كشفت وثائق سرية قُدّمت إلى الكونغرس، وفقًا لصحيفة "واشنطن بوست"، أن الاستخبارات الأميركية ترى أن السعودية لم تستبعد خيار تطوير برنامج للأسلحة النووية.
يتصاعد الجدل في واشنطن بشأن اتفاق التعاون النووي المدني مع السعودية، وسط خلاف حول حدود تخصيب اليورانيوم والضمانات اللازمة لمنع استخدامه لأغراض عسكرية. وبينما ترى إدارة الرئيس دونالد ترامب في الاتفاق فرصة لتعزيز العلاقات مع الرياض، يخشى مشرّعون أن يفتح الباب أمام سباق تسلّح في المنطقة. فماذا تكشف الوثائق السرية المقدّمة إلى الكونغرس عن تقييم الاستخبارات الأميركية لنوايا السعودية النووية؟
تقييم استخباراتي يزيد قلق المشرّعين
وفي هذا السياق، أفادت صحيفة "واشنطن بوست"، نقلًا عن مسؤولين أميركيين، بأن وثائق سرية قُدّمت إلى الكونغرس تتضمن تقييمًا لأجهزة الاستخبارات الأميركية يفيد بأن السعودية لم تستبعد خيار تطوير برنامج للأسلحة النووية.
وزاد هذا التقييم مخاوف بعض المشرّعين الأميركيين بشأن اتفاق الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمساعدة المملكة في إنشاء برنامج نووي مدني. ويخشى هؤلاء أن يتيح الاتفاق تطوير سلاح نووي وأن يشعل سباق تسلّح في الشرق الأوسط.
ويجيز الاتفاق للشركات الأميركية إطلاق مشاريع للطاقة النووية في السعودية تُقدّر قيمتها بعشرات مليارات الدولارات. وتأمل الإدارة الأميركية أن يسهم ذلك في تعزيز العلاقات مع الرياض، وأن يحول دون تعاون المملكة مع خصوم الولايات المتحدة، مثل روسيا والصين.
وعند إعلان الاتفاق في تموز، قالت الإدارة إنه سيعزّز أمن الولايات المتحدة والمنطقة من خلال الالتزام بمعايير عالية للسلامة والأمن النوويين ومنع الانتشار، فضلًا عن تعزيز القدرة التنافسية الأميركية في مجال التكنولوجيا النووية المدنية.
تخصيب اليورانيوم يثير الخلاف بشأن الاتفاق
تتركّز اعتراضات عدد متزايد من المشرّعين الديمقراطيين على مسألة تخصيب اليورانيوم. فالاتفاق يقيّد التخصيب في السعودية إلى مستوى يقل عن خمسة في المئة في البداية، لكنه يسمح برفع هذا الحد إلى 20 في المئة بعد إجراء دراسة إضافية والتوصل إلى اتفاق خطي. ويمكن رفع اليورانيوم المخصّب عند هذا المستوى إلى درجة صالحة لصنع الأسلحة بسرعة نسبية. وكانت صحيفة "وول ستريت جورنال" قد نشرت سابقًا تفاصيل حدود التخصيب.
ويخشى المعترضون أن تُحوَّل بعض المواد النووية إلى أغراض عسكرية. وقد تساءل مشرّعون ديمقراطيون كيف تسمح إدارة ترامب باتفاق يفتح الباب أمام تخصيب بنسبة 20 في المئة، بعدما وجّهت انتقادات حادة إلى الاتفاق النووي الذي أبرمه الرئيس باراك أوباما مع إيران عام 2015، والذي حدّد سقف التخصيب عند 3.67 في المئة لمدة 15 عامًا.
وفي رسالة وجّهوها الجمعة إلى وزير الخارجية ماركو روبيو، قال عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين، بقيادة إد ماركي وجيف ميركلي، إن إدارة ترامب تبتعد بهذا الاتفاق عن السوابق المعتمدة، وتتّبنى قيودًا أقل صرامة، وتستجيب لمطالب سعودية عبر الموافقة على مسار قالوا إنه قد يمكّن الرياض من تخصيب اليورانيوم وربما تطوير أسلحة نووية.
وخلال مقابلة مع "واشنطن بوست"، قال ميركلي إن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تكتفي بتطمينات السعودية في مسألة بهذه الأهمية. واعتبر أن رغبة الرياض في الإبقاء على احتمال إنتاج الوقود النووي محليًا، بدلًا من استيراده، تثير تساؤلات بشأن اقتصار البرنامج على الاستخدام المدني. وتساءل عمّا إذا كانت المملكة ستقبل بالتخلّي عن التخصيب وإعادة المعالجة محليًا، وبإجراء عمليات تفتيش واسعة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
التفتيش والضمانات موضع خلاف
لا يُلزم الاتفاق السعودية بالمشاركة في ما يُعرف بـ"البروتوكول الإضافي"، الذي يتيح للوكالة الدولية للطاقة الذرية الوصول إلى جميع مراحل دورة الوقود النووي ومرافق الأبحاث. ويخشى خبراء أن يحدّ غياب هذه الآلية من قدرة الوكالة على التحقق مما إذا كانت أنشطة مرتبطة بتطوير سلاح نووي تُجرى سرًا في منشآت غير معلنة.
وفي رسالة إلى الكونغرس هذا الأسبوع، حذّر 20 خبيرًا في منع الانتشار النووي، بينهم المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية هانس بليكس، من قبول ترتيبات كهذه في حالة دولة تسعى إلى امتلاك قدرات لإنتاج مواد انشطارية وسبق أن لوّحت بالسعي إلى امتلاك أسلحة نووية.
