عاجل

"الهروب من ليبيا" .. معاينة للجرح الليبي المفتوح

 محادثة
"الهروب من ليبيا" .. معاينة للجرح الليبي المفتوح
Euronews logo
حجم النص Aa Aa

في الرابع من نيسان عام 2019 أمر القائد العسكري الليبي خليفة حفتر جيشه الذي يطلق عليه" الجيش الوطني الليبي" بالسيطرة على العاصمة طرابلس.

مهمة حفتر: "تطهير المنطقة من الجماعات الإرهابية"

لكن القوات الموالية لرئيس حكومة الوفاق المعترف بها دولياً فائز السراج تعهدت بوأد "محاولة الانقلاب".

خلال شهر واحد، أكثر من 400 شخص قتلوا، وشرد خمسون ألفاً، لتغرق ليبيا أكثر في الفوضى التي يحاول الجميع الهروب منها.

"الهروب من ليبيا" وثائقي من انتاج يورونيوز، يلقي نظرة أقرب على الأوضاع في الجحيم الليبي في طرابلس الغرب بظل النزاع الدائر حول السيطرة على العاصمة، نزاع بين قائد عسكري يحلم بالتوسع وحكم البلاد بحجة محاربة الإرهاب ويحظى بدعم دول عدة، وحكومة معترف بها دولياً تقول إنها تسعى لحل سياسي يرسي الاستقرار في البلاد ويتهمها خصومها بتبني الإرهاب ورعايته.

"عالقون"

نحو أي جهة تولي نظرك، تطالعك معالم السوء الذي بلغته الأمور في ليبيا.

الدولة التي كانت يوماً ما واحدة من أغنى الأمم الأفريقية، ترزح تحت الفوضى والخراب، منذ أطاحت بحكم معمر القذافي انتفاضة مدعومة من حلف الناتو، لدرجة تدفع بالبعض هنا لنبش الذاكرة والعودة للحقبة التي كانت تحكم فيها ليبيا بقبضة حديدية.

يقول وضاح القش وهو مقاتل سابق: "أنا لا أمتدح معمر القذافي. معمر القذافي كان ديكتاتوراً ولم يفعل أي شيء جيد لليبيا على مدى أربعة عقود. لكن رجلاً واحداً في السلطة أفضل كثيراً من كل هذا".

قبل ثمانية أعوام كان عمر وضاح اثنين وعشرين عاماً فقط، شارك في الثورة لأنه رغب بالتغيير.

يضيف: " تفاءلت حقاً، أعني، كل مرة أكون هنا أشرب الجعة في الشوارع، كل مرة أسمع طلقات الرصاص، هناك شيء ما بداخلي يتحرك.

بلاد بدون القذافي، بدون ديكتاتورية، بدون كل هذا. لكنها كانت ككذبة نيسان، كلنا خدعنا، هذا رأيي.

بعد ألفين وأربعة عشر، انهار كل هذا، كل ذلك الأمل، كل ذلك التفاؤل، كله تبخر برأيي، لا شيء سوى الحرب، لا شيء سوى الصراع. لاشيء سوى أطفال يصابون ويبكون. هذا سيء، فعلاً سيء".

والوضع يتجه للأسوأ،منذ وصول موجة جديدة من العنف لأطراف العاصمة الليبية، حيث يتبارى لاعبون عدة في صراع على السلطة لم يجلب سوى الموت والخراب.

اليأس يتجسد في جيل كامل من الليبيين العاطلين عن العمل حالياً كوضاح.

لقد اكتفى من القتال، وبات يمضي وقته بأفضل طريقة متاحة،منذ بدء الصراع مجدداً وهو يتطوع في أحد الملاجئ، حيث يجد مهاجرون مأوى بعد هروبهم من مراكز الاعتقال.

أغلبيتهم أتوا إلى ليبيا لمحاولة الوصول منها إلى مكان آخر، والآن هم عالقون، تماماً كوضاح.

يقول منير، وهو طالب لجوء أرتيري: "ليس لدي طموح بالذهاب إلى دولة معينة، سأذهب إلى أي دولة تستقبلني.

دولة آمنة حيث يستطيع أولادي تلقي التعليم وحيث أستطيع التكلم بحرية والتعبير عن نفسي".

لا يستطيع منير وزوجته وأولاده الثلاثة تحديد كم من الوقت استغرقت رحلتهم للوصول إلى ليبيا من أرتيريا.

