المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

كيف ستكون سياسة فرنسا الخارجية إذا تشكلت حكومة "مساكنة" يقودها حزب معارض لماكرون؟

Access to the comments محادثة
بقلم:  يورونيوز
 الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع في الكرملين في موسكو في 7 فبراير 2022
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع في الكرملين في موسكو في 7 فبراير 2022   -   حقوق النشر  Sputnik, Kremlin Pool Photo via AP

بعد إعادة انتخابه رئيساً لفرنسا، الأحد، يتعين على إيمانويل ماكرون اختيار رئيس وزراء يشكّل حكومة جديدة.

وبعد أسابيع سيحل موعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية في فرنسا والمقررة في 12 حزيران/يونيو ،حيث ستكون اختباراً للرئيس ماكرون، ذلك أنه من المحتمل أن تضعه أمام مواجهة معركة سياسية جديدة في حال لم يحصل حزبه (الجمهورية إلى الأمام) على الأغلبية.

وبحسب استطلاع للرأي نشر الأربعاء، فإن معظم الفرنسيين لا يريدون لحزب ماكرون أغلبية في البرلمان.

ما هي "المساكنة" في النظام السياسي الفرنسي؟

جرت العادة أنه بعد الانتخابات البرلمانية، يختار الرؤساء الفرنسيون رئيس وزراء جديداً من الحزب الذي يحصل على أكبر عدد من الأصوات لتشكيل حكومة جديدة.

كما جرت العادة أيضاً أن يحصل الرؤساء المنتخبون حديثاً على الأغلبية في البرلمان عندما تأتي الانتخابات التشريعية بعد التصويت الرئاسي مباشرة بسبب المشاركة المنخفضة عموماً لمؤيدي المرشحين المهزومين.

ولكن في ظل الوضع الراهن، تبدو فرنسا منقسمة إلى ثلاثة معسكرات سياسية كبرى: معسكر ماكرون، معسكر اليمين المتطرف الذي قادته مارين لوبن، وأيضاً معسكر اليسار الراديكالي (وبعض أحزاب اليسار الأخرى) الذي قاده جان-لوك ميلانشون.

في حال لم يحصل حزب ماكرون على الأغلبية في البرلمان، فلن يكون أمام الرئيس خيار إلا تسمية رئيس وزراء من حزب آخر، ما سيؤدي إلى ما يعرف بـ"المساكنة" (Cohabitation)، وهي فترة يطغى عليها التوتر، حيث يتم خلالها تقييد السلطات الرئاسية بشدة.

أثناء فترة "المساكنة" تلك، يظل الرئيس هو قائد القوات المسلحة، لكن الحكومة تتولى إدارة معظم الأمور اليومية المتعلقة بالدولة مع احتفاظ الرئيس ببعض النفوذ في السياسة الخارجية.

كيف ستؤثر حكومة "مساكنة" على السياسة الخارجية؟

يحذر محللون سياسيون من أن السياسة الخارجية الفرنسية قد تخاطر بفقدان المصداقية وإضعاف تأثير البلاد وأوروبا على المسرح الدولي، في حال كان رئيس الوزراء ينتمي إلى معسكر آخر، غير الذي يقوده ماكرون.

وفقًا لثاناسيس ديامانتوبولوس، السياسي الخبير في شؤون السياسة الفرنسية، فإذا كانت الأغلبية البرلمانية، التي تعارض الرئيس بشكل جذري على المستوى الدبلوماسي، بزعامة جون- لوك ميلانشون، أو مارين لوبن (حتى ولو أن زعامة الأخيرة غير مرجحة في هذه المرحلة) فإن المساكنة مع القوى السياسية الأخرى يمكن أن يؤدي إلى وجود سياستين خارجيتين لباريس.

ويشير ديامانتوبولوس إلى أنه سيكون هناك تضارب في الرؤى حيال الأجندات المؤسِّسة للسياسة الخارجية لفرنسا في هذه الحال.

"الدور الانتخابي الثالث"

يواجه المعسكر الرئاسي الذي يسعى إلى بناء أغلبية قوية، خصوماً مصممين على الانتقام من الخسارة في الانتخابات الرئاسية، وجعل الانتخابات التشريعية بمثابة "جولة ثالثة" للانتخابات الرئاسية، وحتى فرض حكومة يقودها حزب غير حزب الرئيس.

ومع ذلك، أبدت لوبن نبرة متحدية في خطاب الإقرار بالهزيمة، وتعهدت بوجود كتلة معارضة قوية في البرلمان، بينما يسعى جون-لوك ميلانشون، اليساري المتشدد لأن يصبح رئيساً للوزراء بعد حصوله على الجزء الأكبر من أصوات اليسار في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، وهو أيضاً يعتبر انتخابات حزيران/يونيو القادم التشريعية "جولة ثالثة" من الرئاسيات.

ماذا يقول الدستور عن تقسيم السلطات في الشؤون الخارجية؟

نظراً لأن الدستور الفرنسي لا يعطي إجابة واضحة حول تقسيم السلطات في الشؤون الخارجية، فإن الممارسة على أرض الواقع تنتهي بعدم تواؤم في الرؤى بين الرئيس ورئيس حكومته إن كان من غير تشكيلته الحزبية، حيث يؤثر الأمر في رسم معالم السياسية الخارجية للبلاد مما قد يدفع بها لأن تتحدث بصوتين مختلفين.

وبين 1997 و2002 تولى الاشتراكي ليونيل جوسبان ئاسة الوزراء في فرنسا، بينما كان جاك شيراك المحافظ رئيساً للجمهورية في مساكنة سياسية وصفت بـ"المعقدة" جينها بسبب تضارب في التصريحات بين الرئيس ورئيس حكومته وبخاصة في ملفات تتعلق بالصراع في الشرق الأوسط .

