هدّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الثلاثاء، بشن ضربات واسعة على الضاحية الجنوبية لبيروت وإخلائها، محذّراً من توسيع السيطرة الإسرائيلية على جنوب لبنان لتشمل مناطق في النبطية ومحيط نهر الليطاني، إذا شارك حزب الله في أي هجوم إيراني ضد إسرائيل.
في منشور عبر منصة "إكس"، عرض الوزير الإسرائيلي ما وصفه بإنجازات العمليات العسكرية في لبنان، مشيراً إلى إقامة منطقة أمنية داخل الأراضي اللبنانية تمتد على مساحة 700 كيلومتر مربع، من الساحل غرباً إلى قلعة الشقيف ومرتفعات علي الطاهر وأطراف جبل الشيخ شرقاً، بهدف منع عمليات التسلل وإطلاق النار المباشر باتجاه البلدات الإسرائيلية الشمالية.
واعتبر كاتس أن هذه الإجراءات وفرت "أمناً غير مسبوق" لسكان شمال إسرائيل، مؤكداً أن بقاء القوات الإسرائيلية في المنطقة يندرج ضمن عقيدة أمنية جديدة يقودها بالتعاون مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والجيش. وشدد على أن الانسحاب منها مشروط بنزع سلاح حزب الله في جميع أنحاء لبنان وإزالة التهديدات التي تقول تل أبيب إنها تستهدف بلداتها الشمالية.
وقال كاتس إن العمليات الإسرائيلية أدت إلى إخلاء نحو 200 ألف من السكان الشيعة من المنطقة الواقعة حتى ما وصفه بـ"الخط الأصفر"، مشيراً إلى أن الجيش يواصل تدمير البنى العسكرية التابعة لحزب الله فوق الأرض وتحتها، بما في ذلك أنفاق قال إنها أُنشئت لتنفيذ هجمات باتجاه الجليل.
وأشار إلى أن الجيش الإسرائيلي هدم، في إطار عملية أطلق عليها اسم "المحراث الفضي"، أكثر من 60 قرية لبنانية، بما يشمل نحو 23 ألف منزل، زاعماً أن هذه المباني كانت تُستخدم مواقع لحزب الله وتشكل تهديداً أمنياً لإسرائيل.
ووصف الوزير الإسرائيلي الوضع القائم في الجنوب بأنه غير مسبوق، حتى مقارنة بالمناطق الأمنية التي أقامتها إسرائيل خلال مراحل سابقة، مشدداً على أن الهدف هو الإبقاء على منطقة خالية من السكان والمنازل والبنى العسكرية التابعة للحزب.
وتأتي هذه التصريحات في وقت لا يزال فيه مئات آلاف اللبنانيين بعيدين عن منازلهم جراء الحروب المتعاقبة، ويتجاوز عدد النازحين الذين لم يتمكنوا من العودة إلى مناطقهم 500 ألف شخص، بينهم مئات الآلاف من سكان الجنوب.
ويُسيطر الجيش الإسرائيلي بالفعل على مساحات واسعة من جنوب لبنان، يصل عمق بعضها إلى نحو عشرة كيلومترات من الحدود، في إطار مساعيه لإبعاد مواقع إطلاق الصواريخ المضادة للدروع التابعة لحزب الله عن البلدات الإسرائيلية، وفق ما يزعم.
تهديد الضاحية الجنوبية
توعّد كاتس بتوجيه ضربات قوية إلى الضاحية الجنوبية لبيروت رداً على أي إطلاق للنار أو إرسال مسيّرات باتجاه المدن والتجمعات السكنية الإسرائيلية، مؤكداً أن إسرائيل ستتعامل مع الضاحية وفق المعادلة الأمنية نفسها التي تعتمدها لحماية بلدات أفيفيم ومسغاف عام وكريات شمونة، القريبة من الحدود اللبنانية.
كما حذّر من أن أي مواجهة جديدة يشارك فيها حزب الله إلى جانب إيران ستؤدي إلى إخلاء الضاحية مجدداً، ودفع السكان الشيعة في مناطق واسعة من الجنوب إلى النزوح شمالاً، وصولاً إلى ما وراء نهري الزهراني والأولي، مقدّراً أن التصعيد قد يتسبب بتهجير أكثر من مليون شخص في لبنان.