عند وصولهم، تم إلقاء القبض عليهم واحتجازهم، بالتزامن مع اندلاع الحرب الثالثة منذ سقوط القذافي عام 2011 .

في هذه المقاطع التي تم التقاطها من قبل أشخاص غير محترفين، تظهر ميليشيات ليبية يعتقد أنها تتبع لخليفة حفتر أثناء هجومها على مركز اعتقال يحتجز فيه مهاجرون ولاجئون.

نسأل منير إن كان هو من يظهر في المقطع: هل هذا أنت؟

منير كان هناك.. ورأى كل شيء: "أتى إلينا أشخاص مسلحون وبدأوا بمصادرة هواتفنا وأموالنا. كنا ثلاث مجموعات. تم إطلاق الرصاص على ثمانية عشر أو عشرين شخصاً، بدأ الناس بالصراخ. ليبدأ المسلحون بعدها برش الغرفة بالرصاص بأسلحتهم الآلية".

يعتقد أن سبعة أشخاص قتلوا ذاك اليوم، وأصيب العشرات.

ليبيا ليست من الموقعين على اتفاقية عام 1951 الخاصة بأوضاع اللاجئين ولا تملك نظام لجوء، وبموجب اتفاقية وقعتها عام 2017 مع الاتحاد الأوروبي، فإن كل شخص يدخلها بشكل غير قانوني أو يقبض عليه وهو يحاول عبور البحر المتوسط سيودع في مركز احتجاز، الجميع، بما فيهم الحوامل، والأطفال.

بانتظار العودة الطوعية أو الترحيل، يقبع حالياً نحو ستة آلاف شخص في واحد من مراكز الاعتقال الستة والعشرين في البلاد.

بحسب المنظمات الإنسانية فهذه الأماكن تعتبر مسرحاً لانتهاكات حقوق الإنسان كالعمل القسري، والتعذيب والانتهاك الجنسي.

استطاعت يورونيوز الدخول إلى أحدها، مركز شهداء النصر في الزاوية.

على بعد 30 كيلومتراً فقط من ميناء صبراتة، تقع بؤرة عمليات تهريب البشر إلى أوروبا، هذه المناطق من الخطورة بمكان أن اضطرت إلى مرافقتنا سيارتا شرطة.

مجموعة أخرى من الحرس أخذتنا عبر مصنع الإطارات الذي تم تحويله لمركز اعتقال.

صورونا أثناء الجولة، وحددوا لنا أين يمكننا الذهاب وأين لا يمكننا، واستمعوا لكل مقابلة أجريناها، ورغم أن طالبي اللجوء كانوا حذرين إلا أنهم كانوا متشوقين في الوقت نفسه للحديث.

يقول إيميوتان وهو طالب لجوء أرتيري: "نحن ضحايا، نحن ناجون، نحن ضحايا حرب، لذا نحن بحاجة مساعدة من أي منظمة، ليس فقط من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بل أي منظمة أخرى بوسعها مساعدتنا لأننا في منطقة حرب ونحتاج المساعدة".

وعندما سألنا إيميوتان كيف يعامل هنا، وكيف تبدو الظروف في هذا المكان؟

قام باختلاس نظرة إلى الحراس وقال: "مقارنة بقصر بن غشير هذا المكان أفضل، لدينا حرية التجول هنا. لكن هناك مشاكل: إنه مكان مزدحم، كل فراش يتشاركه اثنان، لكن بقية الأمور جيدة كالطعام وغيره"، ويضيف:"نحتاج مكاناً آمناً، في أي دولة، إذا كان ذلك أفضل لنا، مكان آمن".

غادر إيميوتان أرتيريا قبل عامين، وافترق عن زوجته وطفله ذي الخمسة أعوام في الطريق، ولم يعرف عنهما شيئاً منذ ذلك الحين.

أما ساتاروسم إبراهيم، وهو طالب لجوء صومالي، فأجابنا عندما سألناه منذ متى وهو في ليبيا: "من أكثر من عامين. هربنا من بلادنا بسبب الحرب، لكن ليبيا بلد آخر يعاني من الحرب لذا نحن لسنا آمنين. الحرب في كل مكان في ليبيا، لذا نحتاج لإخلاء طارئ".

ترك ساتاروسم بيته في الصومال عندما كان في الخامسة عشرة. عبر كينيا وأوغندا وجنوب السودان والسودان للوصول إلى ليبيا، يؤكد أن رحلته كانت طويلة وصعبة، استغرقت ثلاثة أشهر على الأقل، وكثر قضوا خلال الرحلة في الصحراء.

