أسفر هجوم شنّه الحوثيون المدعومون من إيران، الاثنين، بثلاثة صواريخ باليستية على معسكر تابع للقوات الحكومية في اليمن، عن مقتل 30 شخصاً وإصابة 70 آخرين على الأقل، في واحدة من أكثر الهجمات دموية منذ تجدّد المواجهات العسكرية في البلاد.
ونقلت وكالة "فرانس برس" عن مصدرين عسكريين أن القصف استهدف معسكر "العَلم" في محافظة شبوة الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية.
وأكد الناطق الرسمي باسم القوات اليمنية، ماجد النزيلي، عبر منصة إكس، أن الحوثيين أطلقوا ثلاثة صواريخ باليستية على مركز مخصص لتدريب عناصر الأجهزة الأمنية والشرطية.
ويقع المعسكر في مديرية جردان شمال مدينة عتق، عاصمة المحافظة الغنية بالنفط والغاز، بالقرب من المناطق الحدودية مع مأرب وحضرموت. ويتمتع بموقع استراتيجي على طريق يؤدي إلى محافظة مأرب الخاضعة لسيطرة الحكومة، ويمر عبر خطوط إمداد حيوية للقوات الحكومية.
وبحسب مسؤول عسكري تحدث لوكالة "أسوشيتد برس"، فإن الهجوم استهدف عناصر قوة حديثة التشكيل تُعرف باسم "التدخل السريع"، وتتولى مهمة الدفاع عن المنطقة.
من جهته، أوضح رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أن القتلى كانوا مجندين جدداً قدموا من مناطق مختلفة من البلاد. ونقلت وكالة الأنباء الحكومية عن العليمي إدانته استهداف المجندين، معتبراً أن الحوثيين يلجأون إلى هجمات وصفها بـ"الإرهابية والجبانة" كلما تعرضوا لضغوط أو أُحبطت مخططاتهم التي اتهم إيران بدعمها.
كما وجّه السلطات المختصة لاتخاذ الإجراءات اللازمة للرد على المسؤولين عن الهجوم.
وفي المقابل، نقلت وكالة "سبأ" التابعة للحوثيين عن مصدر عسكري قوله إن الجماعة استهدفت ما وصفه بـ"تحشيدات العدو السعودي في معسكر العلم شرقي الجوف"، معلنة سقوط عشرات القتلى والجرحى.
مخاوف من هجوم برّي
أثار القصف مخاوف لدى القوات الحكومية من أن يكون مقدمة لهجوم برّي واسع على محافظة شبوة، على غرار ما شهدته منطقة المخا خلال المواجهات الأخيرة.
ونقلت "فرانس برس" عن مصدر عسكري حكومي في المحافظة تحذيره من احتمال أن تمهّد الضربات الصاروخية لتحرك ميداني جديد للحوثيين.
وتعززت هذه المخاوف بعدما قطع الحوثيون، الأحد، الطريق الرابط بين محافظة شبوة ومحافظة البيضاء الواقعة تحت سيطرتهم. وأكد سكان محليون للوكالة الفرنسية أنهم مُنعوا من المرور عبر هذا الطريق.
ويأتي استهداف شبوة بعد سلسلة هجمات شنّها الحوثيون على مواقع في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية، شملت مطار عدن وقصر معاشيق الرئاسي في المدينة التي تتخذها الحكومة المعترف بها دولياً عاصمة مؤقتة.
وأسفر الهجوم بالصواريخ والطائرات المسيّرة على القصر عن مقتل خمسة من عناصر الأمن.
تصعيد حوثي - سعودي
خلال الأسابيع الماضية، استأنف الحوثيون هجماتهم على السعودية على خلفية دعمها الحكومة اليمنية، وكثّفوا استهداف المطارات والمنشآت النفطية والعسكرية بالصواريخ والطائرات المسيّرة. وأدت هذه الضربات إلى اضطراب حركة آلاف الرحلات الجوية ومقتل 19 شخصاً.
كما طالت الهجمات المقر الرئيسي لشركة النفط السعودية العملاقة "أرامكو"، في ضربة استهدفت قطاع الطاقة في أكبر دولة مصدّرة للنفط في العالم، وسط تصاعد المخاوف من امتداد تداعيات المواجهات إلى المنشآت الحيوية في المنطقة.
وعلى الأرض، تمكن الحوثيون مؤخراً من السيطرة على مزيد من المناطق الممتدة على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، وبالقرب من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية، والذي تزايدت أهميته الاستراتيجية في ظل الاضطرابات التي يشهدها مضيق هرمز.
وفي المقابل، أطلق التحالف الذي تقوده السعودية، خلال تشرين الأول/أكتوبر الجاري، عملية عسكرية واسعة لاستعادة المناطق التي سيطر عليها الحوثيون وإبعادهم عن المواقع الاستراتيجية القريبة من المضيق. وحققت القوات الحكومية تقدماً ميدانياً في بعض تلك المناطق، فيما تتواصل المواجهات بين الطرفين.
أزمة إنسانية متفاقمة
يعيد التصعيد الحالي اليمن إلى دوامة المواجهات الواسعة، بعد سنوات من التهدئة النسبية التي أعقبت اتفاق وقف إطلاق النار عام 2022، والذي أسهم في الحد من القتال قبل أن تنهار التهدئة خلال العام الجاري.
وتعود جذور الحرب الأهلية إلى عام 2014، عندما سيطر الحوثيون على العاصمة صنعاء، ما دفع الحكومة المعترف بها دولياً إلى الانتقال جنوباً. وفي العام التالي، تدخل تحالف عسكري بقيادة السعودية، لتدخل البلاد في سنوات من القتال الذي خلّف خسائر بشرية ودماراً واسعاً.
ومع تجدّد العمليات العسكرية، تتصاعد أيضاً حصيلة الضحايا المدنيين. فقد أعلنت وزارة الصحة التابعة للحوثيين أن غارة جوية نُسبت إلى القوات التي تقودها السعودية أسفرت، الأحد، عن مقتل تسعة أشخاص على الأقل، بينهم خمسة أطفال وامرأتان، في محافظة صعدة شمالي البلاد.
وبحسب الجماعة، جاءت هذه الضربة ضمن سلسلة غارات شهدتها مناطق خاضعة لسيطرتها خلال عطلة نهاية الأسبوع، وأسفرت عن سقوط أكثر من 30 شخصاً بين قتيل وجريح.
ويثير اتساع رقعة القتال مخاوف متزايدة من تفاقم الوضع الإنساني في اليمن، الذي يعاني بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. وتحذر منظمات الإغاثة من التدهور السريع للأوضاع في مختلف أنحاء البلاد، في وقت تهدد فيه المواجهات المتجددة بمضاعفة معاناة السكان الذين أنهكتهم سنوات الحرب والنزوح.