تفجرت الأزمة بين الولايات المتحدة وفنزويلا على خلفية اتهامات أميركية تتعلق بالشرعية والتهريب، بينما تؤكد كراكاس أن التصعيد تقف خلفه مصالح مرتبطة بالنفط والمعادن والعناصر الأرضية النادرة، وفي مقدمها حزام أورينوكو الغني بالموارد الاستراتيجية.
تفجرت الأزمة بين فنزويلا والولايات المتحدة بعد قصف العاصمة كراكاس يوم السبت 3 كانون الأول/يناير، في تصعيد عسكري أميركي، وسط جدل واسع حول الأسباب الحقيقية للأزمة والاتهامات المتبادلة بين الجانبين.
اتهامات أميركية ثلاثية
تستند الإدارة الأميركية في موقفها إلى ثلاث اتهامات رئيسية. أولا، تزعم أن الحكومة التشافيزية في فنزويلا على صلة بتنظيمات تصنفها واشنطن إرهابية وبشبكات جريمة منظمة. ثانيا، تتهم كاراكاس بتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة، وهو ما دفع البحرية الأميركية منذ أسابيع إلى استهداف سفن فنزويلية بدعوى تورطها في نقل شحنات مخدرات. ثالثا، تشكك واشنطن بشرعية الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، متهمة إياه بارتكاب مخالفات في انتخابات الرئاسة لعام 2024.
وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن مادورو جرى القبض عليه وإخراجه من البلاد خلال الهجمات التي نفذت يوم السبت.
كاراكاس ترد: الهدف مواردنا
في المقابل، ترفض فنزويلا هذه الاتهامات جملة وتفصيلا، وتؤكد أن الدافع الحقيقي للتحرك الأميركي هو السعي للسيطرة على الموارد الاستراتيجية للبلاد. وفي بيان صدر عقب بدء الهجوم مساء السبت، اعتبرت الحكومة الفنزويلية أن "هدف هذا الهجوم لا يتجاوز محاولة الاستيلاء على الموارد الاستراتيجية لفنزويلا، ولا سيما النفط والمعادن، وكسر استقلالها السياسي بالقوة".
ترامب: أخذوا نفطنا ونريده مجددا
وخلال الأيام الأخيرة، أدخلت واشنطن ملف النفط بشكل أكثر وضوحا ضمن مبرراتها. وصرح ترامب بأن الشركات الأميركية حرمت من "حقها" في الاستفادة من النفط الفنزويلي.
واستعاد ترامب الخلاف الذي اندلع عام 2007 بين فنزويلا وشركة إكسون موبيل، قائلا: "أخذوا حقوقنا في الطاقة. ليس منذ زمن بعيد، أخذوا نفطنا، ونحن نريد استعادته".
جذور الخلاف: التأميم وحزام أورينوكو النفطي
يعد النزاع مع إكسون موبيل من أبرز محطات سياسة التأميم التي انتهجها الرئيس الراحل هوغو تشافيز في قطاع النفط. وتمحور الخلاف حول حزام أورينوكو النفطي، أحد أغنى مناطق العالم بالنفط الثقيل وفائق الثقل، والذي تنشط فيه شركات كبرى مثل إكسون موبيل وشيفرون وتوتال وكونوكو فيليبس.
وفي عام 2007، فرضت الحكومة الفنزويلية نقل الحصة الأكبر من المشاريع في أورينوكو، بنسبة لا تقل عن 60 في المئة، إلى شركة النفط الوطنية PDVSA، مانحة الشركات الأجنبية خيار قبول الشروط الجديدة أو مغادرة البلاد. ورفضت إكسون موبيل تلك الشروط، ووصفت الخطوة بأنها مصادرة غير قانونية، قبل أن توقف أنشطتها في فنزويلا.
لاحقا، شددت العقوبات الأميركية تدريجيا، لتتحول في أواخر العقد الثاني من الألفية إلى حصار شامل شمل PDVSA.