لم يسمح لنا بتبادل الأرقام مع اللاجئين، ولا سمح لنا بدخول عنبر الرجال.

في عنبر النساء بدأ الأمر يتوضح، لا يهم موقع وماهية مركز الاحتجاز فدائماً هناك معيار مشترك: الاكتظاظ، أكثر من 850 شخصاً ينامون على الأرض في مستودعات مشتركة.

لكن على الأقل يتم فصل الرجال عن النساء ويحظى الأطفال بمساحة للعب.

يقول أحد الحراس في مركز للاعتقال: "نواجه تحديات من حيث المجاري والصرف الصحي، والأغطية والفرش، هذه بعض التحديات الرئيسية التي نواجهها. المنظمات غير الربحية تعدنا بالكثير لكن المشاكل باقية والمهاجرون يفقدون الصبر. يقولون "نريد هذا الآن، لقد وعدتمونا".

لذا نعم هناك تحديات. وحتى اللحظة لا نملك شيئاً سوى وعود فارغة. نحن نحاول أقصى ما بوسعنا".

الاعتقال المفتوح، أو الاحتجاز دون محاكمة هي انتهاكات لحقوق الإنسان، سألنا الضابط المسؤول عن المركز إن كان على علم بأشكال أخرى من الانتهاكات: "هل لاحظت أخطاء ترتكب في هذا المركز؟

ليجيب: "لا لم أر شيئاً كهذا أبداً، ليس في هذا المركز، لم يحصل شيء كهذا".

تجنبنا سؤال اللاجئين إن كانوا واقعين تحت ضغط أو إكراه، فهم لم يكونوا ليتمكنوا من إعطائنا جواباً صادقاً، إضافة إلى أنهم يملكون أسئلة أكثر، بما فيها السؤال المؤلم عن متى سيتم إطلاق سراحهم.

هناك على الأقل أربعة مراكز احتجاز أخرى في طرابلس وحولها، ومنذ الرابع من أبريل تتعرض بشكل متكرر للصراع المتصاعد.

المنظمات الإنسانية تدق ناقوس الخطر، وتقول إن الوضع رهيب.

رئيس بعثة أطباء بلا حدود إلى ليبيا، سام تيرنر حدثنا عن الأوضاع الإنسانية في هذه المراكز: "مراكز الاعتقال لم يتم إنشاؤها لإسكان الناس، غالباً هي مستودعات تستخدم حالياً لتخزين البشر عوض البضائع.

نطلق على الزنزانات اسم مستودعات بسبب حجمها الكبير وطولها وكونها غرف مفتوحة يتم حشر مئات الأشخاص داخلها والإقفال عليهم.

ينام الناس هنا على أراض اسمنتية أحياناً بوجود أفرشة رقيقة جداً فقط، مع إمكانية تواصل ضئيلة مع العالم الخارجي.

هؤلاء المحتجزون عالقون بكل تأكيد، غالباً محبوسين داخل زنازينهم وغير قادرين على المغادرة.

عدة مراكز احتجاز تقع على الجبهات وخط النار أثناء القتال الدائر خارجها.

كذلك لم تسلم المراكز الأخرى، الأبعد عن الجبهات من القتال حيث تشهد الأحياء المدنية قصفاً وغارات جوية، لذا الأشخاص المحتجزون هنا معرضون لخطر كبير من الصراع مساوٍ لخطر الاحتجاز حيث لا يمكنهم الفرار وإيجاد الأمان في مكان آخر".

مراكز احتجاز المهاجرين في ليبيا تدار من قبل إدارة محاربة الهجرة غير الشرعية، والتي تستمد شرعيتها من وزارة الداخلية.

استطعنا تامين لقاء مع وزير الداخلية الليبي فتحي بشاغا لسؤاله عن السبب وراء هذا المشهد السيء اليوم، فعلق قائلاً: "وصفت مرة ليبيا بالطبيب المريض المطلوب منه معالجة المرضى.

بسبب معاناة البلاد من مشاكل داخلية، منذ سقوط الدولة لم تستطع ليبيا تقديم خدمات كافية حتى للليبيين، ويطلب الاتحاد الأوروبي منا تأمين السواحل ومحاربة تهريب البشر والتعامل مع الهجرة غير الشرعية على أساس المعايير الدولية.

ليبيا لديها العديد من المشاكل الأخرى، مشاكل خدمية وأمنية واقتصادية ومسألة الإرهاب".

