يأتي العقد في ظل تزايد المخاوف داخل الولايات المتحدة بشأن انخفاض مخزونات الأسلحة، بعدما زودت واشنطن حلفاءها بكميات كبيرة من الذخائر، إلى جانب استخدامها أسلحة دقيقة التوجيه خلال عملياتها العسكرية ضد إيران.
أعلنت وزارة الحرب الأمريكية "البنتاغون" إبرام عقد مع شركة "لوكهيد مارتن" تصل قيمته إلى 58.62 مليار دولار لإنتاج صواريخ "باتريوت" الاعتراضية، في أكبر اتفاق من نوعه، وذلك في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة ضغوطاً متزايدة لإعادة بناء مخزوناتها العسكرية التي تراجعت بفعل النزاعات المتواصلة في عدة مناطق حول العالم.
وأوضح الجيش الأمريكي أن العقد الجديد يمثل تطويراً لاتفاق سابق أُبرم في أبريل/نيسان الماضي لمدة عام واحد بقيمة 4.7 مليارات دولار، إذ جرى تحويله إلى اتفاق إطاري يمتد لسبعة أعوام، ويغطي خطة شراء متعددة السنوات للصواريخ الاعتراضية خلال الفترة الممتدة من السنة المالية 2026 وحتى 2032.
استنزاف المخزونات بسبب الحروب والدعم العسكري للحلفاء
ويأتي العقد في ظل تزايد المخاوف داخل الولايات المتحدة بشأن انخفاض مخزونات الأسلحة، بعدما زودت واشنطن حلفاءها بكميات كبيرة من الذخائر، إلى جانب استخدامها أسلحة دقيقة التوجيه خلال عملياتها العسكرية ضد إيران، الأمر الذي أثار تساؤلات حول جاهزية مخزون أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ المتطورة.
وفي هذا السياق، كثف البنتاغون ضغوطه على شركات الصناعات الدفاعية ومقاولي التسليح لتسريع الإنتاج وزيادة وتيرة الإمدادات، ضمن خطة تستهدف مضاعفة تصنيع الصواريخ والذخائر المتقدمة لتلبية الاحتياجات العسكرية المتزايدة، وذلك عبر اتفاقات إنتاج أولية جرى التوصل إليها في وقت سابق من العام الجاري.
ترامب يقلل من المخاوف بشأن نقص الذخيرة
وتزامن الإعلان عن العقد مع تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قلل، الاثنين الماضي، من المخاوف المتعلقة بنقص الذخائر لدى الجيش الأمريكي بعد أشهر من الضربات العسكرية على إيران.
وفي تصريحات أدلى بها للصحفيين على متن الطائرة الرئاسية، قلل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من المخاوف بشأن تراجع مخزونات السلاح، مؤكداً أن الولايات المتحدة تمتلك "كميات ضخمة من الذخائر الاستراتيجية"، ورغم إقراره برغبته في مضاعفة هذه الترسانة لتأمين التفوق الكامل، إلا أنه شدد على أن خطوط الإنتاج والاتفاقات الجديدة مع مقاولي الدفاع كفيلة بسد أي عجز ناتج عن العمليات العسكرية المستمرة في الشرق الأوسط، وتأمين الاحتياجات اللوجستية للقوات الأمريكية وحلفائها على حد سواء.
تقارير تكشف تراجعاً كبيراً في الذخائر المتطورة
غير أن شبكة "سي إن إن" كانت قد كشفت في 21 أبريل/نيسان، استناداً إلى بيانات سرية لوزارة الدفاع الأمريكية وتحليل صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، عن انخفاض ملحوظ في مخزونات عدد من الذخائر المتطورة.
وبحسب تلك البيانات، استُهلك ما لا يقل عن 45% من صواريخ الضربة الدقيقة بعيدة المدى (PrSM)، ونحو نصف صواريخ "ثاد" الاعتراضية، وحوالي نصف صواريخ "باتريوت"، إضافة إلى ما يقارب 30% من صواريخ "توماهوك" الهجومية، وهو ما عزز المخاوف بشأن قدرة الجيش الأمريكي على المحافظة على مستويات جاهزية مرتفعة مع استمرار العمليات العسكرية.
