال عرض أدوات ومقتنيات صنعها السجناء بأيديهم من مواد بسيطة ومتاحة داخل الزنازين.
كان الهدف من هذه المصنوعات اليدوية تأمين بعض الاحتياجات اليومية أو محاولة إيجاد وسائل بدائية للتواصل مع العالم الخارجي وذويهم، في رسالة عن الإرادة البشرية التي لم تنكسر رغم الظروف اللاإنسانية.
جدران تنطق بالوجدان
وتحمل جدران القسم الأول من الجناح كتابات ووجدانيات خطّها السجناء بأنفسهم، تعبر عن الأمل والتضرع، مثل عبارة "اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيراً منها"، والتي تحولت من رسائل سرية إلى شواهد تاريخية معروضة للعالم.
ترافق هذه المعروضات لافتات تحمل شعار "رأيت الحقيقة فلتكن أنت أثرها"، داعيةً إلى عدم نسيان الضحايا وتوثيق ما حدث كجزء من الذاكرة الجماعية للشعب السوري.
من أماكن القمع إلى التأهيل والإصلاح
في القسم الثاني، ينتقل الجناح إلى عرض صورة مختلفة للسجون من خلال ما تصفه الإدارة بعمليات التأهيل والإصلاح بعد سقوط نظام الأسد.
ويعرض هذا الجزء لوحات ومجسمات فنية أبدعها موقوفون خلال فترة احتجازهم، إلى جانب تسجيلات فيديو وصور وثائقية تظهر الموقوفين وهم يمارسون أنشطة رياضية وترفيهية وثقافية متنوعة.
ويقدم هذا القسم تصوراً للتحول الذي تسعى وزارة الداخلية إلى إبرازه، من مؤسسات ارتبطت بالقمع والانتهاكات في عهد النظام المخلوع إلى مؤسسات مخصصة للتأهيل والدمج الاجتماعي، مع التأكيد على الاختلاف بين طبيعة المعتقلات السابقة ومفهوم السجون الإصلاحية الذي يُطرح في سوريا اليوم.
أثار جناح "حين تتكلم الجدران" تفاعلاً على منصات التواصل الاجتماعي، إذ تداول ناشطون مقاطع فيديو وصوراً من الجناح، واستعادوا من خلالها شهادات وذكريات مرتبطة بسنوات الاعتقال في السجون السورية.
معرض اقتصادي بوجه دولي
إلى جانب الأجنحة التي تتناول ملفات اجتماعية وإنسانية، تركز الدورة الحالية من معرض دمشق الدولي على استعادة دوره الاقتصادي، بمشاركة نحو ألف جهة من حوالي 60 دولة.
وأوضح رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية مازن ديروان، في تصريحات لـ"سانا"، أن الدورة الحالية تختلف عن سابقاتها بتركيزها خلال الأيام الثلاثة الأولى على الأعمال والشركات، قبل فتح أبواب المعرض للجمهور في الأيام التالية، بهدف استعادة المعرض لدوره الاقتصادي الريادي.
وقال ديروان إن الدورة الحالية تشهد تركيزاً على الصناعة والثقافة، إلى جانب البرامج الفنية، معرباً عن أمله في حضور أعداد كبيرة من الزوار من خارج سوريا، لتنشيط العملية التصديرية وعودة البلاد إلى مكانتها في الساحة الدولية مصدراً للبضائع التنافسية، بما يحقق الازدهار للعامل والمواطن السوري بشكل عام.