من دون حشيشة الدينار لا بيرة، ومن دون مطر لا حشيشة دينار؛ بهذه البساطة. تغيّر المناخ وارتفاع الحرارة وجفاف التربة يهدد حتى محصول بافاريا التقليدي. فهل تساعد ألواح شمسية على ارتفاع سبعة أمتار المزارعين؟
إنه موت بطيء يتسلل عبر ذلك الفردوس الألماني الذي يبدو شديد الخضرة ومزدهرا للوهلة الأولى، أي مناطق زراعة الجنجل في ألمانيا. اسم هذا المرض الذي يهدد وجود هذه الحيازات الزراعية؟ "Höfesterben"، أي اندثار المزارع العائلية. حتى عام 2026 لا يزال هناك في ألمانيا 904 مزرعة متخصصة في هذه المحصول الخاص، الجنجل المستخدم في صناعة البيرة. وهذه نتيجة دراماتيكية إذا ما قورنت بالوضع عام 2006؛ ففي غضون عقدين فقط، حوّل 40 في المئة من مزارعي الجنجل أراضيهم إلى محاصيل أخرى أو تخلوا تماما عن مهنتهم.
الأسباب متعددة بلا شك. فمن يتحدث إلى مزارعي الجنجل في الميدان، في الصباح الباكر وسط الحقول أو مساءً في المقاهي الريفية، يسمع منذ سنوات شكاوى عن تراجع الأسعار عالميا وانخفاض استهلاك البيرة. لكن في السنوات الأخيرة بات الحديث بين المزارعين البافاريين المرتبطين بالأرض يدور بصورة أكثر صراحة عن التغير المناخي، ارتفاع درجات الحرارة، نقص المياه وخسائر في الإنتاج بسبب جفاف التربة.
منطقة هالرتاو هي أكبر رقعة متصلة لزراعة الجنجل في العالم. هذه التلال ذات الطابع الزراعي تقع في قلب ولاية بافاريا، أقصى جنوب ألمانيا. وفيها 722 من أصل 904 مزرعة جنجل ألمانية. أحد هذه المزارع يديره يوسف فيمر الذي يحذر قائلا في حديثه مع Euronews Earth: "السنوات تصبح أكثر حرارة وجفافا".
مزارع الجنجل فيمر يريد أن يبقى حوضه الزراعي على قيد الحياة
يؤكد يوسف فيمر أيضا تراجع عدد مزارع الجنجل قائلا: "حين أنهيت تعليمي قبل 30 عاما كان هناك في هالرتاو أكثر من 2000 مزارع جنجل، اليوم هم أقل بكثير من 1000". ويقول فيمر، ذلك الرجل الحازم الذي يتضح من أول لقاء أنه لا يتهرب من المشكلات، إنه كان لا بد أن يتخذ خطوة ما لضمان استمرار مزرعته.
من مزرعته الرباعية الأجنحة اللافتة في نويهوف قرب أوسلتسهاوزن، القرية الصغيرة في وسط هالرتاو، لا تبعد سوى بضعة أمتار عن أطراف حقول الجنجل. تمتد حدائق الجنجل ما لا تبلغه العين على امتداد التلال المتموجة بلطف. على مسافات منتظمة ترتفع أعمدة يبلغ طولها سبعة أمتار، تتسلقها نباتات الجنجل التي تبدو بلون أخضر مائل إلى الذهبي عندما تنعكس عليها الشمس. في أواخر الصيف تُقطف العناقيد، ويُستخلص منها مركّز الجنجل الذي يمنح البيرة طعمها المميز الخفيف المرارة.
يشير فيمر إلى الأعلى. ففي مساحة مرتفعة مباشرة فوق أعمدة الجنجل ثبت ألواحا كهروضوئية. يمتزج خضار نباتات الجنجل الكثيف في المشهد بلون أزرق لطيف لألواح الطاقة الشمسية. ويشرح فيمر أن الهدف هو الحد من آثار التغير المناخي: "أردنا أن نوفر للجنجل ظلا، فهو في النهاية نبات يحب الظل".
