أرجع مسؤولون صمود القيادة العسكرية والسياسية الإيرانية إلى ما وصفوه بـ"نظام متعدد الطبقات" أنشأته السلطات لتحمّل الأزمات. ويقوم هذا النظام على لامركزية القيادة عبر تعيين عدة أفراد للقيام بالمهام نفسها، بما يتيح لهم تولّي المسؤولية فورًا في حال مقتل أي شخصية رئيسية.
مع دخول الحرب التي تجتاح الشرق الأوسط يومها السابع، أظهرت تقييمات استخباراتية وغربية اطلعت عليها صحيفة واشنطن بوست أن النظام الإيراني تمكن من الحفاظ على قبضته على السلطة رغم الحملة الجوية الأمريكية الإسرائيلية التي قضت على رأس الهرم السياسي والعسكري ودمرت بنى تحتية حيوية.
ففي طهران، أدى توسع الصراع إلى تعقيد عملية الخلافة بعد مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي. وأعلنت وسائل إعلام رسمية تأجيل جنازته بعد استهداف المجلس المكلف باختيار خلف له بضربات إسرائيلية، لتعلن لاحقاً أن عملية التصويت على المرشد الأعلى القادم ستتم عن بُعد.
تماسك داخلي رغم الضربات
لكن مسؤولين أوروبيين وعرب، اطلعوا على تقييمات لوضع النظام منذ بدء النزاع، أكدوا لصحيفة واشنطن بوست أن العمليات العسكرية الواسعة التي طالت 12 دولة في المنطقة لم تهدد قبضة النظام على الحكم حتى الآن.
وأوضح المسؤولون أن إيران كانت مستعدة لهذه المواجهة. فالهياكل القيادية التي صممت لتحمل ضربات "قطع الرأس" بقيت سليمة إلى حد كبير، مما مكن الردود الإيرانية ضد إسرائيل وقطر والبحرين من الانطلاق خلال ساعات من الهجمات الأولية.
وفي الداخل، أفاد مواطنون بتعزيزات أمنية مكثفة في الشوارع، مع انتشار دوريات لقوات الباسيج على الدراجات النارية.
"لا انشقاقات أو انتفاضات**"**
ورغم تأكيد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث الأربعاء على مقتل "كبار القادة" ومجلس الحكم المحتمل، إما قتلى أو مفقودين أو مختبئين، ورغم تصريح الرئيس دونالد ترامب الثلاثاء بأن الضربات قتلت "معظم الأشخاص" الذين كانت واشنطن تفضلهم لخلافة النظام، إلا أن التقييمات الأوروبية والعربية التي حصلت عليها واشنطن بوست تشير إلى غياب أي انشقاقات كبيرة أو انتفاضات شعبية.
كما أكد مصدر مطلع على الملف للصحيفة، أن المخابرات الأمريكية لم ترصد أي بوادر لانشقاقات أو احتجاجات شعبية خلال الأيام الأولى للحملة.
وقال مسؤول أوروبي كبير في هذا السياق: "لا توجد علامة واحدة على أي شيء ينهار أو ينشق داخل النظام. لا شيء. صفر. السيطرة كاملة".
وأضاف أن تقارير عدم التحاق بعض قوات الأمن بواجبها قد تعود لأوامر بعدم التجمع في الثكنات خوفاً من الاستهداف، وليس لانهيار هيكلي.
نظام متعدد الطبقات
وأرجع المسؤولون صمود القيادة العسكرية والسياسية الإيرانية إلى "النظام متعدد الطبقات" الذي بناه النظام لتحمل الأزمات. ويقوم هذا النظام على لا مركزية القيادة عبر تعيين أفراد متعددين للقيام بنفس المهام، ليحلوا فوراً محل أي شخصية رئيسية تُقتل.
فبعد مقتل وزير الدفاع عزيز نصير زاده السبت، عيّن الرئيس مسعود بزشكيان الاثنين ماجد ابن الرضا وزيراً بالوكالة. وبينما تداولت تكهنات إعلامية حول مقتل ابن الرضا لاحقاً، لم تؤكد وسائل الإعلام الرسمية ذلك. يشار إلى أن بزشكيان نفسه أشيع أنه كان مستهدفاً في الموجات الأولى من الضربات.
وحدة مفاجئة في الشارع
وكشف مسؤول عربي كبير لصحيفة واشنطن بوست أن حلفاء الولايات المتحدة في الخليج اعتقدوا قبل الحرب أن إيران ستكون أكثر هشاشة أمام الضغط العسكري الخارجي، وراهنوا على أن مقتل المرشد الأعلى سيشكل نقطة تحول مبكرة تطلق احتجاجات جماهيرية.
لكنه أعرب عن دهشته قائلاً: "كنا نبحث عن المظاهرات في الشوارع، لكننا فوجئنا بوحدتهم".
وأضاف أن جيران إيران كانوا يقيمون في يناير/كانون الثاني ضعفاً عميقاً داخل هياكل القيادة إثر احتجاجات عنيفة وقمعها، لكن هيكل الحكم صمد بشكل مفاجئ خلال القصف.
دمار مادي واسع
في غضون ذلك، كشف تحليل بصري أولي أجرته واشنطن بوست عن أضرار جسيمة طالت أهدافاً عسكرية ومبانٍ حكومية وهياكل أمنية داخلية.
وتقول القيادة المركزية الأمريكية إن أكثر من 2000 هدف ضُرب داخل إيران خلال أربعة أيام، بينما أعلن جيش الدفاع الإسرائيلي إسقاط أكثر من 4000 صاروخ وقنبلة على إيران منذ السبت.
وقال غريغوري برو، محلل الشأن الإيراني في مجموعة أوراسيا، إن إيران "أضعفت بشكل كبير" بخسارة معظم قواتها البحرية وجزء كبير من مخزونها الصاروخي ووسائل إنتاجه. لكنه أضاف: "إنهم يفجرون الكثير من المباني، لكن معظمها فارغ. إنهم يمحون الصرح المادي للجمهورية الإسلامية، لكن القوات الأمنية كالشرطة والباسيج تواصل عملها لأنها لا تشغل أسلحة ثقيلة ويمكنها التشتت سريعاً".
استراتيجية حرب الاستنزاف
أشار مسؤولون أوروبيون إلى أن إيران أعادت هيكلة قواتها بعد حرب يونيو/حزيران تحسباً لمزيد من الضربات. وبدا أن وزير الخارجية عباس عراقجي أكد ذلك في مقابلة مع الجزيرة الأحد، واصفاً الوحدات العسكرية بأنها "منعزلة" وتعمل بتعليمات عامة مسبقة.
ومع انخفاض وتيرة الردود الإيرانية مطلع الأسبوع مما قد يشير إلى شح في الذخائر، شهد الخميس هجمات انتقامية مكثفة ضد البحرين وقطر والإمارات.
ويرى مسؤول أوروبي ثانٍ أن طهران تدرك عجزها عن هزيمة أقوى جيش في العالم، لذا تعتمد على الحرب غير المتكافئة "لإلحاق أكبر ضرر وجعل الولايات المتحدة تسعى لخفض التصعيد".
وأضاف أن إيران راهنت على قدرة نظامها وشعبها على تحمل المشقة لفترة أطول من الخليج وأمريكا، محذراً من أن الصراع كلما طال كلما أصبح أكثر دموية. وخلص إلى القول: "هذا النظام صمم ليدوم، ولن يرحل بهدوء".