تعاني ليبيا كذلك من مشكلة "الميليشيات"، أعداد ضخمة من المجموعات التي تقاتل في سبيل الأرض والسلطة، بعض ممن يستخدمون أسلحة جمعوها خلال سنوات غاب فيها القانون وعمت فيها الفوضى يشاركون في أعمال أخرى تدر أرباحاً أكبر كالاتجار بالبشر.

فاطمة وهي طالبة لجوء أرتيرية، كانت من بين من عانوا من هذه المشكلة، عائلتها بأكملها أخذت واحتجزت لأسابيع عدة، تقول: "كانوا يضربونني، لم يكن بيدي فعل أي شيء، لم يقدموا لنا الطعام لأيام، وكان علي إرضاع أطفالي".

زوج فاطمة ما زال مفقوداً، هي هربت مع بناتها الثلاثة، وتقيم حالياً في مدرسة حولت إلى ملجأ وسط طرابلس، هنا حيث التقينا منير وعائلته، وحيث يتطوع وضاح. أحدهم لا يملك فكرة عن ماذا سيحدث لاحقاً، إن كانت هذه المدرسة ستعيد فتح أبوابها للطلاب ومتى، وإن كان اللاجئون والمهاجرون سيحتجزون مجدداً.

وضاح مثلاً قد ينتهي به الأمر على جبهات القتال.

يعلق وضاح: "بالنسبة للاجئين، الأمر فعلاً انتقال من جحيم إلى آخر، ليبيا جحيم حالياً، ليبيا فعلياً تحولت إلى جحيم وهو ليس شعوراً يتملكهم فحسب. نحن أيضاً نحس بهذا، نحن من عشنا هنا، وولدنا هنا، وسنموت هنا".

"السياسة"

الموت في ليبيا ليس بتلك الصعوبة، وبالنسبة لكثر هنا، القوى الغربية تتحمل جزءا كبيراً من المسؤولية.

محمد خليل عيسى، قائد كتيبة يثرب والقيادي في عملية البنيان المرصوص يتهم دولاً بعينها: "فرنسا، ولا أقصد الشعب الفرنسي، أقصد ماكرون، هو الذي دعم حفتر. أي شخص يموت هنا ماكرون مسؤول عن موته. الدول العربية الثلاثة مصر والإمارات والسعودية تدعم حفتر، لكن ماكرون هو الشيطان الأكبر بينهم. ماكرون كان من بين داعمي حفتر سياسياً، وشارك حتى عسكرياً معه".

دعينا إلى الإفطار خلال رمضان من قبل الكتيبة قرب الجبهة، حيث استضافنا القائد محمد خليل عيسى وجنوده من مصراتة تملؤهم الحماسة لإظهار معنوياتهم المرتفعة.

ألوية ميليشات مصراتة 235 تعد من ضمن أقوى القوات في ليبيا، هؤلاء هم من حققوا النصر في معركة سرت التي كانت تشكل آخر جيوب داعش في البلاد. عيسى أراد لنا أن نلاحظ المفارقة الكامنة باعتبار الرجال الذين طردوا الجماعة الإرهابية من البلاد في 2016 مصدراً للإرهاب حالياً.

وفي منزل حوِّل لمستشفى ميداني قرب الجبهة أرانا ساعات من تسجيلات الفيديو يظهر فيها رجاله في سرت، يقول عيسى: "هؤلاء الذين يقاتلون مع حفتر الآن لم يحاربوا الإرهاب، نحن فعلنا، قدمنا تضحيات، كانت حرباً حقيقية، خضناها لسبعة أو ثمانية أشهر، وتسببت باستشهاد أكثر من 700 شخص وإصابة 18 ألف شخص. حفتر، تقول إنك تحارب الإرهاب في طرابلس وأن هؤلاء إرهابيون؟ هؤلاء الرجال حاربوا الإرهاب!"

هؤلاء الرجال يقولون إنهم يدافعون عن بلادهم ومستقبلها.

يعتقدون أن هدف حفتر الحقيقي هو الظفر بالقوة العسكرية والتحول لحاكم بفعل الواقع في ليبيا، وتدمير المشروع الديمقراطي في البلاد.

وفي الوقت الذي يقاتل فيه البعض بالمدفعية لإرساء الاستقرار، يقول آخرون إنهم لم يفقدوا الأمل ببلوغه عبر العملية السياسية.

