لأول مرة.. الفلسطينيون في إسرائيل يملكون مفتاح حلّ الأزمة السياسية للبلاد

Access to the comments محادثة
بقلم:  Hassan Refaei
لوحة إعلانية لحملة انتخابية تظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ورئيس حزب الليكود بنيامين نتنياهو في بني براك،  25 أكتوبر، 2022.
لوحة إعلانية لحملة انتخابية تظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ورئيس حزب الليكود بنيامين نتنياهو في بني براك، 25 أكتوبر، 2022.   -   حقوق النشر  AP Photo

وسط حالة من الجمود السياسي، والتنافسٍ المحموم بين اليمين واليمين المتطرف، تنطلق في إسرائيل مطلع شهر تشرين الثاني/نوفمبر القادم، انتخاباتٌ عامة هي الخامسة خلال أقل من أربع سنوات، وفيما تشهد البلاد انقساماً بشأن إمكانية عودة رئيس الوزراء الأسبق بنيامين نتنياهو، المتهم بقضايا فساد، فإن استطلاعات الرأي تتوقع فوزه وأن يشكّل حكومة هي الأكثر تشدداً في تاريخ إسرائيل.

لكنّ ثمة معطىً في إسرائيل يمكنه قلب الموازين ودحض التوقعات، ويتمثل ذلك بالفلسطينيين حاملي الجنسية الإسرائيلية والذين يشكّلون خمس عدد سكان البلاد، إذ كلما ارتفعت نسبة إقبال هؤلاء على المشاركة في التصويت، كلّما تعززت فرص فوز معارضي نتنياهو في الانتخابات.

يقول الباحث في معهد الديمقراطية الإسرائيلي والخبير في السلوك الانتخابي العربي بإسرائيل، أريك رودنيتزكي: "لا أكاد أذكر أن ثمة حملة انتخابية (شهدتها إسرائيل) اعتمدت بكليتها على تصويت المواطنين العرب".

وتتوقع غالبية استطلاعات الرأي أن تنخفض نسبة المشاركة في الانتخابات ضمن أوساط المجتمع الفلسطيني في إسرائيل إلى مستويات غير مسبوقة، وعلى الرغم من وجود حزب عربي في الائتلاف الحاكم المنتهية ولايته، ولأول مرة في تاريخ البلاد، فإن هذا لا يشكّل حافزاً للناخبين من فلسطينيي 48 الذين لطالما خاب أملهم جراء تفشي الجريمة وارتفاع تكاليف المعيشة وفقدان الأمل في التغيير من داخل النظام السياسي الإسرائيلي.

وضم الائتلاف الحالي "القائمة الموحدة" للحركة الإسلامية بقيادة النائب منصور عباس. لكنّ "القائمة المشتركة"، التي يقودها رؤساء ثلاثة أحزاب هم أحمد الطيبي "الحركة العربية للتغيير"، وأيمن عودة "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة" وسامي أبو شحادة "حزب التجمع الوطني الديمقراطي"، رفضت الانضمام إلى الائتلاف الحاكم الذي وصفته بـ"اليمين المتطرف". وفي الانتخابات الأخيرة، شغلت الأحزاب العربية 10 مقاعد في الكنيست من أصل 120 مقعداً، بعدما تفكّكت القائمة العربية المشتركة التي كانت حصلت على 15 مقعدا في عام 2015 وضمّت أربعة أحزاب.

المقاعد العربية في الكنيست

ولا ريب أنه كلّما ازدادت نسبة إحجام الفلسطينيين عن المشاركة في الانتخابات، كلّما تعززت فرص الفوز لنتنياهو الذي لطالما لعب خلال مسيرته السياسية الطويلة على التوترات العرقية لحشد الدعم لحزبه القومي "الليكود"، والمفارقة هنا أنه لم يكن يدخر جهداً في محاولات الحصول على دعم من الناخبين العرب الذين كثيراً ما استخفّ بهم لتعزيز فرص حزبه.

