خلال 15 عاماً، انتقل عبد الملك الحوثي من قيادة جماعة محدودة النفوذ في شمال اليمن إلى زعامة قوة مسلحة تسيطر على أجزاء واسعة من البلاد، ويمتد تأثيرها إلى البحر الأحمر والمنطقة. ورغم ذلك، لا يزال هذا الرجل أحد أكثر الشخصيات غموضاً في الشرق الأوسط، وفق تقرير لوكالة "بلومبرغ".
في نيسان/أبريل 2011، التقى المبعوث الأممي إلى اليمن آنذاك جمال بن عمر بالحوثي في منزل متواضع شمال البلاد، بينما كانت الاحتجاجات المناهضة للحكومة تهدد بدفع اليمن نحو حرب مفتوحة.
ووصف بن عمر الحوثي آنذاك بأنه رجل هادئ، يتحدث بصوت منخفض ويتعامل بلباقة، ويستمع إلى محاوره حتى عند اختلافه معه. وبحسب الوكالة، يُعد بن عمر الدبلوماسي الوحيد الذي التقى الحوثي شخصياً.
والجماعة، التي بدت في ذلك الوقت حركة مسلحة محدودة النفوذ، أطاحت بالحكومة اليمنية عام 2014، قبل أن تفرض سيطرتها على صنعاء ومناطق واسعة من شمال البلاد وساحلها الغربي، حيث يعيش نحو 70% من السكان. وخلال سنوات الصراع، واجه الحوثيون اتهامات بقمع المعارضين وتجنيد الأطفال وفرض قيود على النساء والأقليات الدينية.
أما عبد الملك الحوثي، فلا يشغل منصباً رسمياً في الإدارة التابعة للجماعة، ولا يظهر إلا نادراً، إذ تقتصر إطلالاته في الغالب على خطابات متلفزة يلقيها من موقع غير معلن. ومع اتساع نفوذه، ازداد انعزاله وأصبحت دائرة المقربين منه محدودة أكثر، فيما بقيت القرارات الرئيسية مركزة في يده.
من هو عبد الملك الحوثي؟
وُلد الحوثي عام 1979 في صعدة قرب الحدود السعودية، ونشأ في عائلة بارزة من علماء المذهب الزيدي. وكان والده بدر الدين الحوثي رجل دين معروفاً، فيما برز شقيقه الأكبر حسين كشخصية سياسية ودينية مؤثرة، وأسهمت أفكاره في وضع الأسس الأيديولوجية للجماعة.
وبحسب الباحثة ميساء شجاع الدين، التي تحدثت إلى "بلومبرغ"، لم يحصل عبد الملك على تعليم رسمي واسع خارج البيئة الدينية لعائلته، ولم يمتلك المكانة العلمية لوالده أو شقيقه، لكنه صنع اسمه في الميدان بفضل قدراته العسكرية. وبعد مقتل حسين الحوثي على يد القوات اليمنية في أيلول/سبتمبر 2004، بدأت الحركة تلتف تدريجياً حول شقيقه الأصغر الذي كان يرسخ حضوره كقائد ميداني.
وساهمت حروب صعدة في تشكيل الدائرة التي بقيت الأقرب إلى الحوثي، إذ لا يزال عدد من كبار المسؤولين المحيطين به من الذين قاتلوا إلى جانبه خلال تلك السنوات. كما فشلت محاولات الحكومة المتكررة في القضاء على الجماعة في معقلها الشمالي، فيما تعرضت مناطق واسعة من صعدة لدمار كبير بفعل سنوات القتال.
ومع اتساع نفوذه، أصبح الوصول إلى الحوثي أكثر صعوبة. وتنقل الوكالة عن شجاع الدين قولها إنه لا يثق بسهولة بالآخرين، في حين يعزو مسؤولون حوثيون عزلته إلى اعتبارات أمنية ومحاولات اغتياله المتكررة. وبحسب مقربين منه، لا يميل الحوثي إلى إصدار أوامر مباشرة، بل يفضّل توضيح ما يريده وإقناع المحيطين به بالسير في الاتجاه نفسه.
تطور العلاقة مع طهران
لطالما وُصف الحوثيون بأنهم حلفاء لإيران، إلا أن علاقتهم بطهران تطورت تدريجياً، وفق "بلومبرغ"، وكانت صلات الجماعة بحزب الله بوابتها الأولى إلى طهران. وشكّلت سيطرة الجماعة على صنعاء عام 2014 نقطة تحول دفعت إيران إلى التعامل معها بجدية أكبر، قبل أن يؤدي بدء عمليات التحالف بقيادة السعودية في اليمن عام 2015 إلى تقارب إضافي بين الجانبين.
وبحسب الوكالة، شكّلت تجربة حزب الله نموذجاً للحوثيين، الذين رأوا فيها مثالاً على قدرة جماعة مسلحة على الصمود أمام قوة عسكرية أكبر، بالتوازي مع بناء نفوذ سياسي وعسكري.
وفي المقابل، رأت طهران في صعود الحوثيين فرصة لتوسيع شبكة حلفائها في المنطقة، فيما استفادت الجماعة تدريجياً من الخبرات والأسلحة والتدريب الإيراني. وتنقل الوكالة عن الباحثة ميساء شجاع الدين قولها إن تقاطع الأهداف بين الجانبين لا يعني بالضرورة أن الحوثيين يتلقون أوامر مباشرة من إيران.
ودخلت العلاقة مرحلة جديدة مع اندلاع الحرب على غزة عام 2023، إذ بدأ الحوثيون إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه إسرائيل واستهداف سفن تجارية في البحر الأحمر، قائلين إن عملياتهم تأتي دعماً للفلسطينيين. ووفق الوكالة، ساهمت هذه الحملة في تعزيز الحضور الإقليمي والدولي لعبد الملك الحوثي وجماعته.
معادلة إقليمية جديدة
تزامن صعود الحوثيين مع تراجع قدرات أطراف أخرى ضمن ما يعرف بـ"محور المقاومة"، في أعقاب الحرب على غزة والصراعات التي تلتها. وتنقل "بلومبرغ" عن حميد رضا عزيزي، الباحث في مجموعة الأزمات الدولية، قوله إن الجماعة باتت تؤدي جزءاً من الدور الذي كان يلعبه حزب الله في عهد الأمين العام الراحل للحزب حسن نصرالله.
وامتد نفوذ الجماعة إلى ما وراء اليمن، مع امتلاكها قدرات عسكرية تتيح لها استهداف منشآت نفطية وسفن تجارية، إلى جانب سيطرتها على أراض مطلة على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وكانت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد صنفت الحوثيين منظمة "إرهابية"، فيما حافظت واشنطن على الهدنة التي توصلت إليها مع الجماعة لإنهاء القصف في اليمن، وأجرت معها محادثات مباشرة في عُمان.
وبعد أكثر من عقدين من الحروب، لم تعد طموحات عبد الملك الحوثي محصورة بتوسيع سيطرة جماعته داخل اليمن. وفي حديثها إلى الوكالة، ترى شجاع الدين أنه بات يُنظر إلى الحوثيين كقوة إقليمية عابرة للحدود، وليس كجماعة محلية فحسب، مشيرة إلى أن اهتمامه بات يتجه إلى "مكة والمدينة أكثر من عدن".