بعد الانفصال الفعلي بين الشرق والغرب، تم إنشاء مجلس جديد للنواب في طرابلس، من قبل أعضاء معينين ذاتياً قالوا إن ولاية إدارة طبرق الأخرى قد انتهت صلاحيتها، يجتمعون في مركز المؤتمرات هذا، ليرسموا صورة تعبر بدقة عن حالة المؤسسات الليبية اليوم، حيث تشكل ثقوب طلقات الرصاص جزءاً من المشاهد الطبيعية في المدينة، وحيث لا مياه جارية في دورات المياه والكهرباء غير منتظمة.

في سياق كهذا.. تجرأت وسألت عن العرض الأوروبي حول إجراء انتخابات في ليبيا، فأجاب الناطق باسم مجلس النواب في طرابلس، حمودة سيالة: "نحن لسنا بخبراء، ليست لدينا هذه الخبرة التاريخية بالديموقراطية. في الديموقراطية أعتقد أنه يجب عليك أن تقبل النتائج، إذا لم تكن في السلطة فأنت في المعارضة، لا نملك هذه المصطلحات والمفاهيم.

عندما كان هناك حديث عن انتخابات العام الماضي في باريس كنت مصدوماً وكنت أعلم أنها لن تكون مهمة سهلة".

بعد بضعة أيام من زيارتنا، بدأت الحرب بفرض نفسها على السياسة.

أصاب صاروخ مبنى مجلس النواب، وقامت ميليشيات باختطاف أحد أعضائه.

سألنا سيالة عن ماهية ما ينتظر ليبيا فقال إن هناك سيناريوهين : "بوجود حفتر في المشهد لا أرى شخصياً أي اختراق سياسي في الأفق، لكن إن خرج من المشهد قد نحظى بعملية سياسية نتوجها بانتخابات خلال ثمانية عشر أو أربعة وعشرين شهراً".

"الإيمان.. الهروب.. والمستقبل"

بما أن الإيمان بوجود حل سياسي في ليبيا أصبح واهناً للغاية، يبقى الإيمان بما هو أكبر مصدر أمل وحياة للبعض، هذه الكنيسة تمثل مأوى ومساحة آمنة.

بالنسبة لدانيال وهو طالب لجوء أرتيري، حاول عبور المتوسط ثلاث مرات، العودة ليست خياراً مطروحاً، لذا قد يحاول مجدداً: "سأحاول لأن الحياة في ليبيا صعبة للغاية، للغاية. إذا كان أمامي خياران، الموت في البحر أو العيش في ليبيا، سأختار الموت في البحر، فعلاً".

بالنسبة لآلاف الأشخاص، بعضهم هارب من الحرب وبعضهم من الفقر، ليبيا هي معبر، هي نقطة مرور، طريق للوصول لمكان آخر جديد، لكن بعض الأحيان، أو في كثير من الأحيان، تتحول ليبيا لنقطة النهاية.

خلال السنوات الخمس الأخيرة، قرابة عشرين ألف شخص فقد أثرهم أثناء محاولتهم عبور البحر المتوسط، وفقاً للمنظمة الدولية للهجرة أكثر من ثمانية آلاف منهم أصبحوا في عداد الأموات، مجزرة يحمِّل كثيرون مسؤوليتها لأوروبا.

رمت سياسة الهجرة الأوروبية جزءاَ كبيراَ من مهمة مراقبة حدود دول الاتحاد على عاتق ليبيا، فبات خفر السواحل الليبي يتلقى التدريب والأموال والمعدات من الاتحاد الأوروبي لقاء القيام بدوريات مراقبة في المتوسط.

عن هذا يقول الفريق أيوب قاسم، الناطق الرسمي باسم القوات البحرية الليبية: "للأسف الاتحاد الأوروبي قصر تعامله مع خفر السواحل الليبي والبحرية الليبية بالاهتمام الدائم بالهجرة غير الشرعية، وهذا نعتبره نظرة قاصرة ونظرة فيها نوع من البراغماتية، نحن ننظر لعملنا كخفر سواحل في البحرية الليبية نظرة كاملة تتعلق بسيادة ليبيا، وبمحاربة كل الأعمال غير القانونية سواء هجرة غير شرعية أو غيرها. نحن عندما نكافح الهجرة غير الشرعية، لا نكافح بالمنظور الأوروبي، نحن نكافح بمنظور ورؤية ليبية خالصة، وهذه الرؤية نراها الأجدى للأمن والسلم العالميين".

