لوّحت طهران بإمكانية استهداف كابلات الإنترنت ومنشآت الذكاء الاصطناعي المرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة، في حال تعرّضها لهجوم جديد، محذّرة من تداعيات محتملة على الاتصالات والاقتصاد الرقمي.
وضع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، اللواء محسن رضائي، كابلات الإنترنت ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي ضمن نطاق تحذير إيراني من تداعيات أي هجوم أميركي جديد، ملوّحًا باستهداف بنية تحتية تكنولوجية مرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة، قال إن قيمتها تتجاوز تريليوني دولار.
ويطال هذا التحذير منشآت وشبكات تقوم عليها خدمات الاتصالات والحوسبة السحابية وتبادل البيانات، وتستند إليها قطاعات اقتصادية ومالية واسعة. وفي هذا السياق، تناولت وكالة "مهر" الإيرانية أهمية هذه البنى التحتية لدول الخليج، موضحة أن تضررها قد يخلّف تداعيات تتجاوز حدود الدولة التي يقع فيها الضرر، في ظل ترابط شبكات الاتصال والخدمات الرقمية.
رضائي: لم نُدرج هذه الأصول بعد ضمن أهدافنا
وقال رضائي، في مقابلة مع قناة "برس تي في"، إن الولايات المتحدة وضعت أصولًا تكنولوجية قيّمة في غرب آسيا، تشمل مراكز بيانات ومنشآت للذكاء الاصطناعي، مضيفًا: "نبض الاقتصاد الأميركي في هذه المنطقة يمر عبر منطقتنا من العالم".
وربط رضائي تهديده بتجدد الحرب، قائلًا: "لم نُدرج هذه الأصول بعد ضمن أهدافنا. لكن إذا اندلعت الحرب، فسيُدمَّر العديد من هذه الكابلات ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي والعديد من المواقع الأخرى".
وبحسب ما نقلته "برس تي في"، حذّر رضائي من أن بنية تحتية تكنولوجية مرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة، تزيد قيمتها على تريليوني دولار، قد تُستهدف إذا تعرّضت إيران للهجوم مجددًا.
وأكد كذلك استعداد طهران لإدخال قدرات عسكرية إضافية في حال استئناف الحرب، وقال: "نحن اليوم مستعدون تمامًا لإدخال قدرات جديدة إذا بدأت الحرب مجددًا".
كابلات الإنترنت.. بنية خفية تحمل خدمات يومية
وفي شرحها لأهمية هذه الشبكات، أوضحت وكالة "مهر" أن جزءًا كبيرًا من اتصالات الإنترنت الدولية يمر عبر كابلات ألياف ضوئية تُمدّ في قاع البحار والمحيطات، وتنقل البيانات لمسافات طويلة باستخدام نبضات ضوئية.
وتعتمد على قدرة هذه الشبكات، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، خدمات المراسلة ومكالمات الفيديو وتبادل المعلومات بين الشركات والخدمات السحابية، فضلًا عن العديد من المعاملات المالية الدولية.
ولفتت الوكالة إلى أن الإنترنت لا يقوم على الشبكات اللاسلكية أو الاتصالات الفضائية وحدها، بل يعتمد الجزء الأكبر من نقل البيانات عالميًا على الشبكات الأرضية والألياف الضوئية، فيما تؤدي الكابلات البحرية دورًا أساسيًا في الربط بين القارات، بفضل سعتها العالية وقدرتها على نقل كميات هائلة من البيانات.
وبحسب "مهر"، تكتسب مسارات البيانات في الخليج أهمية خاصة بحكم موقع المنطقة الذي يربط آسيا وأوروبا ومراكز اقتصادية أخرى. لكنها شددت على أن مسارات الكابلات ودرجة الاعتماد عليها تختلف من دولة إلى أخرى، ولذلك لا يصح افتراض أن جميع شبكات المنطقة تعتمد على مسار واحد موحّد.
هل يعني تضرر الكابلات انقطاع الإنترنت؟
أوضحت "مهر" أن تضرر كابل بحري لا يعني بالضرورة انقطاع الإنترنت بالكامل داخل دولة ما أو على مستوى العالم، إذ تتكون شبكات الاتصالات عادة من مسارات متعددة، ويمكن إعادة توجيه بعض حركة البيانات إذا توفرت سعة بديلة.
