المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

هل تمويل محاكم الطوائف من قبل الدولة اللبنانية يفسر وحده رفض المؤسسات الدينية الزواج المدني؟

Access to the comments محادثة
بقلم:  Samir Youssef  & Majid Abdulqader
ناشطات يتظاهرن في بيروت مطالبة بتشريع الزواج المدني الاختياري (أرشيف)
ناشطات يتظاهرن في بيروت مطالبة بتشريع الزواج المدني الاختياري (أرشيف)   -   حقوق النشر  Bilal Hussein/2010 AP

تستمد قوانين الأحوال الشخصية في لبنان مواد من الأحكام الدينية التابعة لكل طائفة من الطوائف الرئيسية في البلاد، والتي تتبع لها محاكم شرعية خاصة. في مسألة الزواج، تضع كل طائفة قوانينها بحسب تشريعاتها الدينية، وسط غياب قانون مدني شامل. 

غياب مثل هذا القانون المدني يشكل عقبة أمام الرجال والنساء الذين ينتمون لأديان أو طوائف مختلفة ويريدون الزواج، لذلك يلجأ هؤلاء إلى خيار الزواج خارج لبنان، وهي الحالة الوحيدة التي يتيح القانون اللبناني من خلالها تصديق العقود.

حالياً يثار جدل كبير حول قانون الزواج المدني الاختياري، في تجدد لجدل قديم في البلاد، يندلع كل فترة، مولداً مزيداً من الانشقاق بين جبهتين: الجبهة الدينية وأتباعها وجبهة مؤيدي الدولة المدنية.

الخلاف تجدد مؤخراً عندما عبر ثلاثة نواب من "التغييريين" الجدد خلال برنامج تلفزيوني محلي عن تأييدهم الزواج المدني. الأمر الذي أثار موجة من ردود الفعل، قد تكون هي الأعنف بحسب متابعين للشأن اللبناني.

أسباب الخلاف

يشرح الكاتب والصحفي اللبناني حسن فحص أسباب الخلاف على قانون الزواج المدني، الذي يصفه بـ "أزمة الطوائف"، ويقول "إن الزواج المدني بالنسبة للطائفة الشيعية على سبيل المثال لا يتعارض، إلا بجزئية يمكن حلها وهي الميراث". 

ويضيف فحص، وهو ابن رجل الدين الشيعي، المفكر الراحل هاني فحص،  في حديثه ليورونيوز أن "عائلات تتوقف عند مسألة الزواج المختلط (أي زواج شخصين ينتميان لدينين مختلفين)، فوفق الديانة الإسلامية يمكن للرجل المسلم أن يتزوج من امرأة مسيحية، لكن لا يمكن للمرأة المسلمة أن تتزوج من رجل مسيحي".

أما الطوائف المسيحية، يقول فحص إنها تعارض هذا المبدأ وتتشدد فيه أكثر، لأن الزواج يعتبر أحد أسرار الكنيسة". واعتبر أن هذه المعارضة تأتي للحفاظ على العصب الديني لكل طائفة.

يؤيد فحص الزواج المدني معتبراً أنه يحمي حقوق المرأة والطفل وكذلك الرجل، ولا يلتزم بالنصوص "المغلقة والمقفلة" للتشريعات الدينية.

الدولة تموّل المحاكم الدينية

نشرت مبادرة غربال اللبنانية وهي مبادرة تختص بالشفافية وحق الوصول إلى المعلومة، رسماً بيانياً يوضح الفرق بين الأموال التي يخصصها لبنان للمحاكم والمؤسسات الدينية المختلفة في البلاد، بالمقارنة مع الأموال المخصصة لثلاث وزارات. 

يظهر الرسم رصد أكثر من 41 مليون دولار للمؤسسات الدينية مقابل ما يقارب 25.5 مليون دولار لوزارات الصناعة والبيئة ووزارة الشباب مجتمعة في عام 2018.

وقال أسعد ذبيان المدير التنفيذي لمبادرة غربال ليورونيوز: إن هذه الأرقام تخص الموازنة وليس الإنفاق الفعلي.. لكن غالبا ما تُنفق بالكامل". 

