أظهر تحليل جديد أن قدرات أوروبا في الطاقة الشمسية يمكن أن توفر للقارة 67,5 مليار يورو بحلول نهاية العام إذا ظلت أسعار الغاز مرتفعة.
تسهم الطاقة الشمسية في إنقاذ أوروبا من التكاليف الباهظة لواردات الوقود الأحفوري، مع استمرار الحرب على إيران في دفع أسعار النفط والغاز إلى مستويات قياسية.
وقد ارتفع خام برنت، الذي يُستخدم مؤشرا مرجعيا عالميا لــأسعار النفط، بأكثر من 50 في المئة منذ اندلاع النزاع في الشرق الأوسط، ليصل صباح أمس (31 آذار/مارس) إلى 107 يورو للبرميل الواحد.
كما قفز السعر القياسي للغاز الطبيعي الهولندي ضمن مؤشر TTF بنحو 70 في المئة، ما يجعل آذار/مارس 2026 في طريقه لتسجيل أكبر زيادة شهرية في أسعار الغاز الأوروبية منذ أيلول/سبتمبر 2021.
وعُزي جزء كبير من هذه القفزة إلى الإغلاق شبه التام لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط في العالم.
في المقابل، يكشف تحليل جديد أعدته منظمة "سولار باور يوروب" (SolarPower Europe) أن استغلال ضوء الشمس في إنتاج الطاقة وفّر على أوروبا أكثر من 100 مليون يورو يوميا منذ الأول من آذار/مارس، ليصل مجموع الوفورات إلى أكثر من ثلاثة مليارات يورو. وإذا ظلت أسعار الغاز مرتفعة، يقول الخبراء إن إجمالي التوفير في عام 2026 قد يصل إلى 67,5 مليار يورو.
دعوات لأوروبا إلى "تعظيم" قدراتها الشمسية
ويؤكد التقرير أن القدرة الحالية للطاقة الشمسية تشكل بالفعل "وسادة حماية رئيسية" في مواجهة صدمة الطاقة الناجمة عن الحرب.
وخلال الأيام الـ20 الأولى من آذار/مارس وحدها، أظهر التحليل، المستند إلى بيانات أسعار الغاز من شركة "ريستاد إنرجي" (Rystad Energy)، أن توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية وفّر على الاتحاد الأوروبي ملياري يورو كان سيضطر إلى إنفاقهما على واردات الوقود الأحفوري.
وبحسب المحللين، خفّضت الطاقة الشمسية الكلفة الإجمالية لتلبية احتياجات الطاقة في الاتحاد الأوروبي بما يقرب من الثلث. ومع ذلك، وللمرة الأولى منذ عقد، بدأ سوق الطاقة الشمسية في الاتحاد في التراجع.
وتقول فالبرغا هيميتسبيرغه، المديرة العامة لمنظمة "سولار باور يوروب" (المصدر باللغة الإنجليزية): "حان الوقت لاستخلاص الدروس من أزمتَي طاقة لا من واحدة فقط".
"لكن نمو الطاقة الشمسية في أوروبا توقف في وقت تتزايد فيه فوائدها أكثر من أي وقت مضى. المهمة العاجلة أمام صانعي السياسات الآن هي تعظيم ما يمكن للطاقة الشمسية أن تقدمه لأوروبا".
وتدعو هيميتسبيرغه الحكومات إلى إنشاء شبكات كهرباء أكثر مرونة، ونشر مزيد من حلول تخزين الطاقة، وتعميق كهربة مختلف قطاعات الاقتصاد.
وعلى الرغم من تعرضها لـ"موجة من المعلومات المضللة"، أظهرت الدراسة أن المضخات الحرارية وفّرت أيضا 20 مليار يورو في عام 2025، ومن المتوقع أن توفّر 5,3 مليار يورو بين كانون الثاني/يناير ونيسان/أبريل من العام الجاري.
كيف تحمي الطاقات المتجددة أوروبا من ارتفاع أسعار الغاز؟
أظهرت عدة دول أوروبية بالفعل فوائد إعادة هيكلة أنظمتها الطاقية بالتركيز على التكنولوجيا الخضراء، وذلك حتى قبل اندلاع الحرب على إيران.
