دعا غوتيريش في ختام كلمته إلى إصلاح مجلس الأمن الدولي ليعكس واقع العالم اليوم ويتمتع بالشرعية والفاعلية اللازمتين للتعامل مع التحديات الراهنة.
قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن العقد الماضي شهد اندلاع حروب خلّفت عواقب مدمرة واستمرت بـ"وحشية مروعة"، مشيرًا إلى أن المدنيين كانوا في كثير من الحالات بين أبرز المتضررين، مع انتهاكات لحقوق الإنسان واستخدام الجوع سلاحًا في النزاعات.
وأكد غوتيريش، في كلمته خلال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر الأمم المتحدة، أن القوة العسكرية وحدها لا يمكن أن تضمن الأمن، كما أن القوة الاقتصادية وحدها لا تكفي لضمان الاستقرار، داعيًا إلى معالجة الأزمات من خلال الحلول السياسية والتعاون الدولي.
كما حذّر الأمين العام للأمم المتحدة من اتساع الانقسامات العالمية في وقت تواجه فيه البشرية أزمات متداخلة وغير مسبوقة، مؤكدًا أن آليات العمل الجماعي تتعرض لضغوط متزايدة، وأن مستقبل العالم سيتوقف على قدرته على إدارة القوة بحكمة وإعلاء القانون على الإفلات من العقاب.
وأوضح غوتيريش أن العالم يتجه نحو تعددية قطبية قد تقود إما إلى مزيد من التشرذم والتعاملات القائمة على المصالح الضيقة، أو إلى نظام دولي مترابط يقوم على التعاون. وحدد أربعة اختبارات رئيسية ستشكل المستقبل، تتعلق بقرارات الحرب والسلام، وتوزيع الثروة، ومواجهة أزمة المناخ، وإدارة القوة المتنامية للذكاء الاصطناعي.
وفي ما يتعلق بالشرق الأوسط، قال غوتيريش إن ما يسمى وقفًا لإطلاق النار "ليس أكثر من إطلاق نار لكن أقل حدة"، محذرًا من أن استمرار العنف يقوّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية.
وشدد الأمين العام للأمم المتحدة على ضرورة الحفاظ على حل الدولتين، قائلًا: "لا يمكننا السماح لحل الدولتين بأن يتلاشى أمام أعيننا".
رفض لعنف المستوطنين
وأضاف أن العنف والتهجير والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية المحتلة "تهدم مسار السلام وتثير شبح التطهير العرقي"، بينما وصف ما أعقب هجمات 7 أكتوبر بالنسبة للفلسطينيين في غزة بأنه شهد "عمليات قتل ودمار واسعة النطاق".
ويتمسك الأمين العام للأمم المتحدة بموقف الرافض للاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، ويعدّه مخالفًا للقانون الدولي ومقوضًا لحل الدولتين.
كما يحذر من أن التوسع الاستيطاني والتهجير والضم التدريجي يثير مخاوف من "التطهير العرقي"، ويدين اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين، مطالبًا إسرائيل بمحاسبة مرتكبيها وحماية المدنيين.
ويستند موقف غوتيريش إلى قرارات الأمم المتحدة والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في يوليو/تموز 2024، والذي أقرّ بعدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي وجوب إنهائه وتفكيك المستوطنات وإخلائها.
ملف السودان
وتطرق غوتيريش إلى الحرب في السودان، معتبرًا أنها بدأت كصراع على السلطة تغذيه أطراف خارجية، لكنها تحولت إلى حرب على المدنيين. وقال إن ملايين الأشخاص نزحوا، فيما ينتشر الجوع وتستهدف الطائرات المسيّرة المستشفيات والمنازل.
ويشهد السودان منذ 15 أبريل/نيسان 2023 حربًا بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي".
وامتدت المعارك إلى الخرطوم ودارفور وكردفان والجزيرة والنيل الأزرق، مخلفةً ملايين النازحين واللاجئين وأزمة غذائية وصحية حادة، بينما لم تنجح الجهود الدولية والإقليمية حتى الآن في التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار.
وسبق لغوتيريش أن دعا إلى محاسبة الدول التي تمدّ طرفي الحرب في السودان بالأسلحة والتكنولوجيا العسكرية، معتبرًا أن التدخلات الخارجية تطيل أمد الصراع.
كما وصف الوضع الإنساني بـ"المروّع"، محذرًا من جرائم حرب وتطهير عرقي وعنف جنسي، وطالب بوقف فوري لإطلاق النار وفتح ممرات آمنة للمساعدات، في ظل تمويل 42% فقط من خطة الاستجابة الإنسانية.
