يرى ميلبورن أن المسؤولية يجب أن تبدأ من المدرسة الابتدائية في تحديد الأطفال المعرّضين للخطر، على أن تتولى المدارس الثانوية والخدمات المساندة بعد ذلك مهمة التدخل وتوجيههم نحو مسار بديل.
تتجه الحكومة البريطانية نحو تبنّي مقترح يقضي بإلزام المدارس الابتدائية في إنجلترا برصد الأطفال الذين قد ينتهي بهم المطاف، عند بلوغ سن السادسة عشرة، خارج منظومات التعليم والعمل والتدريب، في محاولة لمعالجة أزمة البطالة بين الشباب قبل تفاقمها.
ويأتي هذا التوجه ضمن مراجعة حكومية شاملة لملف بطالة الشباب، يشرف عليها وزير الصحة السابق عن حزب العمال، آلان ميلبورن، الذي يعمل على صياغة حزمة إصلاحات واسعة تشمل قطاع التعليم إلى جانب نظام الإعانات الاجتماعية، بهدف مواجهة الارتفاع المتزايد في أعداد الشباب المصنفين ضمن فئة NEET، أي غير المنخرطين في التعليم أو العمل أو التدريب.
"العلامات تبدأ منذ الطفولة المبكرة"
في تصريحات لصحيفة "الغارديان"، شدّد ميلبورن على أن الحكومة تحتاج أولاً إلى تحديد "جهة مسؤولة" عن اكتشاف هؤلاء الأطفال ومتابعتهم بالدعم حتى سن 24 عاماً، موضحاً أن إشارات الخطر ليست وليدة المرحلة الثانوية، بل "تظهر منذ سن مبكرة جداً، ربما حتى قبل دخول المدرسة نفسها".
ومن هذا المنطلق، يرى ميلبورن أن المسؤولية يجب أن تبدأ من المدرسة الابتدائية في تحديد الأطفال المعرّضين للخطر، على أن تتولى المدارس الثانوية والخدمات المساندة بعد ذلك مهمة التدخل وتوجيههم نحو مسار بديل.
ويكتسب هذا النقاش إلحاحه من واقع مقلق، فقد تجاوز عدد الشباب بين سن 16 و24 عاماً المصنفين ضمن فئة NEET حاجز المليون شخص في وقت سابق من هذا العام، وهي المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك منذ أكثر من عقد. ويعني ذلك أن واحد من كل ثمانية شباب بريطانيين يقع اليوم خارج منظومة التعليم أو العمل، مع وتيرة تصاعد تفوق ما تشهده دول أخرى مقارنة.
ولم يكن مصادفة أن يجعل آندي بورنهام، الذي يقود الحكومة حالياً، من توظيف الشباب أولوية مبكرة، إذ بدأ في إعادة هيكلة برامج التعليم التقني والتدريب المهني منذ الأسابيع الأولى لتوليه المنصب، بالتوازي مع تحضير حزب العمال لإصلاحات جديدة في نظام الرعاية الاجتماعية.
"الإعانات وحدها لا تكفي"
رغم أن إصلاح نظام الإعانات سيحتل حيزاً مهماً في التقرير الختامي لميلبورن، فإنه يرفض اختزال الحل في تقليص المدفوعات، معتبراً أن وصول أي شاب إلى مرحلة الاعتماد على الإعانات هو في جوهره "فشل مبكر" في منظومات التعليم والصحة والمهارات.
ويقول ميلبورن إن المطلوب هو تسريع الدعم التعليمي وتوسيع الفرص أمام الشباب لتسهيل حصولهم على عمل، على أن يترافق ذلك مع التزامات واضحة من الطرفين، الدولة والشاب على حد سواء. وهو موقف يتقاطع مع رؤية بورنهام الذي يسعى لربط إصلاح الرعاية الاجتماعية بخطة أوسع لمعالجة تعثر بريطانيا في توظيف شبابها، مع تخصيص دعم إضافي لأكثر الفئات عرضة للخروج من سوق العمل.
"المشكلة تبدأ قبل السادسة عشرة بكثير"
خلال زيارة ميدانية إلى أيرلندا، التي نجحت في تحقيق أسرع انخفاض لمعدلات NEET داخل الاتحاد الأوروبي خلال العقد الأخير ، خرج ميلبورن بخلاصة مفادها أن انفصال الشباب عن التعليم أو العمل غالباً ما تُزرع بذوره قبل بلوغ سن 16 بوقت طويل، بل ربما قبل التحاق الطفل بالمدرسة أصلاً.
واستشهد بدراسة أُجريت في مدينة برادفورد، خلصت إلى أن الأطفال غير المستعدين للمدرسة في سن الرابعة أو الخامسة كانوا أكثر عرضة بثلاثة أضعاف تقريباً لأن ينتهي بهم الأمر ضمن فئة NEET عند سن 16 أو 17 عاماً.
ووفق المقترح الذي سيتضمنه التقرير النهائي، ستُطالَب المدارس الإنجليزية بمتابعة الأطفال المعرّضين للخطر اعتباراً من نهاية المرحلة الابتدائية، بالاستناد جزئياً إلى سجلات الحضور. كما سيُطلب من وزارة التعليم تحديث إرشادات برنامج التمويل الإضافي المعروف بـ"Pupil Premium"، بحيث يُسمح صراحة باستخدام هذا الدعم المالي في برامج الدروس التعويضية والإرشاد الموجه للأطفال الأكثر عرضة للانفصال عن التعليم والعمل.
وتكتسب مسألة الحضور أهمية خاصة في ضوء البيانات الرسمية التي تُظهر تضاعفاً شبه كامل في أعداد التلاميذ الذين يعانون من غياب مستمر (يفوتون 10% فأكثر من أيام الدراسة) منذ جائحة كورونا، ليصل العدد إلى 1.3 مليون تلميذ خلال عامي 2024 و2025، مع ارتفاع في حالات الغياب الشديد التي تتجاوز نصف الوقت الدراسي.
وكان تقرير ميلبورن المرحلي الصادر في مايو/أيار قد كشف أن الغياب المستمر يرفع احتمال دخول الشاب فئة NEET بين سن 16 و18 عاماً بمقدار 3.9 مرة، ويزيد من احتمال بقائه خارج التعليم والعمل لفترة طويلة الأمد بمقدار 6.3 مرة.
وفي ختام حديثه، لخّص ميلبورن فلسفة المقترح بقوله: "علينا أن نتدخل مبكراً، لأن ما يحدث فعلياً هو أننا ندفع الثمن.. ثمن الفشل في التصرف في الوقت المناسب".