لكن هذه البدائل لا تلغي التداعيات المحتملة. فإذا تضررت مسارات عدة بالتزامن، أو لم تكفِ سعة المسارات المتاحة لاستيعاب البيانات، فقد تنخفض السرعات ويرتفع زمن الاستجابة وتتعطل بعض الخدمات.
وتتوقف شدة الاضطراب، وفق الوكالة، على موقع الضرر وعدد الكابلات المتأثرة وحجم حركة البيانات وقدرة الشبكات البديلة. وقد تنعكس هذه العوامل على شركات الاتصالات ومزودي الإنترنت والمؤسسات المالية والشركات التي تعتمد على التبادل السريع للمعلومات، عبر ارتفاع التكاليف أو تراجع جودة الخدمات.
كما أن إصلاح الكابلات البحرية قد يستغرق وقتًا، إذ يتطلب تحديد موقع الضرر وإرسال سفن متخصصة وتنفيذ أعمال تتأثر بالظروف التقنية والبيئية. وتزداد صعوبة استعادة التشغيل الطبيعي عند وقوع أضرار واسعة أو متزامنة عبر مسارات متعددة.
الذكاء الاصطناعي يعتمد على الكهرباء والاتصال أيضًا
وتتسع أهمية التحذير مع دخول مراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي في نطاقه. وذكرت "مهر" أن دول الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات، استثمرت بكثافة في الاقتصاد الرقمي والخدمات السحابية والذكاء الاصطناعي، ضمن خطط لتنويع اقتصاداتها وتقليل اعتمادها على عائدات الطاقة التقليدية والتحول إلى مراكز تكنولوجية عالمية.
وتخزّن مراكز البيانات كميات ضخمة من المعلومات وتعالجها، وتدعم خدمات تتراوح بين استضافة المواقع والأنظمة المالية وإجراء العمليات الحسابية المعقدة للذكاء الاصطناعي. ويتطلب تشغيلها المستقر كهرباء موثوقة وأنظمة تبريد واتصالات عالية السرعة ومعدات متخصصة.
وأشارت الوكالة إلى أن تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة وتشغيلها يتطلبان، إلى جانب قدرات الحوسبة الكبيرة، بنية تحتية للطاقة ونقل البيانات. كما أن الاتصال بين مراكز البيانات والشبكات السحابية والمستخدمين يشكّل جزءًا أساسيًا من تقديم الخدمات، ما يجعل اضطراب الاتصالات أو إمدادات الطاقة عاملًا قد يرفع تكاليف التشغيل ويؤخر خطط التطوير.
ومع ذلك، شددت "مهر" على أن تعطل كابلات الإنترنت لا يعني تلقائيًا توقف مراكز الذكاء الاصطناعي، إذ قد تعتمد هذه المنشآت على مسارات اتصال متنوعة وأنظمة احتياطية ومصادر طاقة للطوارئ. وتختلف درجة تأثرها بحسب تصميمها وتوزيعها الجغرافي ومستوى حمايتها وقدرتها على نقل أعباء المعالجة إلى مواقع أخرى.
تداعيات تتجاوز قطاع التكنولوجيا
وبحسب تحليل "مهر"، فإن امتداد الصراع إلى البنية التحتية الرقمية قد ينعكس على الخدمات المالية والتجارة الإلكترونية والنقل واتصالات الشركات والخدمات العامة، خصوصًا لدى المؤسسات التي تعتمد على الحوسبة السحابية والاتصالات العابرة للحدود.
وتكتسب هذه المخاطر أهمية إضافية بالنسبة إلى دول تسعى لجذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز مكانتها في الاقتصاد الرقمي، إذ تربط الوكالة بين حماية الكابلات ومراكز البيانات، وتوفير المسارات الاحتياطية، وقدرة الاقتصادات على الصمود في الأزمات.
رضائي: قوى أعظم من أميركا انتهت في "مزبلة التاريخ"
وفي حديثه عن مسار المواجهة مع واشنطن، أكد رضائي أن قوى أعظم من الولايات المتحدة حاولت غزو إيران، لكنها انتهت في "مزبلة التاريخ"، معتبرًا أن واشنطن ستلقى المصير نفسه.