وبحسب المسؤولين الذين تحدثوا إلى "واشنطن بوست" شرط عدم الكشف عن هوياتهم نظرًا إلى حساسية الملف، قدّمت وزارة الخارجية الأميركية تقييمها الخاص ضمن الوثائق السرية التي أُرسلت إلى الكونغرس الشهر الماضي. وقالوا إن الوزارة بدت أكثر ثقة بضمانات الاتفاق والتطمينات التي قدّمتها الحكومة السعودية.
واشنطن والرياض تدافعان عن الطابع السلمي
لم تردّ الحكومة السعودية مباشرة على أسئلة "واشنطن بوست"، لكنها أحالت الصحيفة إلى تصريح سابق لوزير الطاقة عبد العزيز بن سلمان، قال فيه إن البرنامج سيكون "سلميًا" وسيُطوَّر وفق "أعلى مستويات المسؤولية والشفافية".
من جهتها، دافعت وزارة الخارجية الأميركية عن دعمها الاتفاق، مؤكدة في بيان للصحيفة أن الولايات المتحدة "لا تدعم ولن تدعم برنامجًا سعوديًا للأسلحة النووية". وقالت إن الاتفاق يعكس نهجًا لتوسيع التعاون في مجال الطاقة النووية وتعزيزه، مع الحفاظ على أقوى معايير منع الانتشار التي يمكن تحقيقها دبلوماسيًا. وامتنعت وكالة الاستخبارات المركزية عن التعليق.
تصريحات ولي العهد والسياق الإيراني
من بين المسائل التي يستشهد بها خبراء منع الانتشار تصريح لولي العهد السعودي محمد بن سلمان عام 2018، قال فيه إن الرياض ستسعى إلى امتلاك سلاح نووي بأسرع وقت ممكن إذا طوّرت إيران قنبلة نووية.
وتشير "واشنطن بوست" إلى أن إدارة ترامب قصفت المنشآت النووية الإيرانية العام الماضي خلال عملية "مطرقة منتصف الليل"، لكن يُعتقد أن اليورانيوم الإيراني المخصّب بقي سليمًا، وإن كان تحت الأنقاض. وتضيف الصحيفة أن القيادة الإيرانية أصبحت أكثر تشددًا منذ بدء الحرب في وقت سابق من هذا العام واغتيال المرشد الأعلى للبلاد، ما أثار مخاوف من تسريع جهودها للحصول على قنبلة نووية.
وفي هذا السياق، رأى السيناتور ماركي أن استمرار الحرب في إيران سيدفع الإيرانيين إلى الدفاع بشراسة عن قدرتهم على تطوير برنامج للأسلحة النووية، وأن أي خطوة تُتخذ في السعودية قد تسرّع سباق تسلّح نوويًا في المنطقة.
مكاسب اقتصادية واتهامات بتضارب المصالح
يقول مؤيدو الاتفاق إن الشركات الأميركية ستكون في موقع جيد للفوز بعقود مربحة في السعودية، وإن التعاون النووي مع واشنطن سيحدّ من فرص الشركات الصينية والروسية، إلى جانب تعزيزه العلاقات بين البلدين.
لكن أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين أثاروا في رسالتهم إلى روبيو تساؤلات بشأن المستفيدين من الاتفاق. وأشاروا إلى أن جاريد كوشنر، صهر الرئيس ومبعوثه غير الرسمي، تلقّى استثمارًا بقيمة ملياري دولار من صندوق ثروة سيادي سعودي بعد مغادرته البيت الأبيض في نهاية ولاية ترامب الأولى.
ولفتوا أيضًا إلى أن شركة "وستنغهاوس إلكتريك" قد تجني عشرات مليارات الدولارات إذا مضى الاتفاق قدمًا، مشيرين إلى ارتباط مالكها الأكبر بشركة "نيومارك" العقارية، التي يديرها ويملك جزءًا منها أبناء وزير التجارة هوارد لوتنيك. ولم يردّ متحدثون باسم كوشنر و"وستنغهاوس" ولوتنيك و"نيومارك" على طلبات الصحيفة للتعليق.
وأشاد بعض الديمقراطيين بصراحة التقييم الاستخباراتي، في ظل ما وصفته الصحيفة بضغوط مارستها إدارة ترامب في السابق على مسؤولين استخباراتيين قدّموا تقييمات تثير الشكوك بشأن سياسات الرئيس. وقال النائب الديمقراطي براد شيرمان، الذي راجع الاتفاق عن كثب، إن من تبقّى من أصحاب الصراحة في أجهزة الاستخبارات يتمسكون بمواقعهم بصعوبة.
مراجعة في الكونغرس وعقبة التطبيع
وبحسب الصحيفة، تجري في الكونغرس مراجعة للاتفاق مدتها 90 يومًا، يستطيع المشرّعون خلالها إقرار تشريع لوقفه إذا حشدوا تأييدًا كافيًا. ويأمل بعض الديمقراطيين، بينهم النائب غريغوري ميكس، تقديم تشريع لرفض الاتفاق خلال هذه الفترة. لكن ترامب يمكنه استخدام حق النقض ضده، ولن يتمكن الكونغرس من تجاوزه ما لم يحظَ التشريع بتأييد ثلثَي الأصوات.
وقد تكون هناك عقبة أخرى أمام الاتفاق، تتمثل في إصرار ترامب على تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل شرطًا للمضي فيه. وقال مسؤول رفيع في الإدارة إن هذا الشرط لا يزال ثابتًا، فيما يرى محللون أن الرياض غير مرجّح أن تُقدم على التطبيع ما دامت الحكومة الإسرائيلية تواصل رفض إقامة دولة فلسطينية.