بلد غني بموارده وفقير باقتصاده
خلال العقد الأخير، أدت العقوبات المشددة على قطاعي الطاقة والمال إلى انهيار اقتصادي واجتماعي واسع، مكرسة مفارقة حادة في فنزويلا: دولة تمتلك ثروات طبيعية هائلة وبنية تحتية قائمة، لكنها تعاني شللا اقتصاديا عميقا.
وبحسب بيانات نقلتها صحيفة إل باييس، تمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية في العالم، وسادس أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي، وأكبر مناجم ذهب في أميركا اللاتينية، إلى جانب احتياطيات مهمة من الحديد والبكسيت والألماس.
من مشروع تنموي إلى بؤرة فوضى
بعد انهيار قطاع النفط عامي 2014 و2015 وما رافقه من نقص حاد في الغذاء والأدوية، اتجهت الحكومة الفنزويلية إلى استغلال الموارد التعدينية جنوب نهر أورينوكو.
وفي عام 2016، وقع مادورو مرسوما بإنشاء حزام أورينوكو التعديني، الممتد على مساحة تقارب 112 ألف كيلومتر مربع، أي نحو 12 في المئة من مساحة البلاد، وأعلن منطقة استراتيجية لاستخراج الذهب والألماس والكولتان والنيكل والعناصر الأرضية النادرة.
غير أن المنطقة تحولت خلال نحو عشر سنوات إلى بؤرة لنشاط شبكات الجريمة والفساد السياسي والعسكري والتهريب، إلى جانب تدمير بيئي واسع. وتشير منظمات دولية إلى أن معظم الذهب المستخرج يهرب خارج البلاد، بينما يصل جزء محدود فقط إلى خزينة الدولة.
العناصر الأرضية النادرة في قلب الصراع الدولي
في عام 2023، صنفت فنزويلا عددا من المعادن، بينها القصدير والنيكل والروديوم والتيتانيوم، موارد استراتيجية. ويبرز هذا القطاع كساحة تنافس دولي حاد، في ظل هيمنة الصين على سوق العناصر الأرضية النادرة.
وتشير بيانات عام 2023 إلى أن نحو 70 في المئة من استخراج هذه العناصر يتم في الصين، التي تستحوذ أيضا على 87 في المئة من قدرات معالجتها. وتتهم واشنطن بكين باستخدام هذه الموارد كسلاح اقتصادي، فيما ترد الصين باتهام الولايات المتحدة باتباع النهج نفسه في مجال التكنولوجيا.
الشهية الأميركية والبحث عن بدائل
تزايد اهتمام الولايات المتحدة بالعناصر الأرضية النادرة دفعها في السنوات الأخيرة إلى الدخول في أزمات مع دول عدة، بينها غرينلاند وأوكرانيا، على خلفية محاولات تأمين مصادر بديلة لهذه المعادن الحيوية.
كما أظهرت استطلاعات أجرتها غرفة التجارة الأميركية في الصين أن غالبية الشركات الأميركية مهددة بنفاد مخزوناتها من هذه العناصر خلال أشهر، ما يضيف بعدا اقتصاديا استراتيجيا للتصعيد مع فنزويلا.
تركيا تدخل المشهد
في السياق ذاته، كشفت تركيا خلال السنوات الأخيرة عن احتياطيات كبيرة من العناصر الأرضية النادرة في غرب الأناضول. وفي عام 2022، أعلن عن اكتشاف احتياطي يقدر بنحو 694 مليون طن في منطقة بيليكوفا بولاية إسكيشير.
وأفاد تقرير لوكالة بلومبرغ في 6 تشرين الأول 2025 بأن أنقرة تجري محادثات مع واشنطن لتطوير هذه الاحتياطيات، في ظل تعثر مفاوضات سابقة مع الصين وروسيا، بسبب الخلافات حول تكرير المواد ونقل التكنولوجيا.