من صناعة الطائرات إلى "Agri-PV"
اليوم يستقبل المزارع فيمر في مزرعته برنارد غروبر، وهو مهندس سابق في شركة "إيرباص" قرر تغيير مساره المهني. فبدل تصميم الطائرات، يكرّس غروبر عمله اليوم لبناء أنظمة "Agri-PV"، أي محطات الطاقة الشمسية فوق الأراضي الزراعية، حيث يبتكر ويحسّن، يصمم ويجرب، يحسب ويختبر. ويمكن القول إن مشروع الجنجل-الشمسية لدى فيمر هو أيضا "طفل" غروبر قليلا؛ فالمهندس المسؤول الذي يحمل خبرة عقود وضع على الورق تصميم النظام الكامل، وحسب بدقة عوامل الثبات الهندسي، وزوايا سقوط الشمس، ومساحات التعرض لمخاطر الرياح، وزاوية الميل المثلى للألواح الشمسية على ارتفاع بين سبعة وثمانية أمتار عن سطح الأرض.
يقول فيمر: "في المرحلة الأولى قمنا بتركيب ألواح الطاقة الشمسية فوق خمسة هكتارات من الجنجل"، مضيفا: "هذا يعطينا قدرة تبلغ اثنين ميغاواط بيك". وقد فاجأته نتائج المحطة التجريبية الأولى إيجابيا إلى حد بعيد، ما دفعه إلى التخطيط لتغطية بقية حقول الجنجل أيضا بألواح "Agri-PV": "في العامين أو الثلاثة أعوام المقبلة سنوسّع المشروع ليغطي 20 هكتارا، وعندها ستكون لدينا قدرة شمسية تبلغ ثمانية ميغاواط بيك، إضافة إلى بطارية لتخزين الكهرباء بطاقة واحد ميغاواط". و"ميغاواط بيك" (MWp) هي الوحدة التي تُقاس بها القدرة القصوى لمحطة الطاقة الشمسية.
يتفحص المهندس غروبر بنظرة رضا كثافة أوراق الجنجل الخضراء الصحية قائلا: "هل تم تأمين خط نقل الكهرباء وربط المحطة بمحطة التحويل الآن؟". فيمر يؤكد: "نعم. علينا الآن مد خط بطول خمسة كيلومترات، لكن على نفقتنا الخاصة".
يسأل غروبر: "وماذا عن رخصة البناء؟ كم استغرق الحصول عليها؟". يجيب المزارع فيمر متنهدا قليلا: "نحو عامين". فيعلق برنارد غروبر مستاءً: "عامان، هذه مدة طويلة إذا فكرنا في أن المطلوب هو الإسراع في توسيع استخدام الطاقة المتجددة".
في بافاريا، وفي ألمانيا، وفي الاتحاد الأوروبي كله، يدور الحديث باستمرار عن تقليص البيروقراطية. ويمكن رؤية ما يعنيه ذلك عمليا في مثال محطة "Agri-PV" فوق حقول الجنجل لدى فيمر. يلخص المهندس غروبر المشكلة بقوله: "فترات الانتظار الطويلة للحصول على التراخيص تشكل عائقا. فهي تثني كثيرا من المزارعين عن الإقدام على مشاريع "Agri-PV" واسعة النطاق، لأن عبء الإجراءات الإدارية كبير بالنسبة لكثير من الفلاحين".
في نهاية المطاف، كما يقول غروبر، يبقى القرار بيد السياسة: "في زراعة الجنجل تحديدا، وكذلك في محاصيل زراعية خاصة أخرى، يمكن اتخاذ قرارات الموافقة بسهولة وسرعة. لماذا لا يتم ذلك بوتيرة أسرع؟ بصراحة هذا لغز بالنسبة لي". في ظلال أوراق الجنجل الكثيفة الخضراء ي nod فيمر موافقا.
"Agri-PV" يحافظ على رطوبة التربة.. وهذا ما يحبّه الجنجل
يسير فيمر وغروبر في ظل منشأة الجنجل التي تمتد عاليا في السماء الزرقاء البيضاء لبافاريا باتجاه جهاز قياس الرطوبة في التربة. يشير فيمر إلى الأرض بين النباتات قائلا: "لاحظنا أنه منذ تركيب ألواح "Agri-PV" أصبحت التربة في هذه المساحة أكثر رطوبة. فمعدل التبخر أقل، ويمكننا الاحتفاظ بمياه الأمطار في التربة لفترة أطول، وهذا جيد للجنجل، خاصة في شهور يونيو ويوليو وأغسطس، حين يحتاج النبات إلى الماء".
