عاجل
المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

عائلات تستقل "قوارب الموت" في تونس طلبا للهجرة نحو أوروبا

محادثة
euronews_icons_loading
مرفأ بحري في مدينة صفاقس - تونس. 2020/09/11
مرفأ بحري في مدينة صفاقس - تونس. 2020/09/11   -   حقوق النشر  أ ف ب
حجم النص Aa Aa

تجلس التونسية مبروكة وأطفالها أرضا في غرفة حيث يتقاسمون طعاما، بالكاد يكفي لشخصين وتقول: "ليس لدينا حل، إما أن نموت جميعاً أو ننجح في الوصول إلى أوروبا"، بعد محاولتين فاشلتين لمغادرة تونس بحراً.

وتقول مبروكة (38 عاماً) مرتدية ملابس باهتة، في منزلها الذي تآكلت جدرانه، والذي لا يتوفر فيه الماء ولا الكهرباء في حي شعبي من مدينة صفاقس (شرق): "إذا توفر لي قارب سنحاول مرة أخرى من أجل علاج ابني".

الحال يضيق بالعائلات التونسية

حاول زوجها رؤوف حويج مرتين خلال شهري تموز/يوليو وآب/أغسطس، عبور البحر بطريقة غير قانونية مع كل أفراد العائلة، بعد أن ضاقت به الحال ولم يعد يجني من جمع البلاستيك وقطع الخردة، الذي كان يقتات منه، ما يكفي من المال لعلاج ابنه البكر أحمد (22 عاما)، المقعد منذ إصابته قبل خمس سنوات بنزيف حاد في الدماغ في حادث.

وحاول 8020 شخصا الهجرة بصورة غير قانونية من تونس، منذ مطلع العام وحتى منتصف أيلول/سبتمبر، بينهم حوالى 250 قاصرا، وفق احصائيات وزارة الداخلية التونسية.

وأوضح المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وهي منظمة غير حكومية متخصصة في ملف الهجرة غير القانونية، أن عدد الوافدين إلى السواحل الإيطالية منذ مطلع العام الحالي سجل رقما غير مسبوق منذ العام 2011، مع بدء تزايد أعداد القصر بين المهاجرين. وتقدر المنظمة أنه في العام 2011 تجاوز عدد الواصلين 22 ألفا.

حوالي 100 عائلة وصلت إلى إيطاليا

ويقول المكلف بالاعلام رمضان بن عمر، إن المنظمة تقدر بحوالي ثمانية آلاف عدد المهاجرين غير النظاميين، الذين وصلوا إلى السواحل الإيطالية خلال الثمانية أشهر الأولى من العام الحالي، وإن ما بين تسعين ومئة عائلة تونسية وصلت إلى السواحل الايطالية.

لقد تم توقيف رؤوف في محاولته الثانية، وبقيت مبروكة وحدها تواجه وضعا صعبا مع أطفالها الخمسة، وهي تقول وعيناها دامعتان: "لم أقترف ذنبا، لم أسرق ولم أقم بجريمة، فقط سرقت البحر وحاولت"، مضيفة: "يئست من الحياة وازداد وضعي تأزما، أريد أن أعالج ابني، لا أطلب شيأ آخر".

وفي مقطع فيديو صورته العائلة بالهاتف خلال محاولة عبورها البحر في تموز/يوليو الفائت، يظهر الأب رؤوف يصرخ بوجه قوات من خفر السواحل طوقته وأجبرته على العودة إلى الميناء: "لا تلوموني على اصطحاب ابنائي، لم يلتفت لي أحد ولم يساعدني أحد".

قصر يظهرون في "رحلات الموت"

وعلى ظهر المركب، جلست زوجته مبروكة وكل أفراد العائلة يحيطون بالابن المقعد الممدد، وجهاز التنفس الاصطناعي مشدود لأنفه. وتقول الوالدة وهي أميّة: "توجهت للمسؤولين للإعانة، لم يستجب لي أحد، أعطوني فقط 180 دينارا (55 يورو) ثمن الضمادات"، وهي تشعر بخوف متواصل من أن يفارق أحمد الحياة في كل لحظة.

لقد شهدت حركة الهجرة غير النظامية عدة محطات منذ 2017، ولا سيما مع ظهور القصّر في هذه الرحلات، وهو ما بررته المنظمة موضحة أنه أصبح "هناك وعي" بأن القاصر يتمتع بالحماية عند وصوله السواحل الأوروبية وبالتالي لن يتم ترحيله.

وأوضح بن عمر إن العائلة التونسية كانت في السابق "عنصرا مقاوما" لهجرة أبنائها وتحاول صد هذه الخطط وإفشالها، ولكن "شيئا فشيا أصبحت العائلة محبطة ومثقلة بالأعباء وبالوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب، وأصبحت لا ترى مانعا في تمويل مشروع الهجرة لأبنائها وبدأت تشارك في عملية الهجرة".

محاولات لا تنتهي رغم رغم حالات الغرق

واتخذ رؤوف ومبروكة قرارهما إثر محاولات ناجحة لعائلات في منطقتهم تمكنت من الوصول إلى إيطاليا، "وهي في وضع جيّد وهناك من اتصل بنا وقال تعالوا لإيطاليا يمكن أن نعالج أطفالكم"، وفقا لمبروكة.

وتقول ابنتها آية (12 عاما) في المطبخ حيث تجلب بعضا من ماء المطر، الذي يتم جمعه لاستعماله في الطهي، "لا أعرف البحر، وكنت خائفة"، وبيت العائلة يبعد حوالى عشرة كيلومترات عن الشاطئ.

وتقول مريم شقيقة مبروكة البالغة 37 عاما، والتي قضى زوجها وابنها غرقا خلال محاولتهما عبور البحر: "أختي وزوجها على حق، ولو كنت مكانها لفعلت نفس الشيء".

أ ف ب
مبروكة تتحدث مع أختها مريم أمام منزلهما في أحواز مدينة صفاقس. تونسأ ف ب

"خيار عائلي وإحباط"

ويعتبر الباحث في علوم الاجتماع فؤاد غربالي أن هناك تحوّل إلى هجرة عائلية وهذا معطى جديد ولافت، فالهجرة باتت خيارا عائليا وهي محاولة لكسب تعاطف الجمعيات المناهضة للترحيل من أوروبا.

ويتابع الباحث: "الأطفال هم حبل نجاة لعدم الترحيل من أوروبا"، معللا ذلك بأن هناك حالة من الإحباط الجماعي المعممة، سببها بدرجة أولى الوضع المعيشي، كما أن سياسات الهجرة المتبعة من قبل الدول الأوروبية غير مرنة فالحصول على التأشيرة ليس أمرا سهلا، وفقا لغربالي.

وتعيش تونس منذ ثورة 2011 انتقالا ديموقراطيا تواجهه العديد من الصعوبات، منها ملف البطالة التي تبلغ 30 في المئة في بعض المناطق. وترسل مريم أطفالها لالتقاط الحلزون وطهيه للفطور، عندما لا تجد هي وأختها المال لشراء الطعام، وتقول بمرارة إن العيش في إيطاليا يبقى دائما أفضل بكثير من تونس.