قال البروفيسور أمير كريفوي إن المجتمع الإسرائيلي تعرض لضغوط نفسية متراكمة منذ عام 2020، بدءاً من جائحة كورونا والخلافات الداخلية بشأن الإصلاحات القضائية، وصولاً إلى هجمات 7 أكتوبر، والحرب في غزة، والهجمات الصاروخية الإيرانية.
تواجه إسرائيل أزمة متفاقمة في الصحة النفسية منذ هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحرب التي أعقبتها، وسط ارتفاع حالات الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة، وضغوط على منظومة العلاج التي تعاني نقص التمويل والكوادر وطول فترات الانتظار.
ووفقاً لتقديرات صناديق التأمين الصحي العامة الأربعة في إسرائيل، أصيب نحو 60 ألف شخص باضطراب ما بعد الصدمة السريري بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وديسمبر/كانون الأول 2025.
وتكشف هذه الأرقام عن اتساع التداعيات النفسية للحرب، التي لم تقتصر على الناجين من الهجمات والمناطق الحدودية.
ضغط متراكم منذ جائحة كورونا
قال البروفيسور أمير كريفوي، من مركز "غيها" للصحة النفسية، إن المجتمع الإسرائيلي تعرض لضغوط نفسية متراكمة منذ عام 2020، بدءاً من جائحة كورونا والخلافات الداخلية بشأن الإصلاحات القضائية، وصولاً إلى هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول، والحرب في غزة، والهجمات الصاروخية الإيرانية.
وأوضح أن هذه الأحداث تسببت في ضغوط حادة ومزمنة، مشيراً إلى أن المجتمع كان يعاني بالفعل هشاشة نفسية قبل هجمات أكتوبر، وهو ما فاقم آثار الصدمة اللاحقة.
وبحسب الأرقام، سجل السكان الذين أُجلوا من منازلهم ارتفاعاً في مستويات الضيق النفسي بلغ عشرة أضعاف مقارنة بمن بقوا في منازلهم. كما رصد اختصاصيو الصحة النفسية ارتفاعاً غير مسبوق في حالات اضطراب كرب ما بعد الصدمة بين الأطفال والمراهقين.
واستعاد كريفوي تجربته في إدارة عيادة بمدينة سديروت جنوبي إسرائيل، حيث قال إن 90% من السكان لم يتمكنوا من النوم ليلاً خوفاً من هجمات جديدة. وأضاف أن بعضهم ظل يتجنب مغادرة المنزل حتى بعد مرور عامين على الهجمات، خشية التعرض للخطر.
وحذر من أن آثار الصدمة قد تستمر خلال السنوات المقبلة إذا لم يحصل المتضررون على العلاج والمتابعة اللازمين، مؤكداً أهمية اكتشاف الاضطرابات النفسية مبكراً والتدخل قبل تفاقمها.
الأطفال
يواجه الأطفال صعوبات نفسية وسلوكية مرتبطة بتجارب الحرب وفقدان أفراد من أسرهم أو اضطرارهم إلى النزوح والعيش في أماكن مؤقتة.
وقالت نوفار بار ليبشاتز، اختصاصية علم نفس النمو في إحدى عيادات "كلاليت" بمدينة بيت شان، إن الأطفال ما زالوا يعيشون في واقع يتسم بالخوف وانعدام الشعور بالأمان، حتى بعد ابتعادهم عن مناطق القتال.
وأوضحت أن فرقاً من المعالجين النفسيين عملت مع عائلات أُجليت إلى مدينة إيلات، حيث ساعدت الأطفال على التعبير عن تجاربهم ومخاوفهم من خلال اللعب والأنشطة النفسية.
وأضافت أن بعض الأطفال قد يواجهون كوابيس أو سلوكاً عدوانياً أو ميلاً إلى الانعزال، فيما قد تظهر لدى آخرين مخاوف من الاختطاف أو فقدان أحد الوالدين. كما رصد اختصاصيون حالات تلعثم لدى أطفال تأثروا بالأحداث.
وشددت بار ليبشاتز على أهمية تقديم تفسيرات صادقة للأطفال بشأن ما يحدث، بدلاً من الاكتفاء بطمأنتهم بأن كل شيء على ما يرام، لافتة إلى أنهم يستطيعون ملاحظة التوتر والخوف لدى آبائهم حتى عندما يتجنب هؤلاء الحديث عن الأحداث.
ارتفاع الاكتئاب والقلق
قال البروفيسور ران باليسر، مؤسس ومدير معهد الأبحاث التابع لـ«كلاليت»، إن إصلاح خدمات الصحة النفسية أُدرج ضمن سلة الخدمات التي تمولها صناديق التأمين الصحي عام 2015، قبل أن تضيف جائحة كورونا ثم الحرب أعباء كبيرة على المنظومة.
وأشار إلى أن الصناديق واجهت نقصاً في التمويل والموظفين، إلى جانب فترات انتظار طويلة، ما دفع «كلاليت» إلى توسيع برامج التدخل المبكر وإعادة تدريب أطباء الرعاية الأولية للمساعدة في التعامل مع المشكلات النفسية.
وأظهرت دراسة وطنية، شملت 2500 مشارك، أن نسبة المصابين بالاكتئاب بلغت 34% في يناير/كانون الثاني 2024، بينما وصلت نسبة الذين يعانون القلق إلى 27%، واضطراب كرب ما بعد الصدمة إلى 32%.
وبحسب الأرقام التي عرضها باليسر، تراجعت هذه النسب لاحقاً إلى 20% لكل من القلق واضطراب كرب ما بعد الصدمة، فيما ظل الاكتئاب عند مستويات مرتفعة سريرياً. وأشار أيضاً إلى أن واحداً من كل خمسة بالغين لا يزال يعاني تراجعاً شديداً في قدرته على أداء مهامه اليومية.
وقال إن المؤسسة تتابع علاج نحو 1500 شخص أسبوعياً ضمن جهود المتابعة الاستباقية، في وقت يسعى فيه العاملون إلى الوصول إلى أشخاص لم يطلبوا المساعدة رغم معاناتهم.