عمّقت أعمال العنف والنهب التي شهدتها فرنسا السبت عزلة الرئيس إيمانويل ماكرون السياسية، وأثارت تساؤلات بشأن حدود سلطته الفعلية وقدرته على قيادة البلاد.
مع تبقي بضعة أشهر فقط على انتهاء ولايته الرئاسية، يواجه ماكرون تصاعداً في الاضطرابات الاجتماعية والانتقادات السياسية، وسط مخاوف من أن تلقي هذه التطورات بظلالها على إرثه السياسي.
فبعدما تحولت تظاهرات طلابية احتجاجاً على الأوضاع المعيشية إلى أعمال عنف السبت الماضي، تعرّض الرئيس الفرنسي لموجة واسعة من الانتقادات من مختلف الأطياف السياسية، على خلفية تعامله مع الوضع الأمني واستجابته للشكاوى المتعلقة بالتعليم وغلاء المعيشة والتضخم.
وتأتي هذه الاضطرابات في وقت تواجه فيه فرنسا تحديات متزايدة، أبرزها ارتفاع الدين العام إلى مستويات قياسية، والزيادة الحادة في أسعار الوقود، إلى جانب تصاعد النزاعات الدولية.
وفي مؤشر إلى احتمال استمرار الاحتجاجات، أعلنت حركة "السترات الصفراء"، التي ساهمت في تنسيق التظاهرات، الاثنين، بدء "الفصل الثاني" من تحركاتها، داعية إلى تنظيم مزيد من الاحتجاجات نهاية الأسبوع المقبل.
وفي خطاب وجّهه إلى الأمة، ندد ماكرون بأعمال العنف، معلناً اتخاذ إجراءات جديدة لقوات الأمن. وفي موازاة ذلك، أفادت نيابة باريس بتوقيف 855 شخصاً على خلفية التظاهرات، احتُجز 557 منهم لدى الشرطة، بينهم 433 بالغاً، أي ما يعادل 78% من المحتجزين.
وقال ماكرون: "عند مشاهدة هذه الصور، تساءلنا جميعاً: ماذا كان يدور في أذهانهم؟ كيف يمكن لفرنسيين أن يفعلوا هذا بفرنسا؟ لا شيء يبرره، ولا شيء يفسره، ولا شيء يعذره. الليلة نشعر جميعاً بالغضب والخزي".
ومن المرجح أن تفاقم هذه الأزمة الضغوط السياسية على الرئيس الفرنسي، لا سيما أن 82% من المشاركين في استطلاع أجراه معهد "إيبسوس-بيفا" في تشرين الأول/أكتوبر أعربوا عن تقييم سلبي لأدائه.
وتتزامن هذه التطورات مع جولة دبلوماسية يجريها ماكرون في منطقة الخليج، تقول الرئاسة الفرنسية إنها تهدف إلى تأمين إمدادات الطاقة في ظل ارتفاع الأسعار، غير أن قراره مغادرة باريس في ذروة الأزمة أثار موجة من الانتقادات، إذ اتهمه البعض بمحاولة الهروب من المواجهة.
لوبان تستثمر الفوضى السياسية
في مختلف الأوساط السياسية، اعتبر عدد من المرشحين المحتملين للانتخابات الرئاسية أن ماكرون "فقد هيبته"، وأن استجابته للأحداث جاءت متأخرة.
وفي هذا السياق، قال جوردان بارديلا، رئيس حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف، الذي يتصدر استطلاعات نوايا التصويت قبيل الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2027: "نشعر أن الحكومة تتهاوى من تلقاء نفسها، وأنها غارقة بالكامل".
وخلال مؤتمر صحافي عقده في مقر الحزب، الاثنين، تعهّد بارديلا باتخاذ إجراءات صارمة لاستعادة النظام في حال وصول "التجمع الوطني" إلى السلطة، مضيفاً: "فرنسا عالقة بين العجز والعنف".
وتُظهر استطلاعات الرأي تقدّم مارين لوبان على جميع منافسيها المحتملين في السباق الرئاسي لعام 2027، بعدما سبق لها أن واجهت ماكرون في الجولة الثانية من انتخابات عامي 2017 و2022، وخسرت أمامه في المرتين.
وعقب أعمال النهب، اعتبرت لوبان أن فرنسا "خُرّبت" على يد "تحالف من المجرمين القادمين من الضواحي ومثيري الشغب المحترفين المسيّسين".
ومن المتوقع أن تركز لوبان حملتها الانتخابية على ملفي الهجرة والنظام العام، اللذين يشكلان تقليدياً محورين أساسيين بالنسبة إلى ناخبي اليمين المتطرف، مع منح اهتمام أقل لقضايا السياسة الخارجية، مثل الحرب في أوكرانيا والتوترات الجيوسياسية الأوسع.
