"إذا لم تخفّض البشرية التلوث الناتج عن الوقود الأحفوري الذي يُسخّن كوكبنا، فسيبدو قيظ هذا الصيف وحرائقه وجفافه محدودا مقارنة بكابوس مناخي دائم مقبل"، قال سيمون ستيل، الأمين التنفيذي لتغير المناخ في الأمم المتحدة.
"كان صيف أوروبا حارا كالجحيم. هذا هو الثمن الذي ندفعه حين يرتد إلينا إدمان العالم على الوقود الأحفوري"، يحذر سيمون ستيل، الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC).
خلال كلمته أمام لجنة البيئة والمناخ وسلامة الأغذية في البرلمان الأوروبي في بروكسل، دعا ستيل النواب إلى "مضاعفة الجهود" من أجل "الدور القيادي التاريخي لأوروبا في العمل المناخي" وتسريع الانتقال إلى الطاقة النظيفة.
وأضاف: "من مصلحة أوروبا بالكامل أن تظل ثابتة في دعم العمل المناخي، بل وأن تعززه: عبر بناء قدرة على الصمود في مواجهة تداعيات المناخ، وحماية سلاسل الإمداد العالمية التي تعتمد عليها جميع الاقتصادات، وخفض الانبعاثات العالمية بشكل حاد".
العمل المناخي هو أرخص بوليصة تأمين لأوروبا
كان صيف أوروبا الاستثنائي الحرارة الأشد في السجلات لكل من المملكة المتحدة وإيطاليا، مع ترجيحات بأن تعلن دول أخرى الأمر نفسه. وسرد ستيل بعضا فقط من الكلفة: "شهدنا عمليات إجلاء جماعية، إغلاق محطات كهرباء، واختناق طرق التجارة، وضياع محاصيل، وتراجع الغلال، وارتفاع أسعار الغذاء، مع توقعات بمزيد من الارتفاع".
وسُجل أيضا عشرات الآلاف من الوفيات الزائدة في مختلف أنحاء أوروبا، بينها 14.000 حالة في ألمانيا و5.232 في إسبانيا، وهو أعلى رقم هناك منذ 2015.
وقال ستيل: "الكوارث تدفع أقساط التأمين إلى الارتفاع، وتترك بعض الممتلكات من دون إمكانية لأي تأمين على الإطلاق". وتتصاعد منذ سنوات تكلفة التأمين على المنازل في المناطق المعرضة للأحوال الجوية القصوى أو الكوارث المرتبطة بالمناخ، إذ رفضت بعض شركات التأمين تغطية منازل في المناطق التي ضربتها حرائق الغابات عام 2025 في لوس أنجلِس.
أظهر تقرير صدر عام 2024 عن منظمة "Insure Our Future" أن تغير المناخ يقف وراء أكثر من ثلث خسائر التأمين المرتبطة بالطقس خلال الأعوام العشرين الماضية. لكن الجهة التي تتحمل عبء أضرار المناخ ليست شركات التأمين الخاصة، بل الميزانيات العامة التي تقع تحت مسؤولية الساسة في الاتحاد الأوروبي.
توصلت دراسة أُنجزت في وقت سابق من هذا العام إلى أن الأحداث المتطرفة في الطقس والمناخ بين 1980 و2021 تسببت في خسائر اقتصادية تزيد على 560 مليار يورو في الدول الأعضاء الـ27 في الاتحاد الأوروبي، لم يكن سوى ما بين 25 و33 في المئة منها مؤمَّنا. وقد كُلِّفت جامعة فيينا إعداد هذه الدراسة من طرف النائبة الأوروبية لينا شيلينغ، عن حزب "الخضر"/النمسا.
ويقول معد الدراسة البروفيسور سيغريد شتاغل: "إن استثمار ما بين واحد واثنين في المئة فقط من الناتج الاقتصادي العالمي يمكن أن يَحول دون خسائر تتراوح بين 11 و27 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، إذ إن كل دولار يُستثمر يوفر ما بين خمسة و14 دولارا". وتصف بشكل صريح العمل المناخي بأنه "بوليصة تأمين على حياة الكوكب"، أي استراتيجية منهجية لإدارة المخاطر تكون فيها كلفة التخفيف والتكيف صغيرة مقارنة بحجم الخسائر المحتملة.
العمل المناخي يمكن أن يدفع الاقتصادات إلى الأمام أو يعطلها
ولا شك في أن ستيل، إدراكا منه لأهمية النمو الاقتصادي بالنسبة للنواب الذين يخاطبهم، عرض كلفة موجات الحر الشديد هذا الصيف قائلا: "تفيد إحدى الدراسات بأن التطرف المناخي هذا الصيف سيُكلّف أوروبا 180 مليار يورو في شكل فقدان إنتاجية العمل واضطراب في قطاعات الغذاء والطاقة والنقل. ويعادل ذلك اقتطاع نقطة مئوية كاملة من الناتج المحلي الإجمالي الأوروبي، وهي نسبة النمو المتوقَّعة لاقتصاد الاتحاد الأوروبي".