وأضاف أن "الولايات المتحدة مُنيت بهزائم متكررة في مواجهتها مع إيران، ولذلك لجأت إلى الحرب الاقتصادية بدافع اليأس"، مشددًا على أن إيران هي التي ستحدد موعد انتهاء المواجهة، وأنها ستواصل مقاومتها حتى تلبية مطالبها المشروعة.
ورأى أن انسحاب القوات الأميركية من العراق يعكس فشل واشنطن في فرض أجندتها العسكرية على المنطقة، ويثبت صواب مقاومة إيران للوجود العسكري الأميركي في غرب آسيا.
وأشار كذلك إلى أن أكثر من 30 مليون إيراني سجلوا أسماءهم في حملة "جانفدا"، أي التضحية من أجل إيران، لحمل السلاح في حال وقوع حرب جديدة.
سبعة شروط لواشنطن وتغيير في النهج الدبلوماسي
وبشأن آفاق إنهاء الحرب، أكد رضائي أن إيران ستواصل الدبلوماسية، لكنها لن تعود إلى إطارها التفاوضي السابق، قائلًا: "لن نعود إلى النهج الدبلوماسي الذي اتبعناه في الماضي"، في إشارة إلى ثلاث جولات من المفاوضات ذكر أنها انتهت بتخلّي الولايات المتحدة عن المحادثات ومهاجمة إيران.
وأضاف: "بالطبع، لم نتخلَّ قط عن الدبلوماسية، ولن نتخلى عنها أبدًا. لكننا غيّرنا نهجنا".
وأوضح أن طهران قدمت إلى واشنطن سبعة شروط عقب اتصالات عبر باكستان وقطر والعراق، وأن الولايات المتحدة ردّت على المقترحات، فقبلت بعض الشروط، فيما أبقت شروطًا أخرى غير واضحة.
ووصف الرد الأميركي بأنه غير كافٍ، معتبرًا أن على واشنطن توضيح المسائل العالقة قبل اتخاذ خطوات إضافية، ومؤكدًا: "لسنا بصدد الرد على الأميركيين. هم ردّوا علينا، ونحن نعتبر ردّهم غير كافٍ".
تمسّك بإدارة مضيق هرمز
وفي ملف مضيق هرمز، اعتبر رضائي أن واشنطن وحلفاءها الإقليميين هم أصل المشكلة المحيطة بالممر المائي، مؤكدًا أن طهران ستحتفظ بالسيطرة على إدارته.
ووصف السيطرة الإيرانية على المضيق بأنها "ثروة وطنية هائلة وأصل وطني رئيسي"، موضحًا أن مصالح إيران تتجاوز تحصيل رسوم من السفن العابرة.
وأشار إلى إمكان تحقيق منافع اقتصادية من فرض رسوم مقابل الأمن والتأمين وحماية البيئة، لكنه شدد على أن القيمة الاستراتيجية الأوسع للمضيق تكمن في ضمان الأمن في المنطقة.
وفي هذا السياق، أكد: "لذلك، سنحافظ من الآن فصاعدًا على السيطرة على إدارة مضيق هرمز. وسيبقى تحت إدارتنا لضمان السلام والأمن في المنطقة. ولن نتراجع عن هذه المسألة".
ورفض رضائي المزاعم الأميركية بأن المضيق مفتوح، موضحًا أن بعض السفن تعمل عبر شبكات تهريب، وأن حركة الملاحة لا تزال أدنى بكثير من مستويات ما قبل الحرب.
وأضاف أن القوات الإيرانية كانت تضرب خمس أو ست سفن منخرطة في هذه العمليات في الليلة الواحدة خلال الشهرين أو الأشهر الثلاثة الماضية.
ولفت إلى أن القيود على الشحن أثّرت في حركة النفط والغاز والهيليوم والأسمدة، وأسهمت في ارتفاع أسعار الطاقة والضغوط الاقتصادية، مذكّرًا بأن المضيق كان مفتوحًا قبل الحرب، وكانت الملاحة تجري دون هذه الاضطرابات.