في يمثال على ذلك، وأثناء زيارته إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية في فبراير/شباط عام 2000، أصدر رئيس الوزراء جوسبان تصريحات معادية للمقاومة اللبنانية واصفاً عمليات حزب الله اللبناني ضد إسرائيل بأنها "إرهابية" في دعم منه للموقف الإسرائيلي.

أثار الأمر حينها احتجاجات قوية في الدول العربية وانتكاسة في المساكنة بين الحكومة الاشتراكية والرئاسة اليمينية لفرنسا، حيث كان شيراك على خلاف مع ما صرح به رئيس حكومته.

وقتئذ، أثار الحادث صدمة لدى شيراك وقالت المتحدثة باسم الرئاسة حينها إن "شيراك أعرب لجوسبان عن شعوره بالصدمة" بسبب تصريحاته. وسلّط الحادث الضوء على الصعوبات حيال التعامل مع ملفات السياسة الخارجية حين لا يكون رئيس الوزراء من رجال رئيس الجمهورية.

مناطق نفوذ في الدبلوماسية

حدد سامي كوهين، أستاذ العلوم السياسية السابق في جامعة باريس والمتخصص في قضايا الدفاع والشؤون الخارجية، في كتابه "السياسة الخارجية بين الإليزيه وماتينيون" ثلاث مناطق نفوذ بشأن ما يتعلق بالدبلوماسية:

  • الأولى: رئاسية
  • الثانية: حكومية
  • الثالثة: تعمل على مسارين مختلفين بتسييرين مشتركين حيث لا يستطيع الرئيس التصرف دون موافقة الحكومة والعكس صحيح.

الحالة الثالثة، بحسب كوهين، هي التي يمكن أن تسبب أكبر قدر من العوائق بين رئيسي السلطة التنفيذية الفرنسية.

وقال كوهين إن الأمر يتعلق أساساً بعوائق ترتبط بمواقف متباينة حيال "العمليات العسكرية والقرارات الرئيسية في شؤون المجتمع" مضيفاً: "مع ذلك، حتى لو كان للرئيس في نظام الجمهورية الخامسة رأي في السياسة الخارجية، فإن ديامانتوبولوس، السياسي الخبير في شؤون السياسة الفرنسية، يدرك أنه في حالة المساكنة "سيتعرض تماسك السياسة الخارجية الفرنسية للخطر وستكون مصداقيتها خاضعة للتهديد في أعين الأوروبيين".

من يحدد التوجهات الدبلوماسية؟

يوضح بنيامين حداد، مدير الفرع الأوروبي لمركز أنتلانتيك للأبحاث مقره واشنطن، ما يلي: "في فترة المساكنة، لا يزال رئيس الجمهورية هو الذي يحدد التوجهات الدبلوماسية الرئيسية وهو الذي يمثل فرنسا في الخارج".

لكن حداد يوضح في تصريح لموقع "يوراكتيف" الإلكتروني الإخباري "وجود شكل من الشلل الداخلي أو الضعف المؤسساتي الذي يعيق نفوذ فرنسا في الخارج" في إشارة منه إلى الحالة التي يكون فيها رئيس الوزراء من خارج التوجه الحزبي للرئيس.

ويتابع قائلاً: قد تنشأ مشاكل تضرب تماسك السياسة الخارجية في حالة المساكنة وغالباً ما تبرز الصراعات الداخلية الفرنسية وتنقل إلى الخارج فتضعف صورة البلاد.

العلاقة مع الاتحاد الأوروبي وروسيا؟

يرى بنيامين حداد أن ما يجعل احتمالية المساكنة أكثر إشكالية هو أنه "في حالة وجود قوتين معارضتين للرئيس ماكرون، أي (التجمع الوطني) أو(فرنسا الأبية) فإننا سنشهد اختلافات جوهرية تسم طبيعة العلاقة مع الاتحاد الأوروبي والعلاقة مع روسيا بل وحتى مع الحلفاء".

يمكن لفرنسا، بحسب حداد، "أن تجد نفسها في حالة شلل تام" مع حكومة بقيادة ميلانشون أو لوبن، قد تعارض قرار ماكرون تسليم أسلحة إلى أوكرانيا أو إعلان فرض عقوبات معينة ضد روسيا".

ويضيف حداد أن تداعيات ذلك قد تتحول إلى حركة مناهضة لأوروبا في حال المساكنة، فتضع العراقيل أمام التماسك الأوروبي، وتضعف أوروبا في الوقت نفسه"، لأنه، دائماً بسبب حداد، إذا تراجعت فرنسا لأسباب سياسية داخلية عن تسليم الأسلحة لأوكرانيا أو عن فرض العقوبات الأوروبية، "فإن الصرح الأوروبي بأكمله سينهار".

ومهما يكن من أمر، فإن الانتخابات البرلمانية تعتبر بالنسبة لجان- لوك ميلانشون أملا يرتجى يدفع به للاستفادة من الزخم الذي حصل عليه أثناء الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، وإجبار ماكرون في حال لم يحصل على الأغلبية، على التعامل معه بوصفه زعيم الأغلبية اليسارية في البرلمان، وهي مساكنة صعبة قد لا يكتب لها البقاء.

وحتى إذا حصل حلفاء ماكرون على الأغلبية أو توصلوا لاتفاق لتشكيل ائتلاف فعال، ستحدد الانتخابات البرلمانية شكل الحكومة التي سيعتمد عليها ماكرون في خطط الإصلاح التي ستكون بمثابة تغيير غير مسبوق في برامج الرعاية الاجتماعية في فرنسا على وجه الخصوص.