وربط ستيل بين العمل المناخي والمؤشرات الاقتصادية التي يُحاكم الساسة على أساسها مع اقتراب الانتخابات، قائلا: "التهاون في العمل المناخي يعني التهاون في مواجهة التضخم وكلفة المعيشة، وفي حماية السيادة والأمن، وفي دعم النمو الاقتصادي وفرص العمل".
ويضيف: "يتقاطع المناخ مع الهواجس الأساسية للناخبين مهما كانت توجهاتهم السياسية: صحة الأسرة، وأمن المجتمع، والاستقرار الاقتصادي؛ الغذاء الميسور، والمياه المتاحة؛ الوظائف، وتكاليف الأعمال، وفواتير الأسر".
فماذا يقترح ستيل على صناع القرار في الاتحاد الأوروبي؟
من أجل تحقيق القدرة على تحمّل التكاليف، والاستقرار الاقتصادي، وأمن الطاقة، والاستقلالية في صنع السياسات، يؤكد ستيل أن "الطاقة النظيفة هي الطريق الأضمن لتحقيق ذلك بكلفة منخفضة وبأمان".
ورغم أن "الصين تقود الطريق" في ما يتعلق بالطاقة المولَّدة من مصادر نظيفة، شدد ستيل على أن دول الاتحاد الأوروبي تؤدي أداء جيدا، قائلا: "بفضل الاستثمارات المتزايدة، توفر مصادر الطاقة المتجددة الآن نحو نصف كهرباء أوروبا. وخلال الأشهر الستة الأولى من هذا النزاع في الشرق الأوسط، جنّبت الطاقة الشمسية وحدها أوروبا إنفاق أكثر من 30 مليار يورو على واردات الغاز التي تم تجنبها".
وشدد ستيل على الفرص الاقتصادية الكبيرة في مجال الطاقة النظيفة، مؤكدا أن أوروبا تتصدر بالفعل سباق التكنولوجيا النظيفة.
على ماذا تريد الأمم المتحدة أن تُركّز أوروبا في "COP31"؟
استغل ستيل خطابه للتأكيد على أهمية أن "تسخّر أوروبا كامل ثقلها لمساعدة "COP31" في تركيا على تحقيق مزيد من التقدم".
وستُعقد محادثات المناخ التي تقودها الأمم المتحدة هذا العام، "COP31"، في أنطاليا من التاسع إلى العشرين من نوفمبر 2026.
وتجمع هذه المفاوضات حكومات وقطاع الأعمال من مختلف أنحاء العالم، ما يجعلها محفزا رئيسيا للسياسات المرتبطة بالمناخ؛ فقد وُلدت اتفاقية "باريس" خلال "COP21" عام 2015. وبما أن هذه اللقاءات تقوم على أيام من التفاوض لصوغ الاتفاق النهائي، فإن التزام النواب بحضورها والدفع نحو عمل مناخي قوي خلالها أمر حيوي.
وبيّن ستيل كيف أن كل دورة من المحادثات الأخيرة تبني على سابقتها، قائلا: "لا يمكن لأي "COP" واحد أن يحل أزمة المناخ بين ليلة وضحاها، لكن كل دورة تدفع الجهود العالمية قدما، مستندة إلى ما سبقها ومتطلعة إلى ما يليها: من الاتفاق العالمي في دبي على الانتقال بعيدا عن جميع أنواع الوقود الأحفوري، إلى الهدف الجديد لتمويل المناخ في باكو، والخطوات المتقدمة نحو انتقال عادل في بيليم، التي دشّنت عصر التنفيذ".
وطالب ستيل الساسة بأن يحضروا إلى هذه المحادثات وهم مهيؤون بما يريدون إدراجه في الاتفاق النهائي، ومستعدون لتقديم تنازلات.
ومن أولويات رئاسة "COP" أن تُلبَّى 35 في المئة من الطلب العالمي النهائي على الطاقة من الكهرباء بحلول 2035. وشدد ستيل على قوة موقف الاتحاد الأوروبي في هذا المجال، قائلا: "حاليا واحدة من كل أربع سيارات جديدة تُباع في أوروبا كهربائية، ونشر البطاريات يتسارع".
وأشار أيضا إلى الميثان، وهدر الغذاء والأمن الغذائي، وتعزيز قدرة المدن على الصمود أمام الظواهر المناخية القصوى باعتبارها "مجالات يكون فيها الأثر والحاجة الملحة في أقصاها".