ووجّه كاتس تهديدات مباشرة إلى الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، محمّلاً قيادة الحزب مسؤولية ما قد يترتب على أي تصعيد، وقال إن الأمين العام السابق حسن نصر الله "دمّر الطائفة الشيعية في لبنان" قبل اغتياله، محذراً من أن قاسم قد يقودها إلى مصير مماثل، قبل أن يلقى المصير نفسه.
ماذا وراء تهديد النبطية؟
تُعدّ هذه المرة الأولى منذ أشهر التي يلوّح فيها مسؤول إسرائيلي صراحة بالسيطرة على مدينة النبطية، التي تحتل موقعاً مهماً في الحسابات العسكرية الإسرائيلية.
ووفقاً لصحيفة "جيروزاليم بوست"، كان الجيش الإسرائيلي يسعى إلى التقدم نحو المدينة خلال العمليات العسكرية السابقة، باعتبارها أحد أبرز مراكز القيادة المتبقية لحزب الله في جنوب لبنان، غير أن دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ حال دون تحقيق هذا الهدف.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين عسكريين إسرائيليين أنهم أعربوا عن استيائهم من توقف العمليات قبل السيطرة على النبطية، ما دفع الجيش إلى الاكتفاء بالتمركز في عدد من المواقع الاستراتيجية والطرق المؤدية إليها، بهدف الحد من قدرة حزب الله على الاستفادة من أهميتها العسكرية في الجنوب.
ورغم أن كاتس ربط احتمال التوسع البري بمشاركة حزب الله في أي هجوم إيراني على إسرائيل، فإن الصحيفة لفتت إلى أن تهديدات مماثلة أطلقها مسؤولون إسرائيليون خلال السنوات الماضية، تبعتها في بعض الحالات عمليات عسكرية أوسع.
ومع ذلك، أشارت إلى أن العديد من التصريحات التصعيدية الأخيرة قد يكون موجهاً للاستهلاك السياسي الداخلي، في ظل الحملة الانتخابية التي تسبق الانتخابات المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر، خصوصاً أن معظم هذه التهديدات لم تُترجم حتى الآن إلى عمليات عسكرية كبرى جديدة.
مفاوضات فلوريدا
تتزامن هذه التطورات مع جولة جديدة من المحادثات اللبنانية الإسرائيلية بوساطة أمريكية، تُعقد في مدينة تامبا بولاية فلوريدا يومي 20 و21 تشرين الأول/أكتوبر، على مستوى فرق العمل، ومن دون مشاركة سفيري البلدين لدى واشنطن.
ونقلت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" عن مسؤول أمريكي أن الاجتماعات ستركز على دفع تنفيذ الاتفاق الإطاري الثلاثي، الذي ينص على نزع سلاح حزب الله مقابل انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من جنوب لبنان.
ومن المقرر أن يطالب الوفد العسكري اللبناني، وفق ما أعلنته رئاسة الجمهورية، بوقف الهجمات الإسرائيلية المستمرة على الأراضي اللبنانية، في وقت تصر فيه بيروت على ضرورة انسحاب القوات الإسرائيلية وإنهاء العمليات العسكرية.
في المقابل، يشترط نتنياهو أن يثبت الجيش اللبناني قدرته على إزالة ما تعتبره إسرائيل تهديدات لحزب الله داخل منطقتين تجريبيتين محددتين بموجب الاتفاق. وحذّر خلال إحاطة صحافية الأحد من أن إسرائيل ستتولى تنفيذ المهمة بنفسها إذا عجز الجيش اللبناني عن ذلك.
وقال نتنياهو مخاطباً الجانب اللبناني: "أعطيناكم منطقتين تجريبيتين، ادخلوا إليهما ونظفوهما. هل تستطيعون ذلك؟ جيد. لا تستطيعون؟ سنتولى نحن الأمر".
وتأتي هذه المفاوضات في ظل استمرار الخلاف بشأن تنفيذ التفاهمات الأمنية، إذ ترفض إسرائيل الانسحاب الكامل قبل إزالة التهديدات التي تقول إن حزب الله يشكلها، فيما يربط الحزب التخلي عن سلاحه بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية.