تأتي هذه التطورات في سياق تصعيد عسكري واسع، حيث أطلقت القوات الحكومية اليمنية المدعومة من التحالف بقيادة السعودية، في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول، عملية "فجر اليمن" بهدف استعادة مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين، وفي مقدمتها العاصمة صنعاء، عقب تصعيد للجماعة بدأ في يوليو/تموز 2026.
أعلنت السلطات الحوثية الخميس مقتل 12 شخصا وجرح ثلاثة آخرين بقصف سعودي على منزلين في مديرية مقبنة بمحافظة تعز في غرب اليمن، في ظل تبادل الضربات بين الحوثيين والرياض.
وأفادت وكالة أنباء "سبأ" نقلا عن وزارة الصحة التابعة للحوثيين بـ"استشهاد 12 مواطنا وإصابة ثلاثة آخرين بحالة حرجة كحصيلة أولية، نتيجة استهداف العدو السعودي منزل أسرة إبراهيم سعيد محمد أحمد القوز ومنزل أسرة الراعبي سعيد محمد أحمد القوز في البرح، بمديرية مقبنة".
وفي سياق آخر، تتسع تداعيات التصعيد العسكري في محافظة تعز جنوب غربي اليمن، وسط تقارير عن استخدام قذائف يُشتبه في احتوائها على مواد سامة، واستهداف سيارات إسعاف وأحياء سكنية، بالتزامن مع تدهور الأوضاع الصحية والإنسانية ونقص الإمدادات الطبية.
وفي موازاة التطورات الميدانية، تكثف الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية لدى الأمم المتحدة وعدد من الدول، مطالبة بتدخل دولي لحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار المواجهات على جبهات عدة، وتبادل الأطراف المتحاربة الاتهامات بشأن استهداف المواقع العسكرية والمدنية، بينما تتزايد المخاوف من انعكاسات التصعيد على السكان، ولا سيما النازحين والمرضى والأطفال.
بلاغات عن قذائف يُشتبه في احتوائها على مواد سامة
دعت السلطة المحلية في تعز إلى إجراء تحقيق فني عاجل في بلاغات ميدانية وردت من جبهات عدة بالمحافظة، بينها الأقروض وكحلان، بشأن استخدام جماعة أنصار الله "الحوثيين" قذائف يُشتبه في احتوائها على مواد سامة محظورة دولياً.
وقالت السلطة المحلية إن البلاغات تتحدث عن إصابة مدنيين وأفراد من "المقاومة الشعبية" بحالات اختناق، رافق بعضها فقدان للوعي، مطالبة بالتحقق من طبيعة المواد المنبعثة من القذائف ومدى صلتها بالأعراض المسجلة.
وشددت على أهمية توثيق الحالات والشهادات والتقارير الطبية، وإخضاع العينات والمواد المشتبه بها لفحوص متخصصة لتحديد طبيعتها، داعية الأمم المتحدة والجهات الدولية المعنية إلى دعم التحقيق ومحاسبة المسؤولين في حال ثبوت استخدام مواد محظورة.
وأكدت أن القوات والأجهزة الأمنية ستتخذ الإجراءات اللازمة لحماية المدنيين والتعامل مع الاعتداءات، بما يتوافق مع مسؤوليات الدولة والتزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني.
استهداف سيارات إسعاف وتحذيرات من انهيار الخدمات الصحية
وفي تطور ميداني يعكس حجم المخاطر التي تواجه القطاع الصحي، أفاد مكتب الصحة العامة والسكان في تعز بأن جماعة الحوثيين استهدفت، الأربعاء، سيارة إسعاف أثناء محاولتها نقل مدني مصاب من إحدى القرى التي تعرضت للقصف في منطقة العاوات غربي الشقب، بمديرية صبر الموادم جنوب المدينة.
وأوضح المكتب أن الهجوم ألحق أضراراً كبيرة بالمركبة وأخرجها من الخدمة، بالتزامن مع قصف مكثف طال قرى في جبل صبر باستخدام أسلحة مختلفة، وأضاف أن الحادثة جاءت بعد استهداف سيارة إسعاف أخرى بقذيفة خلال الأسبوع السابق، مشيراً إلى فقدان 15 سيارة إسعاف قال إنها نُهبت من مكاتب الصحة والمراكز الصحية في مديريات المحافظة.
وحذرت وزارة الصحة العامة والسكان اليمنية من تفاقم الأزمة الصحية والإنسانية في تعز، مؤكدة أن استمرار الحرب والقيود المفروضة على دخول الإمدادات الطبية يهددان قدرة المرافق الصحية على تقديم الخدمات الأساسية والمنقذة للحياة.
وكشف تقرير صادر عن مكتب الصحة بالمحافظة، خلال شهر أكتوبر/تشرين الأول الجاري، عن حجم التدمير والانتهاكات التي طالت البنية التحتية الطبية، حيث شمل التقييم الميداني 345 مرفقاً صحياً.
ووفقاً للبيانات الرسمية، تعرض 256 مرفقاً طبياً للاستيلاء المباشر، في حين لحقت أضرار جزئية بـ25 مرفقاً، وسُجل دمار كلي في مرفق واحد، إلى جانب أضرار متنوعة أخرى طالت مرفقين صحيين.
وأشار التقرير إلى فقدان 15 سيارة إسعاف، بما يعادل 58% من إجمالي العدد، فضلاً عن فقدان أو تضرر 22 سريراً للعناية المركزة، بنسبة بلغت 23% وفق البيانات الواردة.
وتظهر الأرقام الواردة في التقرير اتساع نطاق الحرمان من الرعاية الطبية، إذ فقد نحو 246 ألفاً و711 شخصاً إمكانية الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية، بينهم أكثر من 186 ألف طفل دون الخامسة، ونحو 23 ألف امرأة حامل.
كما توقفت خدمات التطعيم في 44 مرفقاً، وخدمات التغذية في عدد المرافق نفسه، فيما تعطلت خدمات الصحة الإنجابية في 74 مرفقاً، وشملت الأضرار أيضاً توقف ثلاث خدمات لطوارئ التوليد وأربعة مراكز للتغذية العلاجية.
وحذر المكتب من أن نقص الإمدادات يهدد استمرار العمل في 12 مستشفى، موضحاً أن الكميات المتاحة لا تتجاوز 5% من الاحتياجات المقدرة للوقود، و2% للأكسجين، و30% لأدوية الطوارئ والمستلزمات الطبية.
وتتضمن الاحتياجات العاجلة توفير الوقود والأكسجين والأدوية والمحاليل والمستلزمات الطبية، إلى جانب دعم أقسام الطوارئ والجراحة والغسيل الكلوي والعناية المركزة، واستعادة خدمات الأمومة والطفولة والتحصين والتغذية.
ارتفاع الإصابات بالأمراض وسط نقص الخدمات
ولا تقتصر المخاوف على تراجع القدرة الاستيعابية للمستشفيات، بل تمتد إلى الوضع الوبائي، في ظل تعطل خدمات وقائية وعلاجية ونقص المستلزمات الضرورية للاستجابة للأمراض.
وفي سياق التطورات الوبائية، كشفت بيانات نظام الترصد الإلكتروني للأمراض والإنذار المبكر عن حصيلة مقلقة للوضع الصحي في محافظة تعز، حيث سُجلت 1402 حالة إصابة بالإسهال المائي الحاد والاشتباه بالكوليرا منذ مطلع العام الجاري وحتى الأسبوع الوبائي الثاني والأربعين، من بينها حالة وفاة واحدة مؤكدة.
وخلال الفترة الممتدة من 12 إلى 18 أكتوبر/تشرين الأول، سجلت المحافظة 786 حالة ملاريا، و46 حالة إسهال مائي حاد أو كوليرا، و47 إصابة بحمى الضنك، و175 حالة حمى تيفوئيدية وباراتيفوئيدية، إضافة إلى إصابات بأمراض أخرى، بينها الإسهال الحاد والحصبة والحصبة الألمانية.
وفي مواجهة هذه المؤشرات، دعت وزارة الصحة الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" واللجنة الدولية للصليب الأحمر والجهات المانحة إلى ضمان وصول الإمدادات الطبية بصورة آمنة ومستدامة.
كما طالبت برفع القيود المفروضة على دخول الغذاء والدواء والوقود، وتوفير دعم عاجل للاستجابة الصحية والوبائية لمدة 90 يوماً، بما يضمن استمرار الخدمات الأساسية والحد من تفاقم المخاطر على الفئات الأكثر ضعفاً.
الحكومة تحذر من استهداف مطار عدن
وفي عدن، اتهمت الحكومة اليمنية جماعة الحوثيين باستهداف مطار عدن الدولي بالصواريخ الباليستية، الأربعاء، للمرة السادسة خلال أيام، محذرة من تداعيات هذه الهجمات على سلامة المدنيين وحركة الطيران المدني.
وقالت الحكومة، في بيان، إن المطار يشكل منفذاً حيوياً لتنقل اليمنيين من مختلف المحافظات، كما يؤدي دوراً مهماً في تسهيل وصول المساعدات الغذائية والطبية والإنسانية.
ودعت الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المعنية، وفي مقدمتها منظمة الطيران المدني الدولي، إلى اتخاذ تدابير تضمن حماية المطارات المدنية وسلامة المسافرين وأطقم الطائرات والعاملين، ومساءلة المسؤولين عن الهجمات التي يثبت وقوعها.
وأضافت أنها تعمل على تقييم المخاطر وتعزيز الإجراءات الأمنية والفنية اللازمة لضمان استمرار تشغيل المطار، بالتوازي مع توثيق الاعتداءات ومتابعتها مع الجهات الدولية المختصة.
القوات الحكومية والحوثيون يتبادلون إعلان المكاسب العسكرية
وعلى الصعيد الميداني، أعلنت القوات الحكومية اليمنية تنفيذ 749 عملية استهداف خلال الساعات الأربع والعشرين السابقة، ضمن عملية "فجر اليمن"، قالت إنها طالت مراكز قيادة ميدانية وتحصينات ومرابض نيران وتعزيزات ووسائل إمداد تابعة للحوثيين.
ونقل بيان عن الناطق الرسمي باسم القوات الحكومية، العقيد الركن ماجد النزيلي، أن العمليات أسفرت عن تحييد 239 من قيادات الجماعة وعناصرها، وتدمير أو إعطاب 117 عربة وآلية ومعدة قتالية.
وأضاف البيان أن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية واصلت الضغط على مواقع الحوثيين في تعز، بالتزامن مع استمرار العمليات في جبهات الجوف ومأرب والبيضاء، إضافة إلى الجبهتين الجنوبية والجنوبية الغربية.
ونشرت القوات الحكومية مشاهد قالت إنها توثق استهداف مواقع وآليات وتجمعات عسكرية للجماعة في عدد من جبهات تعز.
في المقابل، نشر المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يحيى سريع، مشاهد قال إنها تظهر طرد تجمعات للقوات المعادية من جبهتي الضباب والجبل الأسود في المحافظة وتأمينهما.
واتهم سريع الطيران السعودي بشن 101 غارة جوية وهجوم صاروخي خلال 24 ساعة على مناطق في صنعاء والجوف وتعز وعمران وحجة وصعدة والضالع والمحويت ولحج، مدعياً أن الهجمات أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، بينهم نساء وأطفال.
وأضاف أن إجمالي الغارات والهجمات الصاروخية السعودية منذ بدء التصعيد بلغ، وفق حصيلة الجماعة، 3480 هجوماً.