تتفاوت تكلفة العيش المريح بأوروبا بحدة، ليحتاج الفرد دخلاً بين 603 و6491 يورو شهرياً لبلوغ الطبقة المتوسطة العليا. ويؤكد اقتصاديون أن الدخل يعجز وحده عن تحقيق الأمان المالي بمعزل عن امتلاك مدخرات ومراعاة فوارق القوة الشرائية.
كم يجب أن تكسب لتعيش حياة مريحة في مختلف أنحاء أوروبا؟ هذا سؤال صعب للغاية.
أولا، مفهوم "العيش براحة" يبقى ذاتيا جدا. ثانيا، تختلف مستويات الأسعار بشكل واسع بين الدول وداخل كل دولة. ثالثا، يختلف حجم الأسر نفسها، كما أن الدخل لا يعكس بالضرورة مستوى الثروة أو امتلاك المسكن.
مع ذلك، يمكن لبعض مؤشرات الدخل أن تقدم فكرة عن المبلغ الذي يحتاجه الناس من أجل العيش براحة نسبية.
أحد هذه المؤشرات هو ما يعرف بدخل الإنفاق المتاح المعدَّل حسب حجم الأسرة.
يُجمع كل الدخل النقدي الذي يحصل عليه أفراد الأسرة، بما في ذلك الدخل من العمل والاستثمارات والمنافع الاجتماعية، إضافة إلى أي دخل آخر للأسرة، ثم تُقتطع منه الضرائب والمساهمات الاجتماعية.
بعد ذلك يُقسَم هذا المبلغ على عدد أفراد الأسرة بعد تحويلهم إلى ما يعادل "بالغين متساوين"، ما يعني أنه لا يمثّل دخلا فرديا مباشرا.
شرائح دخل الطبقة المتوسطة
يعرّف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية "OECD" الطبقة المتوسطة بأنها الأسر التي يتراوح دخلها المتاح المعدَّل بين 75% و200% من متوسط الدخل الوطني.
وتقسّم المنظمة هذه الشريحة إلى ثلاثة مستويات: من 75% إلى 100% من متوسط الدخل يشكّل فئة "الطبقة المتوسطة الدنيا"، ومن 100% إلى 150% فئة "الدخل المتوسط"، ومن 150% إلى 200% فئة "الطبقة المتوسطة العليا".
ولا يوجد معيار متفق عليه بشأن نسبة الدخل الوطني الوسيط التي ينبغي أن تحصل عليها الأسرة.
وقال سيباستيان كونيغس، كبير الخبراء الاقتصاديين في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لـ"يورونيوز بزنس": "إذا كان ما نملكه هو معلومات عن الدخل فقط، يمكن افتراض أن معظم الأسر التي تتجاوز 150% من متوسط الدخل الوطني تمتلك دخلا كافيا للعيش بشكل مريح نسبيا".
مع ذلك، يشير باحثون آخرون إلى أن دخلا يفوق 150% من المتوسط لا يعني بالضرورة تمتع الأسرة بأمان مالي.
قامت "يورونيوز بزنس" بحساب 150% من متوسط الدخل لثلاثة أنواع من الأسر، لإظهار مقدار الدخل الصافي الذي تحتاجه الأسرة لبلوغ بداية فئة "الطبقة المتوسطة العليا".
في عام 2025، يبلغ متوسط الدخل المتاح المعدَّل في الاتحاد الأوروبي 22.939 يورو سنويا، أي 1.912 يورو شهريا. ويحتاج الشخص البالغ الذي يعيش بمفرده إلى 2.867 يورو شهريا ليبلغ مستوى 150% من هذا المتوسط.
وعبر 34 دولة أوروبية، يتراوح هذا المبلغ بين 603 يورو شهريا في مقدونيا الشمالية و6.491 يورو في سويسرا. وداخل الاتحاد الأوروبي، يتراوح بين 1.023 يورو في رومانيا و6.256 يورو في لوكسمبورغ.
يتجاوز هذا المبلغ أيضا 4.000 يورو شهريا في النرويج (5.240)، والنمسا (4.568)، والدنمارك (4.524)، وإيرلندا (4.392) وهولندا (4.308).
ومن بين أكبر أربع اقتصادات في الاتحاد الأوروبي، تسجّل ألمانيا أعلى عتبة عند 3.611 يورو، تليها فرنسا بـ3.307 يورو، أي أعلى بنحو 15% من متوسط الاتحاد، بينما تأتي إيطاليا قليلا دونه عند 2.758 يورو، وتسجّل إسبانيا أدنى مستوى بين الأربع عند 2.546 يورو.
الفجوة كبيرة، فالشخص البالغ الذي يعيش بمفرده في ألمانيا يحتاج إلى 1.065 يورو شهريا أكثر من نظيره في إسبانيا.
وتقع العتبة أيضا دون 1.000 يورو شهريا في ألبانيا (723)، وتركيا (755)، والجبل الأسود (825) وصربيا (975). ومع مقدونيا الشمالية، تشكّل هذه الدول الخمس بلدان مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي.
ويتراوح هذا المبلغ بين 1.000 و1.900 يورو شهريا في 11 دولة عضو في الاتحاد، من بينها البرتغال (1.808)، وبولندا (1.799)، واليونان (1.463)، وبلغاريا (1.108) والمجر (1.099).
