من الخليج إلى تركيا ومنها نحو أوروبا، يسعى العراق عبر مشروع "طريق التنمية" إلى استثمار موقعه الجغرافي ليصبح حلقة وصل رئيسية للتجارة بين آسيا وأوروبا، عبر شبكة متكاملة من الموانئ والسكك الحديدية والطرق السريعة، فما الذي نعرفه عن هذا المشروع، وما مدى أهميته بالنسبة للعراق والمنطقة؟
يمتد المشروع لنحو 1200 كيلومتر من ميناء الفاو الكبير في جنوب العراق إلى الحدود التركية شمالاً، عابراً البصرة والناصرية وبغداد وتكريت أو بيجي والموصل، وصولاً إلى معبر جديد مخطط له بين فيشخابور العراقية وأوفاكوي التركية. ومن هناك، من المفترض أن يتصل بشبكة النقل التركية عبر خط غازي عنتاب–شانلي أورفا–أوفاكوي، ليواصل طريقه باتجاه الأسواق الأوروبية.
ويتضمن المشروع ممراً متعدد الوسائط يجمع القطارات والطرق السريعة ومجموعة من البنى التحتية المساندة. ويستثمر العراق، بالتوازي، في إنشاء طريق سريع بأربعة مسارات ونفق مغمور يربط ميناء الفاو بميناء أم قصر، إلى جانب خطط لمناطق صناعية متكاملة ومطار للشحن، بما يهدف إلى بناء منظومة لوجستية تتجاوز مجرد نقل البضائع من نقطة إلى أخرى.
أما في تركيا، فتتضمن الخطط إنشاء نحو 727 كيلومتراً من خطوط السكك الحديدية الجديدة و331 كيلومتراً من الطرق السريعة، وربط الممر بالشبكات القائمة. ومن شأن ذلك أن يتيح للبضائع القادمة عبر العراق الوصول إلى أوروبا عبر كابيكولي، وإلى شرق المتوسط عبر الموانئ التركية، وإلى بحر إيجه والبحر الأسود، فضلاً عن إمكانية الاتصال بالقوقاز وآسيا الوسطى عبر "الممر الأوسط".
الفاو.. بوابة المشروع إلى الخليج
يشكل ميناء الفاو الكبير الركيزة البحرية الأساسية لـ"طريق التنمية"، إذ يقع عند الطرف الشمالي للخليج، ما يسمح بتفريغ البضائع القادمة بحراً في نقطة متقدمة قبل استكمال رحلتها براً عبر العراق وتركيا.
وهنا تبرز إحدى أهم الرهانات التجارية للمشروع، ففي المسار البحري التقليدي، تعبر البضائع القادمة من الخليج باتجاه أوروبا مضيق هرمز ثم بحر العرب وباب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس وصولاً إلى البحر المتوسط. أما عبر "طريق التنمية"، فيمكن للبضائع التي تصل إلى الفاو أن تنتقل من السفن إلى السكك الحديدية والطرق البرية، ثم تعبر العراق وتركيا باتجاه أوروبا، متجاوزة باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس.
لكن المشروع لا يلغي أهمية مضيق هرمز بالنسبة إلى جميع الشحنات، فالبضائع القادمة من دول وموانئ داخل الخليج يمكنها الوصول إلى الفاو من دون مغادرته، بينما تبقى السفن القادمة من الهند أو الصين وجنوب شرقي آسيا مضطرة إلى عبور المضيق لدخول الخليج والوصول إلى الميناء.
وتبرز أهمية هذا المسار أيضاً في عامل الوقت، فبحسب تقديرات تركية يمكن لنقل البضائع من ميناء الفاو إلى أوروبا عبر "طريق التنمية" أن يوفر نحو 10 أيام مقارنة بمسار قناة السويس والبحر الأحمر، ونحو 20 يوماً مقارنة بالطريق البحري الذي يعبر رأس الرجاء الصالح. وفي حين تستغرق بعض رحلات النقل الحالية ما بين 35 و45 يوماً، من المتوقع أن يخفض المشروع المدة إلى نحو 25 يوماً.