وأضاف ذبيان "هذه الأرقام لموازنة عام 2018، آخر عام قبل الانهيار الاقتصادي، تبين أن ما صرف لثلاث وزارات يشكل 0.14 بالمئة من حجم الموازنة، بينما تخصص الدولة مبالغ أكبر للمحاكم الروحية، التي تتقاضى كذلك أموالا من الشعب ولا تدفع ضرائب.. هذه فضيحة بحد ذاتها".

تبين أن ما صرف لثلاث وزارات يشكل 0.14 بالمئة من حجم الموازنة، بينما تخصص الدولة مبالغ أكبر للمحاكم الروحية، التي تتقاضى كذلك أموالا من الشعب ولا تدفع ضرائب.. هذه فضيحة بحد ذاتها.
أسعد ذبيان
المؤسس والمدير التنفيذي لمبادرة غربال، الجمعية التي تعنى بالشفافية

"خوف على الموارد المالية"

يرى الكاتب اللبناني مكرم رباح أن الهجوم على بعض النواب الجدد بما يتعلق بالزواج المدني الاختياري شيء طبيعي كون المؤسسة الدينية لا تهتم بالدين بل بالموارد التي تأتي من عقود الزواج والسلطة التي تمارسها على الأشخاص.

رباح قال في حديثه مع يورونيوز إن الهجوم الذي حصل على "النواب السنة" (ثلاثة نواب سنة أيدوا فكرة الزواج المدني هم : إبراهيم منيمنة وحليمة قعقور ووضاح الصادق)،  يبين ضرورة أن تكون هناك سلطة مدنية تحمي كل الأطراف بمن فيهم المؤسسات الدينية.

أما فيما يتعلق بالأموال المخصصة للمحاكم يرى مكرم أن هذه أموال دافعي الضرائب ولا يجب أن تكون حكراً على هذه المؤسسات، لاسيما أنها مثل بقية مؤسسات الدولة الأخرى "غابة من الفساد والتجاوزات" ولا تحترم حقوق المرأة ولا حقوق الفرد.

بينما يرى رجل القانون، المحامي عصام خوري، أن هذه الأرقام إذا كانت مبررة فلا مشكلة، وإلا لا بد أن يعاد النظر بكل إنفاق الدولة وليس فقط في هذا الموضوع.

خوري وهو محام مقرب من التغييريين أكد ليورونيوز أن موضوع الزواج المدني سيُطرح في وقته المناسب ويوضع قيد النقاش مع كافة المكونات لطمأنه الجميع، مضيفا أن الأولوية الآن للشأن المعيشي المُلّح.

تاريخ الأزمة

ناقش البرلمان اللبناني عام 1951 قانوناً يتعلق بالزواج المدني، لكنه رُفض. وفي عام 1960 خرجت تظاهرات قادتها جمعيات علمانية تطالب بقانون مدني، ومن جديد عاد ليطرح في البرلمان عام 1975، وبعدها عام 1998 عندما طرحه رئيس الجمهورية حينها الياس الهراوي. 

وفي عام 1999 وافق مجلس الوزراء عليه أخيراً بأغلبية 21 صوتاً لكن رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري لم يوقع على المشروع ولم يقدمه إلى البرلمان للمصادقة عليه معتذراً بالقول "إن ظروف لبنان لا تسمح الآن بذلك".

عام 2014 أصدر مفتي الجمهورية اللبنانية الأسبق، محمد رشيد قباني، فتوى اعتبر فيها كل من يوافق من المسؤولين المسلمين على تقنين الزواج بقانون مدني "مرتد وخارج عن دين الإسلام ولا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين".

أما اليوم وبعد الحديث الجديد عن هذا القانون هدد شيوخ بشن حرب على كل من يفكر بإقرار القانون. لتبقى المسألة معلقة في لبنان حال الكثير من القضايا في هذا البلد الذي يمر بأزمة اقتصادية هي الأسوأ منذ سنوات.