وفي ملف المناخ، وصف غوتيريش الأزمة بأنها اختلال غير مسبوق في ميزان العدالة بين الأجيال، محذرًا من أن الجيل الحالي يستنزف مستقبل الأجيال المقبلة. ودعا الحكومات إلى وضع خطط وطنية للابتعاد عن الوقود الأحفوري، وتحميل الجهات الأكثر تلويثًا مسؤولية أكبر في إصلاح الأضرار البيئية.
كما شدد على ضرورة إخضاع الذكاء الاصطناعي للرقابة والمساءلة والشفافية، معتبرًا أن الخطر لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، وإنما في استخدامها من دون ضوابط. وأكد أن تطويرها يجب أن يتم بإرادة بشرية ولخدمة البشرية جمعاء.
وفي ختام كلمته، دعا غوتيريش إلى إصلاح مجلس الأمن الدولي ليعكس واقع العالم اليوم ويتمتع بالشرعية والفاعلية اللازمتين للتعامل مع التحديات الراهنة.
الرئيس البرازيلي: العالم أصبح "رهينة" لشلل مجلس الأمن
من جهته، قال الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الثلاثاء، إن العالم أصبح "رهينة" لشلل مجلس الأمن الدولي، منتقدًا عجزه عن التعامل مع النزاعات والأزمات الدولية.
وقال لولا، في كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة: "لقد أصبحنا جميعًا رهينة عدم تحرك مجلس الأمن الدولي وفشله في أداء دوره".
وفي ما يتعلق بالشرق الأوسط، حذر الرئيس البرازيلي من أن التهديد بإبادة الحضارات لن يؤدي إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة، معتبرًا أن أجيالًا من الفلسطينيين ستحمل آثار ما وصفه بـ"الإبادة الجماعية" في غزة، والتي نسب مسؤوليتها إلى حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
كما انتقد لولا استمرار بناء المستوطنات في الضفة الغربية، معتبرًا أن ذلك يجعل حل الدولتين "أقل قابلية للتطبيق على نحو متزايد".
ودافع الرئيس البرازيلي عن دور المحكمة الجنائية الدولية، محذرًا من أن ملاحقتها وأعضاءها تشجع على إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب.
أبرز الملفات المطروحة
تنعقد الدورة الحادية والثمانون للجمعية العامة للأمم المتحدة تحت شعار "إعادة بناء الثقة وإدارة التحولات العالمية"، في ظل أزمات متلاحقة تفرض تحديات متزايدة على المجتمع الدولي، وتضع قدرة المنظمة الأممية على التعامل مع التحولات العالمية أمام اختبار جديد.
وتتصدر النزاعات الإقليمية والدولية جدول أعمال المناقشات رفيعة المستوى، وفي مقدمتها الحرب في غزة والتطورات المتسارعة في الشرق الأوسط، إلى جانب الحرب في أوكرانيا والأزمة الممتدة في السودان. ومن المنتظر أن تتركز المباحثات على حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وبحث السبل الكفيلة بخفض التصعيد وتسوية النزاعات.
كما تناقش الدورة مقترحات إصلاح منظومة الأمم المتحدة، ولا سيما مجلس الأمن الدولي، من خلال توسيع عضويته وإعادة النظر في استخدام حق النقض "الفيتو"، بما يعزز تمثيل مختلف مناطق العالم ويجعل المؤسسات الأممية أكثر عدالة وقدرة على الاستجابة للتحديات الراهنة.
وتحضر قضايا المناخ والاستدامة بقوة ضمن أعمال الدورة، عبر جلسات مخصصة لتقييم مدى الالتزام بالتعهدات المناخية ومناقشة الأخطار المرتبطة بارتفاع منسوب مياه البحار، خصوصًا على الدول الجزرية. كما تستعرض الاجتماعات التقدم المحرز في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة ضمن أجندة 2030، والفجوات التمويلية التي تعرقل جهود مكافحة الفقر والحد من عدم المساواة.
وتشمل المناقشات كذلك حوكمة الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات المتقدمة، في مسعى إلى وضع أطر دولية تحد من مخاطرها وتضمن استخدامها بصورة آمنة وعادلة، إلى جانب تقليص الفجوة الرقمية بين الدول المتقدمة والنامية.
وتكتسب الدورة أهمية إضافية لتزامنها مع اقتراب انتهاء الولاية الثانية للأمين العام أنطونيو غوتيريش، ما يفتح المجال أمام المشاورات المتعلقة بعملية اختيار الأمين العام المقبل، وسط دعوات إلى اعتماد مسار أكثر شفافية وتمثيلًا في اختيار قيادة المنظمة الدولية.