تعزيز موقع العراق
بالنسبة إلى العراق، لا تتوقف أهمية المشروع عند اختصار الرحلة بين الخليج وأوروبا، بل ترتبط بمحاولة إعادة البلاد إلى قلب طرق التجارة الدولية وتنويع اقتصادها. فمن شأن شبكة بهذا الحجم أن تجذب الاستثمارات وتدفع إلى تطوير المناطق الصناعية والخدمات اللوجستية، فضلاً عن توفير وظائف في قطاعات النقل والشحن والخدمات المرتبطة بها.
كما يمكن للمشروع أن يعزز موقع العراق بوصفه حلقة وصل بين اقتصادات الخليج وتركيا وأوروبا، بدلاً من أن يبقى دوره مقتصراً على كونه بلداً منتجاً ومصدراً للطاقة. وفي هذا السياق، اتفقت حكومات العراق وتركيا وقطر والإمارات العربية المتحدة على التعاون بشأن المشروع، ما يمنحه بعداً إقليمياً يتجاوز العلاقات الثنائية العراقية–التركية.
وتنظر أنقرة بدورها إلى "طريق التنمية" باعتباره فرصة لتعزيز موقعها كمركز للنقل والتجارة. وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد وصف المشروع بأنه "طريق حرير جديد"، فيما يرى مسؤولون أتراك أنه قادر على ربط الاقتصادات الآسيوية والأوروبية وتحقيق مكاسب متبادلة للعراق وتركيا، فضلاً عن تعزيز حركة التجارة والتعاون الاقتصادي بينهما.
حركة التجارة بين الشرق والغرب
تزداد القيمة الاستراتيجية للممر في ظل الأزمات التي شهدتها طرق التجارة العالمية خلال السنوات الأخيرة، إذ أظهرت الاضطرابات في نقاط الاختناق البحرية مدى تأثر سلاسل الإمداد الدولية بأي أزمة جيوسياسية أو أمنية. وفي هذا السياق، يقدم "طريق التنمية" مساراً إضافياً يمكن أن يمنح حركة التجارة بين الشرق والغرب قدراً أكبر من المرونة، بدلاً من الاعتماد على عدد محدود من الطرق التقليدية.
كما يأتي المشروع وسط تنافس دولي متزايد على إنشاء ممرات تربط آسيا بأوروبا، من مبادرة "الحزام والطريق" الصينية إلى الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا "IMEC". ورغم أن "طريق التنمية" أصغر حجماً من هذه المشاريع، فإن موقعه الجغرافي يمنحه أهمية خاصة، إذ يجمع بين منفذ بحري على الخليج وطريق بري مباشر عبر العراق وتركيا باتجاه أوروبا.
غير أن تحويل هذه الخطط إلى ممر تجاري فعلي يبقى مرتبطاً بتجاوز تحديات كبيرة، في مقدمتها التمويل اللازم لإنشاء البنى التحتية الضخمة، وضمان الأمن على طول المسار، فضلاً عن الحاجة إلى تنسيق مستمر بين الدول المعنية لإنجاز شبكات النقل وربطها بعضها ببعض.
وعليه، فإن "طريق التنمية" ليس مجرد سكة حديد وطريق سريع يمتدان عبر العراق، بل مشروع يسعى إلى تحويل الجغرافيا العراقية إلى قيمة اقتصادية واستراتيجية. وإذا اكتملت بنيته ونجح في جذب حركة تجارية كافية، فقد يمنح العراق موقعاً جديداً على خريطة النقل الدولي، ويوفر في الوقت نفسه ممراً إضافياً يصل الخليج بتركيا وأوروبا في عالم بات يبحث بصورة متزايدة عن طرق تجارية أكثر تنوعاً ومرونة.