فكرة تركيب ما يشبه "قبعة شمسية" من الألواح الكهروضوئية فوق حقول الجنجل راودت المزارع فيمر قبل أكثر من عشرة أعوام. لكن كحال كثير من الرواد الحقيقيين، كان عليه أن يتجاوز سلسلة من العقبات في البداية. لم يكن من السهل إقناع شركة متخصصة في الطاقة الشمسية بأن تخوض مع مزارع الجنجل هذا مغامرة غير مسبوقة تماما؛ إذ إن محطة "Agri-PV" فوق حقول الجنجل لدى فيمر تعد أول مشروع من نوعه في العالم.
يتذكر يوسف فيمر البدايات جيدا: "والدي، الذي ورثت عنه المزرعة، رحّب بالفكرة. لكن في صفوف السكان ظهرت أصوات تقول: الآن جنّ فيمر، هذا المشروع لن ينجح أبدا!". يواصل: "عندما بدأنا أعمال التركيب أصبحنا نقطة جذب في هالرتاو؛ الجميع جاء لرؤية ما نفعل. وبعد كل عاصفة قوية كان الزوار يعودون، الجميع يريد أن يعرف هل ما زالت المنشأة صامدة أم أطاحتها الرياح"، يقول ضاحكا، قبل أن يضيف بفخر: "لكن كل شيء ما زال قائما، حتى بعد العواصف".
بعد الجيران الفضوليين جاء مزارعو الجنجل من القرى الأبعد لزيارة المشروع. ثم تبعهم السياسيون المحليون ورؤساء المقاطعات، وصولا إلى الوزراء القادمين من العاصمة الإقليمية ميونيخ. بفضل نظامه المبتكر للجنجل-الشمسية أصبح يوسف فيمر من أشهر الوجوه في منطقة هالرتاو.
الآن يأتي النموذج الثاني
المهندس غروبر بدوره يشعر بالفخر تجاه "منشآته". فالثنائي فيمر-غروبر وصل الآن إلى النموذج الثاني من المشروع. في المحطة التجريبية الأولى عام 2023 ثبت غروبر الألواح الشمسية بزاوية ميل قدرها 20 درجة فوق نباتات الجنجل، "وهذا يعني أن الألواح تستقبل قدرا أكبر من أشعة الشمس يمكن تحويله إلى طاقة، لكنه يعني في المقابل أيضا مزيدا من الظل للجنجل"، كما يوضح.
مزيد من الظل مفيد من حيث المبدأ للزراعة (بسبب زيادة رطوبة التربة)، لكنه يبقى معادلة دقيقة يجب ضبطها. فكما اكتشف المزارع فيمر في المرحلة الأولى من التجارب، فإن الظل الزائد يحمل مشكلات؛ فعندما تتسلق نباتات الجنجل حتى ارتفاع سبعة أمتار لتصل إلى "سقف" الألواح، تبدأ في المنطقة العليا الأكثر ظلّا في إنتاج فروع كثيفة، لكنها تشكّل عددا أقل من العناقيد، ما يقلل المحصول الإجمالي ويخفض كمية مركّز الجنجل المنتج.
حينها كان دور المهندس غروبر. يقول متذكرا: "على مدى عامين فكرت في الأمر وحسّنت النموذج". وكان عليه أن يأخذ في الاعتبار عوامل زراعية واقتصادية وموسمية في آن واحد: من أين إلى أين تتحرك الشمس في الصيف؟ وفي الشتاء؟ كيف تبدو منحنيات الأسعار النموذجية في بورصة الكهرباء صباحا وظهرا ومساءً؟ ما مقدار الظل المناسب للجنجل والتربة؟ وأين تقع الحدود بين القليل والكثير؟ وكيف تغير زاوية ميل الألواح الشمسية شكل الظلال على مدار اليوم؟ كانت معادلة رياضية معقدة بعوامل كثيرة. وقد وضع غروبر الحل، ثم عاد إلى مزرعة فيمر حاملا مخططات النموذج الثاني.