فمنذ عام 2019، ضاعفت إسبانيا قدرتها من طاقة الرياح والطاقة الشمسية، مضيفة أكثر من 40 غيغاواط إلى مزيجها الطاقي. ولتوضيح ذلك، يمكن لمحطة توليد بقدرة واحد غيغاواط أن تغطي احتياجات نحو 876.000 أسرة من الكهرباء لمدة عام، إذا كان استهلاكها السنوي في حدود 10.000 كيلوواط ساعة.
وجاء في تقرير أصدره العام الماضي مركز الأبحاث في مجال الطاقة "إمبر" (Ember): "إن نمو طاقة الرياح والطاقة الشمسية في إسبانيا خفّض تأثير المولدات الأحفورية المكلفة على أسعار الكهرباء بنسبة 75 في المئة منذ عام 2019".
"وقد كان تراجع عدد الساعات التي تُربط فيها أسعار الكهرباء بكلفة إنتاج الغاز أسرع مما هو عليه في دول أخرى تعتمد على الغاز مثل إيطاليا وألمانيا".
وفي أسواق الكهرباء الأوروبية، يحدد المولد الأعلى كلفة الذي يُستخدم لتلبية الطلب، وغالبا ما يكون من الوقود الأحفوري، السعر الفوري للكهرباء كل ساعة. لكن مع تزايد إنتاج التقنيات الأرخص مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية، يجري إزاحة الغاز والفحم من سوق الجملة، ما يعني أن الوقود الأحفوري بات يحدد السعر في عدد أقل من الساعات.
كما ساعدت مستويات قياسية من إنتاج طاقة الرياح المملكة المتحدة على تحقيق رقم قياسي جديد في مجال الطاقة المتجددة، رغم الادعاءات "الخيالية" بأن البلاد تحتاج إلى التنقيب عن النفط في بحر الشمال.
في 26 آذار/مارس، سجل إنتاج طاقة الرياح في بريطانيا مستوى قياسيا بلغ 23.880 ميغاواط، وهي كمية تكفي لتزويد 23 مليون منزل بالكهرباء.
وتقول تارا سينغ من منظمة "رينيوابل يو كيه" (RenewableUK): "قدمت طاقة الرياح أكثر من نصف الكهرباء في بريطانيا خلال فترة الذروة هذه، ومن اللافت للغاية أنه في وقت سابق من اليوم نفسه، أزاحت طاقة الرياح والطاقة الشمسية الرخيصة الغازَ المكلف من نظامنا الطاقي، ليتراجع الغاز إلى أدنى مستوى من الإنتاج منذ نحو عامين مكتفيا بتوفير 2,3 في المئة فقط من كهربائنا".
"هكذا تبدو عملية تحول الطاقة على أرض الواقع، وهذا يوضح لماذا نحتاج إلى مواصلة بناء سلسلة طموحة من مشروعات الطاقة النظيفة الجديدة الآن وفي السنوات المقبلة".
أي دول الاتحاد الأوروبي تتصدر سباق الطاقات المتجددة؟
في عام 2025، وللمرة الأولى على الإطلاق، ولّدت طاقتا الرياح والشمس من الكهرباء في الاتحاد الأوروبي أكثر مما أنتجته المحطات العاملة بالوقود الأحفوري، في ما وصفه الخبراء بأنه "محطة مفصلية" في مسار التحول نحو الطاقة النظيفة.
ووجد تقرير لمركز "إمبر" أن حصة الرياح والطاقة الشمسية بلغت مستوى قياسيا عند 30 في المئة من كهرباء الاتحاد الأوروبي، متجاوزة الوقود الأحفوري بهامش قدره نقطة مئوية واحدة فقط.
وفي عام 2024، تصدرت النمسا الدول الأوروبية من حيث نسبة استخدام الكهرباء الخضراء، إذ بلغت 90 في المئة، مدعومة بـ16 محطة كهرومائية كبرى.
وجاءت السويد في المرتبة الثانية بنسبة 88 في المئة، معتمدة أساسا على طاقة الرياح والمياه، فيما حلت الدنمارك ثالثة مع 80 في المئة من كهربائها المنتجة من مصادر متجددة.
وتلتها كل من جورجيا بنسبة 68,4 في المئة، والبرتغال بنسبة 65,8 في المئة، وإسبانيا بنسبة 69,7 في المئة، وكرواتيا بنسبة 58 في المئة. وفي ذيل القائمة جاءت مالطا مع نسبة استخدام للطاقة المتجددة لا تتجاوز 10,7 في المئة.