شل إضراب سائقي الشاحنات بجنوب إيطاليا إمدادات الغذاء وأفرغ المتاجر خلال أيام، احتجاجاً على غلاء الديزل إثر الحرب الأمريكية الإيرانية. وأنهت الحكومة الأزمة بدعم بلغ 540 مليون يورو، وسط دعوات للتحول العاجل نحو النقل الكهربائي.
في الأسبوع الماضي نفذ سائقو الشاحنات في جنوب إيطاليا إضرابا، وقد حقق الهدف المنشود. جاء تحركهم احتجاجا على ارتفاع تكلفة الديزل بسبب الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وبدأ امتناعهم عن العمل يوم الجمعة. وبحلول يوم الأربعاء كانت رفوف المتاجر في منطقتنا من صقلية، حيث أعيش بصفتي أجنبيا مقيما، قد خلت تماما من البضائع.
وكان الوضع مماثلا تقريبا في أنحاء الجزيرة وجنوب البر الإيطالي، حيث أقام السائقون حواجز على الطرق لمنع الشاحنات المحملة بالغذاء من مغادرة المستودعات. كما نفدت كميات الوقود في محطات البنزين، وحتى أحد الوزراء قال إن المافيا استغلت الاحتجاجات عبر ترهيب السائقين لدفعهم للمشاركة وثقب إطارات الشاحنات.
الإضرابات أمر شائع نسبيا في إيطاليا؛ فكثيرا ما يتوقف عمال النقل العام عن العمل بسبب تدني الأجور أو سوء ظروف العمل، أو تتعطل خدمات جمع القمامة تماما بفعل نفوذ المافيا. عادة أكون على علم بحدوث هذه الإضرابات، لكنني لم أكن متأثرا بها مباشرة من قبل. أصدقائي الإيطاليون حذروني من أن إضرابا لسائقي الشاحنات قبل 15 عاما شل إمدادات الغذاء بالكامل، لكنني ظننت بسذاجة أن ذلك لن يتكرر. كم كنت مخطئا.
مخزون المتاجر لم يصمد سوى لأيام قليلة
لم أكن مضطرا لشراء الطعام خلال الأيام الأولى من الإضراب، ولم أتابع باهتمام كبير الأخبار عن تأثيره. ثم أدركت أنني أوشكت على نفاد بعض الأساسيات الضرورية، مثل الحليب لطفلي الصغير والفاكهة، الملاذ الأخير عندما يرفض تناول أي شيء آخر. عندها بدأت أتابع مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي لمؤثرين محليين يصورون ثلاجات وممرات فارغة تماما في متاجر بلدتي. وظننت بسخرية أنهم ربما ذهبوا في نهاية اليوم، واختاروا توقيت زيارتهم أملا في التقاط لقطات صادمة تجذب الانتباه.
لذلك ذهبت للتسوق بنفسي صباحا، إلى "ليدل" المحلي، و"يورو سبين"، وهي سلسلة متاجر سوبرماركت منخفضة الأسعار على مستوى البلاد، وإلى "كوناد" المنتشرة أيضا في عموم إيطاليا لكن بأسعار متوسطة. لم يكن هناك أي طعام طازج على الإطلاق: لا لحم ولا سمك، ولا منتجات ألبان ولا فاكهة أو خضروات. أما الممرات الأخرى فبدت شبه طبيعية، لكن كان واضحا أنه خلال أيام قليلة، إن لم تصل شحنات جديدة، فإن المواد الأساسية مثل المعكرونة والمنتجات المعلبة ومواد التنظيف ستختفي هي الأخرى.
كان صادما أن أكتشف إلى أي حد يمكن للنظام الذي نعتمد عليه جميعا في الحصول على الغذاء أن يتوقف تماما في وقت قصير. فقد كان تحركا منسقا جيدا؛ إذ شاركت شركات النقل البري بالشاحنات والمزارعون وأصحاب المتاجر، بدعم من المواطنين والطلاب في كثير من الأحيان، في تعطيل نقل السلع وتسليمها، وكل ذلك بهدف الضغط على الحكومة للتدخل.