ضربة عبقرية: ألواح بزاوية 45 درجة
في هذا النموذج الثاني الذي نُصب عام 2025 على أرض فيمر، تقف الألواح الشمسية بزاوية أكثر انحدارا تبلغ 45 درجة. الألواح تستقبل كمية أقل قليلا من أشعة الشمس، لكن نباتات الجنجل تشكل عددا أكبر من العناقيد. ومن منظور اقتصادي، يتضاعف العائد في النهاية. فعندما تكون الألواح مسطحة كما في النموذج الأول، تنتج المحطة الشمسية أكبر كمية من الكهرباء عند الظهيرة، أي في الوقت الذي يكون فيه المعروض في الشبكة كبيرا بالفعل وتنخفض أسعار البيع بالنسبة للمنتجين.
أما حل 45 درجة في النموذج الثاني فيُعد ضربة موفقة؛ إذ تبدأ المحطة الآن في العمل بكفاءة منذ ساعات الصباح الأولى مع شروق الشمس، أو بحسب اتجاهها، في أواخر بعد الظهر وبداية المساء، أي في الفترات التي تكون فيها أسعار الكهرباء مرتفعة. بذلك ينتج فيمر كمية أقل من الكهرباء مقارنة بالنموذج الأول، لكنه يحقق دخلا أكبر، إلى جانب فرحته بوفرة العناقيد على نباتات الجنجل.
وإذا ما حسبنا العائد على مدار العام كله، يتبين أن زاوية 45 درجة أفضل بكثير. ففي الشتاء تكون الشمس لساعات طويلة منخفضة عند الأفق، ما يجعل من السهل التقاط أشعتها بزاوية 45 درجة وتحويلها إلى كهرباء. "وفي الشتاء تحديدا نحتاج إلى كل كيلوواط ساعة"، كما يقول المهندس غروبر.
بحث متقدم في حقول الجنجل
مشروع فيمر وغروبر لا يقف وحده بمعزل عن البحوث؛ فمحطتهما التجريبية مدمجة ضمن أكثر من مشروع بحثي. ومن بين الشركاء في التعاون والتمويل جامعة فاينشتيفان-ترايسدورف، ومعهد "فرونهوفر" الشهير دوليا لأبحاث الطاقة الشمسية في فرايبورغ، والهيئة الاتحادية للزراعة والتغذية، وجميعها تقف خلف هذه الابتكار الذي قد يكون نقطة تحول. كما تتابع المشروع علميا الجامعة التقنية في ميونيخ عبر معهدها الزراعي البحثي في دورناست، ومعهد أبحاث الجنجل في هول. ولا ننسى أن وزارة الزراعة تموّل فترة التجارب الممتدة لثلاثة أعوام بمبلغ 1.4 مليون يورو من مخصصات البحث العلمي.
على الصعيد الدولي بدأت الأبحاث حول "Agri-PV" تتقدم ببطء أيضا. يقول غروبر بتقدير: "اليابانيون لديهم بالفعل بيانات ونتائج جيدة". وفي آسيا وأمريكا تجري تجارب مكثفة هي الأخرى، لكن البحث في مجال "Agri-PV" "صنع في ألمانيا"، أو بصيغة أوسع "صنع في أوروبا"، ما زال يعد رائدا عالميا حتى الآن.
يدخل المهندس غروبر في التفاصيل قائلا: "قمنا بتركيب حساسات لقياس رطوبة التربة في حقل الجنجل لدى السيد فيمر". ويُقاس مستوى الرطوبة عند سطح التربة وكذلك في أعماق أكبر. إضافة إلى ذلك يسجل فيمر وفريقه العلمي المصاحب على مدى مستمر درجات الحرارة والرطوبة في الهواء بين نباتات الجنجل وعلى ارتفاعات مختلفة. ولضمان أن تكون البيانات ذات معنى علمي، تُضاعف القياسات كلها: مرة في حقل الجنجل المغطى بمنشأة "Agri-PV" المظللة، ومرة في حقل للمقارنة بلا ألواح فوق النباتات.