انتقادات من "حلفاء الأمس"
يواجه ماكرون انتقادات من حلفائه السابقين أيضاً، أبرزهم رئيسا الوزراء السابقان إدوار فيليب وغابرييل أتال، اللذان يستعدان بدورهما لخوض الانتخابات الرئاسية عام 2027، ويسعى كلاهما إلى النأي بنفسه عن الرئيس الفرنسي وإرثه السياسي.
وفي هذا السياق، كتب فيليب عبر منصة "إكس": "مثل ملايين الفرنسيين، كنت أفضل لو رأيت قرارات ومبادرات تهدف إلى استعادة النظام".
أما أتال، فدعا الدولة إلى تسخير جميع الوسائل "لضمان تحقيق العدالة"، بما في ذلك استخدام تقنيات التعرّف على الوجوه بالذكاء الاصطناعي، ونشر الجيش "إذا لزم الأمر". في المقابل، اكتفى ماكرون، الأحد، بمطالبة السلطات المحلية بالتنسيق مع الشرطة، من دون الإعلان عن تعزيزات أمنية إضافية.
وامتدت الانتقادات إلى قوى اليسار الفرنسي، التي تعاني انقسامات وتوترات داخلية، إذ اتهمت الحكومة بالعجز عن حماية المواطنين.
وفي مقابلة مع إذاعة "RTL"، قال رافائيل غلوكسمان، النائب الفرنسي في البرلمان الأوروبي والمرشح الاجتماعي الديمقراطي المحتمل لانتخابات 2027: "هذه سابقة في خطورتها. شعرت أن فرنسا كانت تتفكك، وأن الجمهورية تتلاشى، وأن الدولة لم تعد موجودة".
بدوره، وصف برونو ريتايو، المرشح الرئاسي عن حزب "الجمهوريون" المحافظ، ماكرون بأنه "تائه بالكامل، عاجز عن استخدام كل قوة الدولة في مواجهة الفوضى التي تهدد الجمهورية"، مستشهداً بالحريق الذي اندلع في مبنى بلدية ليموج، وأعمال التخريب التي طالت مبنى بلدية مارسيليا.
وفي ظل تصاعد الانتقادات، أقرّ عدد من كبار المسؤولين الحكوميين بوجود ثغرات في طريقة التعامل مع الأحداث.
إخفاقات أمنية وأزمة ثقة
اعترف وزير الداخلية لوران نونييز، الاثنين، بوجود "قصور في الاستعداد المسبق" للتعامل مع الأحداث الأمنية، كاشفاً أنه عرض استقالته على ماكرون، "لأنني شعرت أنني مسؤول عن كل ما حدث"، إلا أن الرئيس الفرنسي رفضها.
من جهته، أقرّ وزير العدل جيرالد دارمانان بأن السلطات "فشلت بلا شك" في طريقة استجابتها للأحداث، مشيراً إلى وجود "نواقص في جمع المعلومات الاستخباراتية".
وفي خضم هذه الأزمة، يجد ماكرون نفسه أمام تراجع الدعم من حلفائه السابقين، إذ يحمّل بعضهم قراره حل الجمعية الوطنية في حزيران/يونيو 2024 جزءاً من مسؤولية الفوضى السياسية الراهنة. فقد أدخلت تلك الخطوة فرنسا في مرحلة من عدم اليقين السياسي، وجعلت الحكومات المتعاقبة عرضة لتهديدات متكررة بحجب الثقة.
وبعيداً عن تداعيات الأزمة الأمنية الحالية، يرى محللون أن ماكرون خسر تأييد شريحة واسعة من الشباب الذين ساهموا في وصوله إلى السلطة عام 2017.
وفي هذا الإطار، انتقد بعض المحتجين إصلاحات التعليم الثانوي التي أقرّها عام 2018، معتبرين أن التغييرات التي طالت تنظيم المواد التخصصية أدت إلى إطالة اليوم الدراسي.
وفي مقال رأي حديث، وصفت صحيفة "لوموند" (Le Monde) علاقة ماكرون بالشباب بأنها "إخفاق سياسي كبير"، مشيرة إلى أوجه التشابه بين الأزمة الراهنة واحتجاجات "السترات الصفراء" التي اندلعت في كانون الأول/ديسمبر 2018، على وقع موجة غضب واسعة بسبب تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
وخلص المقال إلى أن "إعادة إرساء النظام العام شرط أساسي لبدء المفاوضات التي وُعد بها الأحد مع جميع الأطراف المعنية، وبالتالي استئناف حوار اجتماعي انقطع منذ فترة طويلة".