Loader
ابحثوا عنا
اعلان

كيف أصبحت اليونان تقترض بكلفة أقل من فرنسا؟

يلقي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كلمة في القمة الدولية للفضاء في قصر "الغراند باليه" في باريس، يوم الخميس، عشرة سبتمبر 2026.
يلقي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كلمة في القمة الدولية للفضاء في الغراند باليه في باريس، الخميس، العاشر من أيلول/سبتمبر 2026. حقوق النشر  AP Photo/Aurelien Morissard, Pool
حقوق النشر AP Photo/Aurelien Morissard, Pool
بقلم: Piero Cingari
نشرت في
شارك محادثة تابع يورونيوز على جوجل
شارك Close Button

تدفع اليونان اليوم كلفة اقتراض أقل من فرنسا، رغم ديونها الأكبر. كيف استعادت أثينا ثقة الأسواق بينما فقدت باريس صدقيتها المالية؟

في آذار/مارس 2012 اضطرت الدولة اليونانية إلى دفع عائد سوقي يقترب من 40% على سنداتها القائمة لأجل عشر سنوات، ما أدى عمليا إلى إقصائها عن الاقتراض الطبيعي من الأسواق. وحتى عند هذا السعر المرتفع، لم تجد سوى عدد قليل جدا من المشترين.

اعلان
اعلان

في الشهر نفسه اقترضت فرنسا لأجل عشر سنوات بكلفة تقل عن ثلاثة في المئة. وبعد أربعة عشر عاما تبادل البلدان الأدوار.

العائد على السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات، أي السعر الذي تدفعه باريس للاقتراض لعقد من الزمن، يتداول حاليا قرب 4,50%. أما أثينا فتدفع نحو 4,28%.

المستثمرون يطالبون الآن بفائدة أعلى لإقراض باريس مما يطالبون به لإقراض أثينا. الفارق في العائد ضئيل، أما ما يعكسه فليس كذلك.

لا تزال اليونان مدينة، قياسا بحجم اقتصادها، بأكثر مما تدين به تقريبا أي دولة أخرى في أوروبا، في حين أن الاقتصاد الفرنسي أكبر منها بأكثر من عشر مرات، وأغنى بكثير وأكثر تنوعا.

على الورق، تبدو هذه التسعيرة غير منطقية. لكنها تصبح مفهومة إذا قبلنا بأن مستثمري السندات توقفوا عن النظر إلى حجم جبل الديون باعتباره كل القصة.

ما يضعونه في الحسبان اليوم هو الاتجاه الذي يتحرك فيه الدين، وعدد المرات التي يتعين إعادة تمويله فيها، وما إذا كانت لدى الحكومة مساحة سياسية للتوقف عن زيادته.

وفي هذه الجوانب الثلاثة تحديدا، تسير اليونان وفرنسا في مسارين متباعدين.

ديون اليونان أكبر، لكن الكتلة تتقلص

في نهاية الربع الأول، بلغ الدين العام اليوناني 143,5% من الناتج السنوي، مقابل 117,6% في فرنسا.

هذه هي الأرقام الوحيدة التي تجامل باريس، وهي بالفعل الأرقام الوحيدة التي تفعل ذلك.

خلال الأشهر الاثني عشر السابقة، تراجع معدل الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في اليونان بمقدار 9,4 نقطة مئوية، بينما ارتفع في فرنسا بنحو أربع نقاط.

المفوضية الأوروبية تتوقع أن يواصل دين اليونان الانخفاض، من 146,1% في 2025 إلى 134,4% بحلول 2027، في حين تتوقع أن يتجاوز دين فرنسا مستوى 120% في الفترة نفسها.

صورة المالية العامة أكثر قتامة حتى من ذلك.

أنهت اليونان العام الماضي بفائض يساوي 1,7% من الناتج المحلي الإجمالي، ومن المتوقع أن تبقى في المنطقة الإيجابية حتى 2027. أما فرنسا فسجلت عجزا قدره 5,1%، وهو من الأكبر في الاتحاد الأوروبي، كما أن عجز هذا العام يخرج عن السيطرة.

والأسوأ أن أرقام فرنسا تسير في الاتجاه المعاكس، نحو مزيد من التدهور لا التحسن.

في 11 أيلول/سبتمبر، خفّض وزير المالية رولان ليسكور إلى النصف توقعات الحكومة للنمو في 2026 لتصل إلى 0,5%، وتخلى عن هدف العجز البالغ 5% الذي بُنيت عليه الموازنة.

وقال للصحفيين: "خمسة في المئة لم تعد خيارا"، رافضا تحديد رقم جديد بديل.

والمعهد الوطني للإحصاء "إنسي" أكثر تشاؤما، إذ يقدّر النمو بـ0,4% فقط، ويصف فرنسا بأنها الاقتصاد المتقدم الكبير الوحيد المتوقع أن يتباطأ هذا العام. في المقابل، ينمو اقتصاد اليونان بمعدل يقترب من 2%.

لماذا تبدو ديون اليونان الهائلة أقل خطرا مما توحي به الأرقام

ليست كل الديون تتصرف بالطريقة نفسها، ودين اليونان يتصرف بصورة استثنائية إيجابية.

فمعظم هذا الدين نتج عن برامج الإنقاذ، ما يعني أنه مستحق لمؤسسات عامة أوروبية، لا لمديري صناديق يمكنهم البيع عند أول عنوان سلبي في الأخبار.

هذه القروض تمتد لعقود وبشروط ميسّرة. وتشير وكالة إدارة الدين العام اليونانية إلى أن متوسط أجل الاستحقاق يتجاوز 18 عاما، وأن الكلفة السنوية لخدمة الدين القائم بلغت 1,94% حتى نهاية حزيران/يونيو.