وصلت أولى نتائج التحليل الآن، وهي واضحة على الأقل بالنسبة للنموذج الأول: فدرجة التظليل الإضافي الخفيفة التي توفرها منشآت "Agri-PV" فوق الجنجل حسّنت صحة التربة بشكل ملحوظ. وتتفق نتائج جامعة فاينشتيفان ومعهد "فرونهوفر" في فرايبورغ في هذه النقطة. أما ما إذا كان النموذج الثاني أفضل، وإلى أي حد، فهذا ما سيظهر لاحقا، إذ إن التجربة الحقلية المتعلقة به ما زالت جارية.
مناطق النمو النباتي تزحف شمالا
التجربة الحقلية المثيرة في حقول الجنجل لدى فيمر لا تشغل هالرتاو وحدها، بل باتت موضوع نقاش في ألمانيا وأوروبا بأكملها. فهناك شبح يجول في أوروبا: هل ستنزاح كل مناطق النمو النباتي نحو الشمال بفعل الاحترار المناخي؟
هل سيُضطر المزارعون إلى التخلي عن مناطق زراعة تقليدية تعود إلى قرون، ونقلها جغرافيا إلى خطوط عرض أكثر برودة؟ هل ستموت بذلك عادات ريفية وتقاليد ومشاهد ثقافية زراعية؟ هل سنرى قريبا نبيذا "فرنسيا" من إنجلترا، وجنجل "ألمانيا" من الدول الاسكندنافية؟
في صفوف مزارعي الجنجل البافاريين تسود حالة من القلق. ويتبادل الفلاحون النكات فيما بينهم قائلين إن الجنجل اللازم لصناعة البيرة البافارية الجيدة قد يكون مستوردا من النرويج بعد 30 عاما. حتى الآن يُقال هذا على سبيل المزاح، لكن إلى متى؟ فالبعض في هالرتاو يخشى أن يتحول الأمر في نهاية المطاف إلى حقيقة مرة.
"Agri-PV" فوق حقول العنب والفاكهة والهليون أيضا
الأمر لا يتعلق بمحصول الجنجل وحده. يقول المهندس غروبر: "بعض منتجي النبيذ بدأوا تجربة أنظمة مشابهة فوق كروم العنب". فمزارعو الكروم ونباتاتهم يعانون هم أيضا من التغير المناخي وجفاف التربة. وبينما تُجرى التجارب على "جنجل-PV" في هالرتاو، تشهد مناطق أخرى في ألمانيا مشاريع مشابهة: منشآت "Agri-PV" فوق حقول التوت، وفوق بساتين الفاكهة، وفوق حقول الهليون.
هناك شيء يتحرك بالفعل، وقد ينمو قريبا ليصبح ظاهرة كبيرة. فاستنادا إلى النتائج البحثية الواعدة يمكن التنبؤ بأن "Agri-PV" سيصبح خلال سنوات قليلة جزءا مألوفا من المشهد الزراعي الأوروبي.
ثلث الإنتاج العالمي
لكن لنعد إلى الجنجل؛ فحتى وإن كان 86 في المئة من الجنجل الألماني يأتي من هالرتاو، وتنتج هذه المنطقة البافارية نحو ثلث إنتاج الجنجل في العالم، فإن هناك في أوروبا مناطق أخرى لزراعة الجنجل تواجه مشكلات مشابهة جزئيا. في فرنسا يعاني مزارعو الجنجل من تزحف الرمال على التربة ومن الجفاف أيضا. وفي تشيكيا وسلوفينيا وسلوفاكيا وبولندا والنمسا تُزرع نباتات الجنجل كذلك. يقول المهندس غروبر بثقة: "قد يكون مشروعنا نموذجا يحتذى به في أوروبا كلها".
يتفق غروبر وفيمر على أن الوقت حان للتحرك. فبعد بضع سنوات جافة في العصور الوسطى (من 1302 إلى 1307 ومن 1540) تتضاعف اليوم فترات الجفاف الشديد في ألمانيا. ويوضح "رصد الجفاف" التابع لمركز هلمهولتس لأبحاث البيئة أن البلاد شهدت موجات جفاف قصوى أعوام 1976 و2003، ثم منذ 2018 تقريبا بشكل شبه متواصل حتى اليوم: 2019 و2020 و2022 و2023 و2025…
هذا يشعر به مزارعو الجنجل في ألمانيا بوضوح. فالحرارة تحد من إنتاج أحماض "ألفا"، وهي المادة التي تمنح البيرة مذاقها المر العطري اللطيف. لكن الأهم من انخفاض نسبة أحماض "ألفا" في مركّز الجنجل أن المزارعين يسجلون خسائر كبيرة في المحصول؛ فالجفاف يضر جودة الجنجل، وقبل ذلك كميته، إذ تُحصد عناقيد أقل.