وتتوقع استطلاعات الرأي أن تحصل الأحزاب العربية على 8 مقاعد في الكنيست، بعدما حصلت على 15 مقعداً في انتخابات العام 2020، وفي حال صدقت توقعات تلك الاستطلاعات، فقد يترأس نتنياهو حكومة متشددة تضم متطرفين يصفون المشرّعين من فلسطينيي 48 بـ"الإرهابيين" ويطالبون بتهجيرهم.

فلسطينيو الداخل "فقدوا الأمل"

ويرى رئيس "حزب التجمع الوطني الديمقراطي" سامي أبو شحادة: أن المواطنين العرب في إسرائيل "فقدوا الأمل"، معتبراً أن "عامل التغيير الرئيس للعبة هو نجاح التجمع في هذه الانتخابات"، وقال مضيفاً: "هذا هو السبيل الوحيد والمؤكد للحصول على أغلبية ضد نتنياهو، من حيث العدد. إذ إن ذلك سيغيّر المحصلة السياسية برمتها"، حسب رأيه.

وفي العمليات الحسابية التي تحوّل الأصوات إلى مقاعد برلمانية، يمكن أن يؤدي انخفاض نسبة المشاركة في أوساط الفلسطينيين الإسرائيليين إلى تراجع فرص الائتلاف الحالي في العودة إلى السلطة، أو منح معسكر نتنياهو المزيد من مقاعد الكنيست.

ويعتقد الباحث رودنيتزكي أن العامل الحاسم للمعركة الانتخابية بين معسكر رئيس حزب الليكود نتنياهو ومعسكر أحزاب الحكومة الحالية، هو الإقبال أو عدم التصويت في الأوساط العربية، إذ كلما ارتفعت نسبة إقبال العرب على التصويت، كلما ازداد حجم الوجود العربي في الكنيست وتعزز حجم الكتلة المناهضة لنتنياهو.

ثمة مراقبون يرون أن نتائج الانتخابات القادمة، لن تكون بالضرورة قادرة على إنهاء حالة الانقسام والجمود الذي يسيطر منذ العام 2019 على المشهد السياسي في إسرائيل، وبالتالي ستتوجه البلاد نحو انتخابات جديدة.

تغيير موازين القوى

ومنذ بداية الأزمة السياسية قبل نحو أربع سنوات، يبذل نتنياهو جهوداً من أجل تشكيل حكومة قابلة للحياة، لكنّ حلفاؤه السابقون يرفضون المضي تحت قيادته طالما أنه يواجه تهماً بالفساد، ووفقا للقانون الإسرائيلي يجب على الحزب الذي يشكل حكومة أن يحصل على أغلبية 61 مقعدا، ولكنّ منذ تأسيس دولة إسرائيل، لم يحصل حزب بمفرده على الأغلبية، مما يدفع الأحزاب لتشكيل ائتلافات من أجل تشكيل الحكومة.

وترجحُ نتائج استطلاعات الرأي عدم تمكّن معسكر نتنياهو وكذلك خصومه من الحصول على أغلبية الـ61 بالمائة اللازمة لتشكيل الحكومة، الأمر الذي من شأنه أن يفتح الباب أمام أحزابٍ غير منتمية لأيٍ من المعسكرين من أجل تغيير موازين القوى.

وتاريخياً، لم يسجّل حضورٌ للأحزاب العربية ضمن الحكومات الإسرائيلية، لكنّ هذا الأمر تحطم العام الماضي حين انضمّ حزب إسلامي عربي صغير إلى الائتلاف الذي شكله رئيس الوزراء يائير لابيد، منهياً بذلك مدة حكم نتنياهو التي استمرت 12 عاماً.

وكان لابيد ونفتالي بينيت شكّلا في حزيران/ يونيو 2021 ائتلافا بعد عامين من الجمود السياسي، وقد كان الائتلاف الحاكم هشا منذ البداية، واستقال بينيت في يونيو 2022 بعد أن فقدت الحكومة الأغلبية البرلمانية وحل مكانه لابيد الشريك في الائتلاف وزعيم حزب "يوجد مستقبل" الذي يشغل لغاية الآن منصب رئيس الوزراء المؤقت.