التسوق محليا أصبح الخيار الوحيد
غادرت المتاجر وأنا لا أدري ما الذي يجب فعله. في طريقي إلى المنزل مررت بمتجر خضار وفاكهة يُطلق عليه بالإيطالية "frutteria". كنت قد دخلت هذا المتجر مرات قليلة فقط من قبل، مفضلا سهولة شراء كل ما أحتاجه دفعة واحدة من السوبرماركت. توقفت أمامه وسررت عندما رأيت أنه مليء بأنواع الفاكهة والخضروات. ملأت سلة بالطعام وتحدثت مع المالك أثناء الدفع. وأخبرني أنهم لم يواجهوا أي مشكلات في التزود بالبضائع، لأن المزارعين المحليين، أو الموزعين التابعين لهم، ينقلون المحصول مباشرة إلى متجره. فإذا لم تكن هناك سلسلة لوجستية معقدة، فلن يكون من السهل تعطيل الخدمات اللوجستية أصلا.
زيارتي غير المتوقعة إلى "frutteria" كانت من أجمل ما حدث لي في ذلك اليوم؛ فإضافة إلى شعور الارتياح بعد العثور على طعام طازج، تحسن مزاجي بفضل الحديث الودود مع صاحب المتجر، وهو أمر لن يحدث أبدا خلال تبادل عابر عند صندوق الدفع في السوبرماركت. فوق ذلك حصلت على فاكهة وخضروات جرى قطفها قبل أيام قليلة فقط، ولم تُرش أيضا بالمواد الكيميائية اللازمة لتحمل رحلات برية طويلة.
كيف انتهى إضراب سائقي الشاحنات؟
مع استمرار الإضراب، كانت تداعياته تزداد سوءا يوما بعد يوم. فقد خسرت مصانع جبن الموزاريلا ثلاثة ملايين يورو خلال 24 ساعة، لأن حليب الجاموس اللازم لصناعة الجبن لم يكن يصل إليها. كما تضررت شركات البناء بسبب تعذر تسلم شحنات المواد الخام.
في نهاية المطاف عقدت الحكومة الإيطالية اجتماعا طارئا لمجلس الوزراء وأقرت تدابير جديدة لمساعدة سائقي الشاحنات والمزارعين والصيادين على مواجهة ارتفاع تكاليف الوقود، ليرتفع إجمالي المساعدات الممنوحة لهم في صورة اعتمادات ضريبية إلى 540 مليون يورو، بعد أن كانت 434 مليون يورو.
مر الآن أربعة أيام منذ إزالة آخر الحواجز على الطرق، لكنني ما زلت أنتظر وصول الطرود التي طلبتها قبل بدء الإضراب، بينما أخطرت شركات كبرى مثل "Vinted" زبائنها بوجوب توقع تأخيرات في التسليم.
فلنحوّل نقل الغذاء إلى الكهرباء بدلا من صب مزيد من المال في خزانات الوقود
حدث هذا الاحتجاج وما نجم عنه لسبب واحد: هو إدماننا على الوقود الأحفوري. فمعظم الخدمات الأساسية التي تبقي المجتمع في حركة، مثل شاحنات التوصيل ووسائل النقل العام وإنتاج السلع، تعتمد على النفط والغاز. وقد تسببت الحرب في إيران في اضطراب غير مسبوق ونقص في إمدادات الوقود الأحفوري، ما أدى إلى ارتفاع هائل في الأسعار في دول بعيدة عن ميادين القتال.
كما يقول علماء المناخ منذ عقود، فإن الحلول اللازمة لخفض انبعاثات الكربون موجودة بالفعل، ومن أهمها الكهربة، أي استبدال الوقود الأحفوري بمصادر طاقة نظيفة مثل الرياح والشمس لتشغيل وسائل النقل والتدفئة والمصانع، وكل ما يمكن تشغيله كهربائيا.
تشكل حركة الشاحنات نحو 11-17 في المئة من إجمالي الطلب على النفط في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين، ما يجعل هذا القطاع مثاليا للتحول إلى الكهرباء. وقد أدى الارتفاع الكبير في أسعار الديزل إلى زيادة قياسية في الإقبال على الشاحنات الكهربائية هذا العام؛ فمبيعات الشاحنات الكهربائية المتوسطة والثقيلة سجلت على مستوى العالم رقما قياسيا في النصف الأول من هذا العام، مقتربة من 160.000 شاحنة، أي بزيادة تقارب 75 في المئة مقارنة بالنصف الأول من عام 2025.
وكما حدث مع مضخات الحرارة وألواح الطاقة الشمسية، فإن أزمة الطاقة التي أفرزتها الحرب في إيران تمنح دفعة إضافية للطاقة النظيفة. وسيكون من الحكمة أن تستخدم الحكومة الإيطالية الاعتمادات الضريبية لتحفيز شركات النقل البري على استبدال أسطول شاحناتهم بأخرى كهربائية، بدلا من ضخ مزيد من الأموال في الوقود الأحفوري.