ويكاد يكون كامل الدين اليوناني بسعر فائدة ثابت.

تخيّلوا أسرة ثبتت فائدة رهن عقاري طويل جدا عندما كان المال رخيصا؛ يمكن لأسعار الفائدة أن ترتفع بقدر ما تشاء، لكن القسط الشهري لا يتحرك.

فرنسا لا تتمتع بأي حماية مماثلة من حيث طول أمد الفائدة الثابتة.

فالسندات التي بيعت في حقبة الفوائد شبه الصفرية تستحق تباعا، وتُستبدل بأخرى بتكاليف اليوم. ومن المتوقع أن تصل مدفوعات الفائدة هذا العام إلى 65 مليار يورو، أي بنحو 4,5 مليار يورو فوق ما كان مرصودا في الموازنة، لتصبح خدمة الدين أكبر بند منفرد في الإنفاق العام.

وقد حذّرت محكمة الحسابات "كور دي كونت" من أن الفاتورة قد تقترب من 100 مليار يورو بحلول 2029.

يسمّي الاقتصاديون هذه الآلية "كرة الثلج".

فعندما ترتفع كلفة الاقتراض بوتيرة أسرع من نمو الاقتصاد، يبدأ الدين في الارتفاع تلقائيا ما لم تحقق الدولة فائضا أوليا قبل الفوائد، وقد حذّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أنه من دون تغييرات في السياسات قد يصل دين فرنسا إلى نحو 200% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2050.

دولة تبيع سندات بقيمة ثمانية مليارات يورو... وأخرى تطرح 310 مليارات

ثم هناك جانب الإمداد من السندات. إذ تخطط فرنسا لإصدار سندات متوسطة وطويلة الأجل بقيمة 310 مليارات يورو في 2026، بعد خصم عمليات إعادة الشراء.

في المقابل، تخطط اليونان لإصدار نحو ثمانية مليارات يورو فقط من السندات هذا العام، كما أنها تسدد مبكرا قرابة 13 مليار يورو، مستفيدة من احتياطيات نقدية تقارب 40 مليار يورو.

من الطبيعي أن يقترض اقتصاد أكبر مبالغ أضخم، لكن على السوق أن تستوعب هذه الإصدارات مزادا بعد آخر، والسوق التي يُطلب منها الاستيعاب بهذه الوتيرة تستطيع أن تفرض سعرها.

مخاطر السياسة انتقلت إلى عنوان جديد

تعكس التصنيفات الائتمانية هذا الانقلاب في الأدوار.

فالـيونان، التي أمضت الجزء الأكبر من العقد الماضي دون الدرجة الاستثمارية، أصبحت اليوم تتمتع بتصنيف استثماري لدى كل وكالات التصنيف الكبرى. فستاندرد آند بورز غلوبال ووكالة فيتش تمنحانها درجة BBB، بينما تصنفها موديز عند Baa3. وتُبقي الوكالات الثلاث على نظرة مستقبلية مستقرة، في حين تعتمد عدة وكالات أصغر نظرة إيجابية.

أما فرنسا فما زالت تحظى بتصنيف أعلى، لكن اتجاه الحركة تغيّر هناك أيضا. فستاندرد آند بورز وفيتش تصنفان فرنسا عند A+، فيما تعطيها موديز درجة Aa3 مع نظرة مستقبلية سلبية.

ولا تشير وكالات التصنيف إلى أن فرنسا تقترب من التعثر في سداد ديونها؛ فالمشكلة أكثر بساطة: عجز كبير ومتكرر، ونمو بطيء، وقدرة سياسية محدودة على الاتفاق حول خفض الإنفاق أو زيادة الإيرادات.

لقد جعل البرلمان المجزأ في فرنسا هذه المهمة أكثر تعقيدا، فيما تضيف الانتخابات الرئاسية المقررة في الربيع المقبل طبقة أخرى من عدم اليقين.

مع ذلك، فرنسا ليست "اليونان الجديدة"

لا أحد في الأسواق يتوقع تعثرا فرنسيا. فباريس تستفيد من أسواق مالية عميقة، وقاعدة ادخار محلية كبيرة، وقدرة ضريبية لا تزال أثينا في 2012 تحسدها عليها، كما أن جدارتها الائتمانية ما زالت أعلى بعدة درجات.

ما تعكسه نقطة التقاطع هذه هو تغيّر في ما يكافئه المستثمرون: فالدين المتراجع، والفوائض في الميزانية، وجدول إعادة تمويل هادئ باتت تمنح صاحبه خصما على الفائدة، بينما تُضاف علاوة على أسعار الفائدة عندما تكون العجوزات في ارتفاع، والإصدارات ضخمة، والبرلمان غارقا في المأزق.

في 2012، كانت الأسواق تسعّر سندات اليونان على أساس احتمال ألا تظل تستخدم اليورو بحلول عيد الميلاد. في 2026، بات السؤال الأقرب هو إلى أي حد يمكن لأثينا أن تواصل خفض دينها.

أما فرنسا فتواجه تقريبا السؤال المعاكس: إلى متى يمكن أن يستمر دينها في الارتفاع قبل أن يطالب المستثمرون بسعر أعلى بكثير لتمويله؟

انتقل إلى اختصارات الوصول
شارك محادثة تابع يورونيوز على جوجل

مواضيع إضافية

تباطؤ مبيعات التجزئة في الصين مع استمرار صعوبة إنعاش إنفاق المستهلكين

كندا تروّج لنفسها كملاذ آمن للمستثمرين في عالم شديد الضبابية

ارتفاع النفط فوق 108 دولارات بعد هجوم في هرمز وإغلاق خط أنابيب سعودي يهز الأسواق