"قانون 2018" و"الطابور الخامس"

يشكل المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل 20 بالمائة من السكّان البالغ عددهم 9 ملايين نسمة، وهم يواجهون تمييزاً في الإسكان والوظائف والخدمات العامة، على الرغم من أن كثيراً منهم وصولوا إلى مراكز حكومية عالية وسجّلوا حضوراً في الحلبات الاقتصادية إلا أن مستوى المعيشة والتعليم في أوساط مجتمعهم هو أدنى مقارنة بواقع الحال لدى الإسرائيليين اليهود.

وتعدّ نسبة المشاركة بين الفلسطينيين الإسرائيليين في الانتخابات العامة أقلّ من نسبة مشاركة الإسرائيليين اليهود، ويقول رودنيتزكي: "في حال كان التصويت العربي، والإقبال العربي في هذه الانتخابات منخفضاً بشكل كبير، فهذا يعني أن التمثيل العربي في الكنيست سيكون هذه المرة أقل بكثير".

الناخبون الفلسطينيون الإسرائيليون متشككون في قدرة أو رغبة قادتهم في إحداث التغيير، كما أنهم يشعرون أن مكانتهم في الدولة قد تم تحجيمها من خلال قانون 2018 الذي وصف إسرائيل بأنها دولة قومية للشعب اليهودي.

والفلسطينيون في إسرائيل محبطون كذلك من دوامة العنف الإسرائيلي الفلسطيني والتي جعلت منهم "طابوراً خامساً" بسبب تضامنهم مع الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة

لبيد يتوجه إلى الوسط العربي

وفي إطار حملته الانتخابية زار لبيد يوم أمس الأربعاء مدينة الناصرة داعياً لرفع نسبة التصويت المنخفضة في المجتمع العربي، ومعلناً أن عدم تصويت العرب أمرٌ يصب في صالح معسكر نتنياهو.

وشارك أكثر من 20 رئيس بلدية فلسطينية في اللقاء، واصفين حضورهم بأنه محاولة لإقناع لبيد بتحسين السياسة تجاه المواطنين الفلسطينيين وحقوقهم في المساواة، في حين قال لبيد إن زيارته تحمل رسالة مفادها أنه مهتم بقضايا المواطنين الفلسطينيين ويحمل همومهم، في مكافحة العنف وتحقيق المساواة.

وخلال اللقاء أكد لابيد أن "مشكلة العنف في المجتمع العربي مقلقة"، وقال: "عملنا وما زلنا نعمل لحلها، في حال خرج المواطنون العرب للتصويت فسيصوتون لمكافحة العنف، وسيصوتون لصالح الخطط الاقتصادية التي تخدم المجتمع العربي. سيصوتون على الميزانيات التي من الممكن أن يتلقاها رؤساء السلطات المحلية. وفي حال عدم خروج المواطنين العرب للتصويت، فإن هذا الأمر يساعد اليمين وعودة نتنياهو"’، على حد تعبيره.

خطاب نتنياهو للوسط العربي

وللمفارقة، كما أشرنا سابقاً، فإن نتيناهو خاطب الناخب العربي وحاول استمالته، وقال في مقطع مصوّر نُشر على حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي: إن "المواطنين العرب، تماماً مثل السكان اليهود، يعرفون أنه تحت حكمنا.. لم يكن ثمة مثل هذا التدهور في الأمن الشخصي، بكل ببساطة كان الأمر أفضل".

ولا شكّ أن العنوان الرئيس لأي خطابٍ يوجهه نتنياهو إلى الناخب العربي، هو أنه لا يوجد فرق كبير بينه وبين المرشحين الآخرين لرئاسة الحكومة في التعاطي مع الوسط العربي داخل إسرائيل أو فيما يتعلق بقضية الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.

المصادر الإضافية • أ ب