يبحث كثيرون عن حلول بشكل عاجل. ويجري تركيب أنظمة ري باهظة التكلفة، بما في ذلك في هالرتاو، لكن ليس كل مزارع قادرا على تحمل هذه التكاليف، فضلا عن أن استخدامها مثار جدل سياسي. مزارعون آخرون يجربون زراعة نباتات خضراء بين صفوف الجنجل لتقليل التبخر. وباحثو الجنجل يطورون أصنافا تتحمل الجفاف بشكل أفضل، لكن ليس كل منتجي البيرة مستعدين لقبول هذه الأصناف الجديدة بسهولة.
أمام هذه الأزمة المتفاقمة على مدى سنوات، يلجأ بعض المزارعين إلى المحراث لقطع جذور الجنجل المعمرة وتجريف "غابات" الأعمدة التي يبلغ ارتفاعها سبعة أمتار، ويودعون قطاع الجنجل بحزن شديد. مع أن زراعة الجنجل جزء من هوية بافاريا وألمانيا تماما كما أن زراعة الكروم جزء من هوية فرنسا، وحقول الزيتون جزء من هوية اليونان وإيطاليا.
الجيل الخامس يستعد لتسلّم الراية
أقدم توثيق مكتوب في العالم لزراعة الجنجل يعود إلى منطقة فريزينغ، على أطراف هالرتاو اليوم، ويرجع إلى عام 860 بعد الميلاد. وهذا يجعل من المنطقة البافارية واحدة من أقدم مناطق زراعة الجنجل في العالم، وهو أمر لا يزال يحمل وزنا حتى اليوم. كثير من مزارعي الجنجل يديرون مزارعهم عبر أجيال، ومن بينهم يوسف فيمر الذي يعد مزارعا من الجيل الرابع.
يبتسم فيمر قائلا: "والجيل الخامس يستعد بالفعل للانطلاق؛ فابني يبلغ من العمر 17 عاما حاليا ويتلقى تدريبه الزراعي. هو في السنة الثانية من التدريب وسيتولى إدارة المزرعة لاحقا. في الحقيقة أنا أستثمر في منشآت "Agri-PV" فوق حقول الجنجل من أجله؛ فحين يكون كل هذا قد تم تسديد كلفته، سأكون غالبا قد دخلت مرحلة التقاعد"، يقول ضاحكا، قبل أن يضيف: "وابني سيواصل الطريق".
هل يستحق الأمر كل هذا الجهد؟ أو بصيغة أخرى: هل استثمار "Agri-PV" مجدٍ اقتصاديا للمزرعة؟ المهندس غروبر مقتنع تماما بأن "Agri-PV" يمكن أن يصبح نموذجا تجاريا جديدا لكثير من المزارعين؛ إذ يقول: "نحن حاليا عند فترة استرداد للتكلفة تبلغ نحو 14 عاما، والمنشأة الشمسية تعمل لمدة 30 عاما على الأقل"، موضحا أنه يمكن حينها تصور حجم الأرباح الممكنة.
معادلة رابح–رابح
في هذه النقطة يطرح كثير من المزارعين أسئلة دقيقة؛ فالجميع يدرك أن الأمر يتعلق بتوازن حساس يجب ضبطه بعناية: فمن جهة هناك انخفاض (طفيف) في المحصول الزراعي، ومن جهة أخرى هناك عائد إضافي (متذبذب) من بيع الكهرباء الشمسية.
لذلك نسأل المزارع يوسف فيمر عن كيفية حساب هذا التوازن لديه. يجيب: "جامعة فاينشتيفان درست بدقة تراجع المحصول في الجنجل، وتوصلت إلى أن النقص يتراوح بين 10 و20 في المئة. إذا انتهينا عندنا بخسارة في حدود 10 إلى 15 في المئة في المحصول، فإن المشروع يكون مجديا بالنسبة لي، لأن الربح من إنتاج الكهرباء ممتاز، فعلا ممتاز! فنحن نعوّض عبر عائد الكهرباء انخفاض المحصول في الجنجل".