ضغوط حكومية على شركات السلاح
وفي موازاة ذلك، مارست إدارة ترامب ضغوطاً متزايدة على شركات الصناعات الدفاعية لإعطاء الأولوية للإنتاج العسكري بدلاً من توزيع الأرباح على المساهمين.
وفي هذا الإطار، وقع ترامب في يناير/كانون الثاني الماضي أمراً تنفيذياً يقضي بتحديد الشركات التي تتأخر في تنفيذ العقود الحكومية ومعاقبتها إذا واصلت توجيه أرباحها إلى المساهمين بدلاً من الاستثمار في توسيع الطاقة الإنتاجية وتسريع تصنيع الأسلحة.
ورحبت الشركات الدفاعية بهذه الاتفاقات، لكنها شددت على أن تنفيذ خطط التوسع يتطلب أولاً موافقة الكونغرس على التمويل اللازم، مؤكدة أن الاستثمار في زيادة الإنتاج والمكونات الصناعية يعتمد على توافر الاعتمادات المالية، فيما لا تزال تفاصيل عدد من عقود الذخائر ومواعيد تسليمها قيد التفاوض مع وزارة الدفاع.
زيادة غير مسبوقة في إنتاج الصواريخ
وفي إطار الجهود الرامية إلى رفع الإنتاج، توصلت وزارة الحرب الأمريكية إلى اتفاق إطاري مماثل مع شركة "آر تي إكس" المالكة لشركة "رايثيون"، يهدف إلى رفع إنتاج صواريخ "توماهوك" من نحو 60 صاروخاً سنوياً إلى ألف صاروخ سنوياً على المدى البعيد.
من جانبها، أكدت شركة "لوكهيد مارتن" أن التمويل الحكومي الجديد سيمكنها من تنفيذ خطتها لمضاعفة القدرة الإنتاجية "صواريخ بَاك-3 إم إس إي" ثلاث مرات بحلول نهاية عام 2030.
وأوضحت الشركة أن الخطة تشمل زيادة عدد العاملين في مصنعها بمدينة كامدن بولاية أركنساس بنسبة 50%، ليرتفع عدد الموظفين من نحو 1200 إلى 1850 عاملاً، بما يدعم الزيادة المستهدفة في معدلات التصنيع.
وكانت "لوكهيد مارتن" قد أعلنت في وقت سابق أنها تستهدف رفع إنتاج صواريخ "باتريوت باك-3" إلى ألفي صاروخ سنوياً، إضافة إلى استثمار ما بين 8 و9 مليارات دولار حتى عام 2030 لتحديث أكثر من 20 منشأة صناعية داخل الولايات المتحدة، من بينها مرافق جديدة لإنتاج الذخائر في ولايتي ألاباما وأركنساس.
باتريوت وثاد في قلب منظومة الدفاع الأمريكية
ويعد صاروخ " بَاك-3 إم إس إي" أحدث الصواريخ الاعتراضية المستخدمة ضمن منظومة "باتريوت"، إذ يعتمد على تقنية "الاصطدام المباشر" لتدمير الأهداف، ويستخدم لاعتراض الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المقاتلة والطائرات المسيّرة بدقة عالية.
وفي أحدث تقدير له، قال مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، ومقره واشنطن، إن الجيش الأمريكي يمتلك حالياً أقل من ألف صاروخ اعتراضي من طراز "باتريوت"، وأقل من 250 صاروخاً من منظومة "ثاد"، وهما النظامان اللذان يشهدان استخداماً مكثفاً في منطقة الشرق الأوسط خلال الفترة الأخيرة، وهو ما يفسر توجه البنتاغون إلى إبرام عقود إنتاج ضخمة لتعزيز المخزون وضمان استمرار جاهزية منظومات الدفاع الجوي.