هل يحتاج الزوجان إلى ضعف هذا الدخل؟
لا يحتاج الزوجان من دون أطفال إلى ضعف الدخل الذي يحتاجه الشخص البالغ لوحده، إذ يفترض "يوروستات" أنهما يحتاجان إلى ما يعادل مرة ونصف بسبب تقاسمهما تكاليف مثل الإيجار والطاقة.
وبالتالي، يحتاج الزوجان في الاتحاد الأوروبي إلى دخل صافٍ قدره 4.301 يورو شهريا لبلوغ هذه العتبة. وترتفع إلى 6.021 يورو لزوجين لديهما طفلان دون 14 عاما.
ولا يتغير ترتيب الدول بالنسبة للأزواج أو الأسر لأن مبلغ كل دولة يُضرب في العامل نفسه: 1.5 للزوجين و2.1 للأسرة التي لديها طفلان.
تتيح الأزرار في الرسم البياني الاطلاع على الأرقام الخاصة بأنواع الأسر الثلاثة في كل دولة.
القوة الشرائية تحسّن المقارنة
لا تعكس الأرقام باليورو فروقات الأسعار بين الدول. فمعيار تعادل القوة الشرائية "PPS"، وهي عملة افتراضية تلغي هذه الفروقات، يوفّر أساسا أفضل للمقارنة.
صحيح أن الفجوة تضيق، لكنها تبقى واسعة. فبحسب "PPS"، تبلغ العتبة لشخص بالغ واحد في الاتحاد الأوروبي 2.830 "PPS" شهريا، وتتراوح بين 1.031 "PPS" في ألبانيا و4.709 "PPS" في لوكسمبورغ، أي فجوة بنحو 4,6 مرات، مقارنة بـ10,8 مرات عند القياس باليورو.
داخل الاتحاد الأوروبي، تسجّل المجر أدنى عتبة عند 1.495 "PPS"، ما يجعل عتبة لوكسمبورغ أعلى قليلا من ثلاثة أضعاف، مقارنة بستة أضعاف عند القياس باليورو.
ما يمكن أن يشتريه الدخل المريح نسبيا
تظهر هذه الفجوات أن مفهوم العيش براحة يختلف كثيرا بين الدول. فأرقام "PPS" توضح ما يمكن لهذا الدخل المريح نسبيا أن يشتريه في كل بلد.
وقال الأستاذ كوِن كامينادا من جامعة ليدن لـ"يورونيوز بزنس": "يمكن للموقع نفسه نسبيا في سلم الدخل أن يتيح مستويات معيشة مختلفة تماما بين الدول. فبلوغ مستوى 150% من المتوسط في بلد ما لا يعني القوة الشرائية نفسها كما هو الحال عند بلوغ 150% في بلد آخر".
فروق إقليمية داخل الدول
وأضاف: "من شأن الأرقام المعدَّلة بحسب القوة الشرائية أن تحسّن المقارنة، لكن المتوسطات الوطنية تخفي فروقات إقليمية كبيرة، خصوصا في تكاليف السكن".
وأشار كونيغس أيضا إلى أن العديد من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تشهد فروقات إقليمية كبيرة في مستويات الدخل وتكاليف المعيشة.
الدخل جزء فقط من الصورة والثروة لا تقل أهمية
وأوضح كونيغس أن الدخل يروي جزءا فقط من القصة، إذ إن عدم المساواة في الثروة، ولا سيما القدرة على امتلاك مسكن، تُعد قضية ملحّة في العديد من دول "OECD".
وقال: "قد يتمكن بعض الناس من التعايش مع دخول منخفضة لأنهم يملكون منازلهم وربما يعيشون في مناطق تكون الأسعار فيها أقل".
وأشار كامينادا أيضا إلى دور الثروة والمدّخرات. وقال إن الأسرة ذات الدخل المتواضع والمدّخرات التي يمكنها استخدامها بسهولة قد تكون أقدر على تحمّل فاتورة مفاجئة أو فقدان الوظيفة من أسرة ذات دخل أعلى لكن من دون مدّخرات ومع ديون كبيرة.
كيف نعرّف العيش براحة؟
وأشار كامينادا إلى أن "العيش براحة" يجب ألا يقتصر على القدرة على دفع الفواتير، موضحا: "ينبغي أن تكون الأسرة قادرة على تحمّل كلفة سكن مناسب وغذاء وطاقة ونقل، والمشاركة في الحياة الاجتماعية، والاستمتاع ببعض أوقات الفراغ، وتخصيص جزء من المال للادخار. والأهم أن تكون قادرة على استيعاب نفقة غير متوقعة أو فقدان مؤقت للدخل من دون أن تقع مباشرة في صعوبات مالية".
وحذّر من أن نسبتي 150% و200% من متوسط الدخل الوطني ليستا عتبة معترف بها للعيش براحة، مشددا على أن تصنيف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لمتوسطي الدخل يصف موقعا نسبيا في توزيع الدخل ولا يحدّد مدى كفاية ميزانية الأسرة.
وذكر الدكتور ماركوس م. غريبكا من معهد الأبحاث الاقتصادية الألماني "DIW برلين" أن دخلا يفوق 150% من المتوسط لا يضمن في حد ذاته الأمان المالي.
وقال لـ"يورونيوز بزنس": "يوفّر الدخل الذي يتجاوز 150% من المتوسط أمانا ماليا فقط عندما يُقارَن بمستوى معيّن من الثروة الخاصة".