هل يعني ذلك أن المحصلة صفرية، بلا ربح أو خسارة؟ يوضح فيمر الصورة: "في الجنجل أخسر قليلا من المال، لكن مع المنشأة الشمسية فوقه أربح مالا جيدا". يضحك راضيا ويضيف: "الأمر مجدٍ! الأمر مجدٍ!". ويوافقه المهندس غروبر قائلا: "في النهاية هذه معادلة رابح–رابح؛ فأنت لا تحصد مالا من الكهرباء فقط، بل تحصل أيضا على دخل آمن من حصاد الجنجل".
يتعلق الأمر أيضا بالاستمرارية والقدرة على الصمود عبر السنوات؛ إذ يقول غروبر: "حتى في الموسم الذي لا ينمو فيه الجنجل، تبقى التربة جزئيا في الظل بفضل الألواح الشمسية، وهذا يجعل بنية الرطوبة في التربة أكثر تجانسا، ويجهزها بشكل أفضل لموسم الزراعة التالي".
في ألمانيا زُرع العام الماضي نحو 19.000 هكتار من الجنجل. وبعد الولايات المتحدة تحتل ألمانيا المرتبة الثانية عالميا من حيث حجم إنتاج الجنجل. وبلغت الحصيلة السنوية الألمانية لعام 2025 قليلا فوق 43.000 طن، أي ما يعادل 38 في المئة من الإنتاج العالمي، منها أكثر من 37.000 طن من منطقة هالرتاو وحدها.
زراعة الجنجل جزء من الهوية الثقافية في بافاريا
سكان بافاريا يشعرون بالفخر تجاه هذه الإنجازات. فالجنجل والبيرة في هالرتاو ليسا فولكلورا، بل جزء من الحياة اليومية. ويُنتخب سنويا "ملكة الجنجل"، كما أن موسم قطاف العناقيد في أواخر الصيف يعد حدثا كبيرا. ومنذ قرون يرتبط تقويم العطل المدرسية في بافاريا بمواعيد حصاد الجنجل، لأن المزارعين بحاجة إلى كل يد عاملة يمكنهم الحصول عليها. أما مهرجانات البيرة العديدة في القرى والمدن البافارية، سواء حملت اسم "مهرجان أكتوبر" أو أسماء أخرى، فهي في جوهرها التاريخي احتفالات بالشكر على الحصاد.
في هالرتاو غالبا ما تتطابق الهوية الثقافية لمنطقة كاملة مع المصالح المالية لعدد كبير من المزارعين. ويتضح ذلك أيضا في كلام يوسف فيمر حين يقول: "أحد الأسباب الرئيسية لتركيب منشأة "Agri-PV" فوق حقول الجنجل كان بالطبع ماليا؛ فالهدف هو تهيئة المزرعة للمستقبل وضمان دخل مستقر وتقليل التقلبات. منذ عام 2009 لدينا ألواح طاقة شمسية على أسطح المباني، ورأينا أن الأمر ناجح. لذلك قلنا لأنفسنا إننا سنقوم بالأمر نفسه الآن على نطاق واسع فوق حقول الجنجل".
في أماكن أخرى يتخلى المزارعون عن نشاطهم الزراعي بالكامل ويغطون حقولهم السابقة بمحطات شمسية أرضية. وهذا يمنحهم دخلا، لكنه يثير مقاومة متزايدة بين الجيران وسكان القرى والرأي العام؛ فالناس لا يريدون رؤية مناظرهم الطبيعية الموروثة وقد امتلأت بما يسمى محطات "الأسطح الحرة" للطاقة الشمسية. أما في حالة "Agri-PV" فالأمر مختلف، لأن هذا المفهوم يسمح بتحقيق هدفين في وقت واحد: فالمزارع يواصل استثمار أرضه زراعيا، وفي الوقت نفسه "يحصد الشمس".