وفيما يتعلق بالمقاربة المثيرة للجدل أحياناً فيما يخص اعتراض المهاجرين في البحر، حيث تتهم ليبيا بالتخلي عن المهاجرين واللاجئين وتهديد آخرين بقوة السلاح - يقول الفريق أيوب قاسم إن ليبيا تحاول إيصال رسالة للمهاجرين: "نحن لا نحارب المهاجرين، نحن نحارب ثقافة الهجرة. نريد أن ننزع من عقلية المهاجر غير الشرعي أن ليبيا بلد مفتوح من الجنوب ومن الشمال، في أي وقت أراد الدخول إليها والخروج منها".

أنفق الاتحاد الأوروبي حوالي 200 مليون يورو في خطة تهدف إلى وقف الهجرة عن طريق ليبيا، وخصص منها 32 مليون يورو للتوسع بتدريب خفر السواحل الليبي.

يقول الليبيون إن هذه الأموال لم تكف إلا لشراء ستة زوارق إيطالية قديمة.

صعدنا على متن أحدها للقيام بدورية ليلية روتينية،على بعد 60 ميلاً بحرياً شمال غرب طرابلس، هذا المساء، يسعى الضباط لكشف عمليات تهريب بشر وعمليات صيد غير قانوني، وعمليات تهريب مخدرات ووقود.

لكن في منتصف الطريق إلى وجهتنا، أجبرنا على الدوران والعودة:

نصل الآن إلى طرابلس، أحوال الطقس كانت من السوء بحيث أجبرتنا على اختصار الجولة الليلية.

القائد كان يشرح لنا كيف أن مواردهم القليلة لا تؤهلهم للقيام بهذه العمليات.

ورغم أن الأمواج لم تكن عالية كثيراً لكنها أجبرتهم على العودة.

الأمواج الضخمة، والرياح العاتية هي ظروف جوية عادية عندما يتعلق الأمر بالدوريات البحرية، لكن الليبيين لا يستطيعون العمل تحت هذه الظروف.

منذ تجدد الصراع، شهد تصاعد موجات الهجرة غرق أكثر من مئة مهاجر ولاجئ، في حين تم اعتراض حوالي 871 شخصاً في البحر، تمت إعادتهم إلى ليبيا اعتباراً من السادس من حزيران للانضمام إلى آلاف العالقين في مكان لا مفر منه.

نسأل وضاح مجدداً: هل تفكر يوماً بفعل ما يقوم به هؤلاء الناس؟ الصعود على متن قارب والرحيل؟

يجيبنا وضاح: "دائماً، كل الوقت، كل الوقت، فقط أفكر ماذا لو ذهبت إلى هناك، ما الذي من الممكن أن أفعله؟ ما هي طبيعة العمل الذي يمكنني القيام به؟ هل سأدرس؟ تقريباً قمت بذلك مرة، كان ذلك قبل ثلاث سنوات، تقريباً فعلتها"

يورونيوز:"لماذا، ما الذي كنت تفكر به؟"

وضاح: "كنت أختنق، العالم كان مستمراً بالتضاؤل أكثر وأكثر، كانت الجدران تضيق علي. مضت عشر سنوات تقريباً وأنا أراوح مكاني، لم أحقق شيئاً في حياتي، أبلغ من العمر ثلاثين عاماً الآن. لا أملك منزلاً، ولا عملاً، لا أعرف ماذا يخبئ المستقبل لي.

يورونيوز: "هل تشعر أن ليبيا هي مكان قادر على توفير مستقبل لك؟"

وضاح: "لو كانت تدار بشكل جيد، نعم، كانت لتوفر لكل شخص مستقبلاً أفضل، حتى اللاجئين كانوا ليحظوا بمستقبل أفضل هنا.

لكن إن تركت كما هي الآن، فليس هناك مستقبل لأي شخص".

--- طلبت يورونيوز إجراء لقاء مع القائد العسكري خليفة حفتر، وكذلك الإذن بالوصول إلى قواته**، لم نحصل على إجابة حتى لحظة إتمام هذا الفيلم.**

فريق العمل:

المراسلة: أنيليس بورخيس

المنتج: ياسين إبراهيم

مساعدة انتاج: أوريليان كوليه

لم تعد يورونيوز متاحة على Internet Explorer. لا يتمكن تحديث هذا المتصفح بواسطة Microsoft وأيضا لا يدعم آخر التطورات التقنية. نحن نشجعك على استخدام متصفح آخر ، مثل Edge أو Safari أو Google Chrome أو Mozilla Firefox