وقد فكر يوسف فيمر في هذا الجانب أيضا قائلا: "كان بإمكاني أن أقول حسنا، سأقتلع الجنجل وأركب بدلا منه ألواح طاقة شمسية أرضية في كل مكان. لكن عندها ما كنت لأظل مزارعا، بل مجرد صاحب شركة للطاقة الشمسية، وهذا ما لا أريد ولا أردت أن أكونه".
ففيمر يريد كلا الأمرين معا: "الأهم بالنسبة لي هو الحفاظ على زراعة الجنجل في أرضي. أريد أن أسلّم المزرعة إلى الجيل التالي وهي تتمتع بالاستمرار والمستقبل، ولكن مع دخل إضافي من الطاقة الشمسية".
رائد في حقول الجنجل
خلال حديثهما يكون المهندس غروبر والمزارع فيمر قد عبرا أحد حقول الجنجل ويعودان الآن إلى المزرعة الكبيرة على التلة. في الأفق تتجمع سحب العاصفة، جبال من الغيوم الداكنة ترتفع فوق مزرعة فيمر وحقوله. لم تصل العاصفة بعد إلى نويهوف قرب أوسلتسهاوزن؛ أشعة الشمس تنير برج الكنيسة البصلي في القرية المجاورة، ثم تنعكس على ألواح "Agri-PV" لدى فيمر.
يدرك غروبر وفيمر أن التغير المناخي لا يمكن إيقافه بين ليلة وضحاها، تماما كما لا يمكن إيقاف العاصفة القادمة، لكنهما يعرفان أيضا أنه يمكن اتخاذ خطوات وقائية إلى حد ما. ينظر المهندس غروبر إلى شريكه وصديقه بتقدير قائلا: "أجد أنه أمر رائع أنك رائد بهذا الشكل. وأجد أنه رائع أيضا أنك تواصل المسار بعد تجاربنا الأولى الناجحة، وستغطي الآن بقية حقول الجنجل لديك بألواح الطاقة الشمسية. أنا أرى الأمر تماما كما تراه؛ فـ"Agri-PV" فرصة كبيرة لزراعة الجنجل كي تبقى في بافاريا، ولا تضطر إلى الانتقال شمالا".
خُمس محطة نووية
قبل الوداع يقدم غروبر مثالا رقميا صغيرا قائلا: "من أصل نحو 17.000 هكتار من إجمالي مساحة زراعة الجنجل، هناك حوالي 20 في المئة مناسبة جيدا للتظليل، أي لتركيب منشآت "Agri-PV" فوق الحقول. لو تم تنفيذ ذلك فعلا على نطاق واسع فوق هذه الـ20 في المئة، لكانت لدينا قدرة تعادل خُمس محطة للطاقة النووية".
لكن قبل ذلك، كما يقول غروبر بعبارة حذرة، يجب تحسين "وضع خطوط نقل الكهرباء"، في إشارة إلى النقص في نقاط الربط وهشاشة شبكة النقل. فلا بد من القدرة على نقل الكهرباء المنتجة فوق حقول الجنجل إلى الشبكة وحقنها فيها، "بما في ذلك في شبكة الجهد المتوسط والعالي".
ربح للجميع
بمجرد تجاوز عقبة البنية التحتية هذه، يكون كل شيء قد تحقق كما يرى غروبر: "بالنسبة لمزارع الجنجل يعني ذلك ربحا. وبالنسبة لنبات الجنجل نفسه هو ربح أيضا. وبالنسبة للتربة كذلك".
بعد لحظة تفكير قصيرة يضيف المهندس غروبر: ""Agri-PV" خطوة هائلة نخطوها في اتجاه الطاقة المتجددة". وهو نموذج يضمن أيضا التعايش بين الزراعة وتوليد الكهرباء. "فإن الطاقة"، كما يختتم غروبر، "يجب ألا تدخل في منافسة مع إنتاج الغذاء. وإذا أردنا ضمان ذلك فيجب أن نمهد الطريق لهذا التعايش".
وبقيت ملاحظة صغيرة لعشاق المعرفة حول الجنجل: هل كنتم تعلمون أن إنتاج لتر واحد من البيرة لا يحتاج سوى إلى غرامين من مركّز الجنجل؟ ومن كيلو واحد من الجنجل يمكن إنتاج 500 لتر من البيرة.