مع مرور الأسابيع، تحوّل النزوح من حالة طارئة إلى واقع يومي مفتوح على الانتظار، حيث يقيم النازحون على الرصيف البحري مترقّبين نهاية الحرب قبل أي أفقٍ واضح للعودة.
على امتداد الواجهة البحرية في منطقة البيال في بيروت، تتشكّل ملامح مدينةٍ غير مرئية على الخرائط. مدينةٌ من القماش والبلاستيك والبطانيات الرطبة، تتكئ على الرصيف الحجري وتطلّ على بحرٍ لم يعد سياحيًا كما كان، بل صار شاهدًا صامتًا على واحدة من أكثر موجات النزوح قسوة منذ سنوات في لبنان.
هنا، لا تُقاس المسافة بالأمتار، بل بعدد الليالي التي نامها الناس خارج بيوتهم. ولا يُقاس الوقت بالساعات، بل بعدد الأيام التي مرّت من دون خبرٍ واضح عن العودة.
في هذه المساحة الضيقة المفتوحة على الرياح، تختلط رائحة المطر برائحة الحطب المبتل، ويختلط صوت الموج بأصوات أطفال يحاولون اختراع ألعابٍ من لا شيء. حياةٌ مؤقتة، لكنها تمتد يومًا بعد يوم، كأنها امتحان طويل للصبر أكثر مما هي محطة عابرة في طريق العودة.
مدينة مؤقتة تولد على الرصيف
ليلًا، تبدو الخيم مصطفّة بمحاذاة البحر كخطّ دفاعٍ هشّ في مواجهة الشتاء. صفوفٌ متلاصقة من أقمشةٍ مختلفة الألوان والأحجام، تُثبَّت بالحجارة أو الحبال أو بما تيسّر من أدوات بسيطة، في محاولة لحماية الداخل من الرياح والرطوبة.
كاميرا "يورونيوز" جالت في هذه "المدينة المؤقتة" التي نشأت بلا تخطيط، وبلا خدمات، وبلا يقينٍ بمستقبلها. هنا، يعيش آلاف النازحين الذين اضطروا إلى مغادرة بلداتهم، مع اتساع رقعة المواجهات بين حزب الله وإسرائيل، وتزايد الضربات الجوية التي طالت مناطق واسعة من القرى والبلدات الحدودية، وامتدّت إلى الضاحية الجنوبية لبيروت والعاصمة ومناطق في شمال وشرق لبنان.
داخل الخيم، تتكدّس العائلات في مساحات لا تكفي للنوم أصلًا. وفي الخارج، تُعلّق الثياب على حبالٍ مشدودة بين الأعمدة المعدنية، فيما تتحول الزوايا الصغيرة إلى مطابخ مؤقتة تُشعل فيها النار بحذرٍ شديد.
بعض العائلات فضّلت عدم الظهور أمام الكاميرا، واكتفت بالتعبير عن قلقٍ عميق من المستقبل. فحجم الدمار الذي خلّفته الضربات الإسرائيلية، بحسب رواياتهم، يجعل فكرة العودة نفسها غير واضحة المعالم. يقول أحدهم بصوتٍ منخفض: "حتى لو توقفت الحرب.. إلى أين نعود؟".
"الدولة موجودة.. لكنها غائبة"
محمد دغمان، نازح من مدينة النبطية، يلخّص شعورًا يتكرر في أحاديث كثيرين هنا. يقف قرب مدخل خيمته ويقول: "المسؤولون يسمعون ويرون ويعلمون، لكنهم يُغلقون آذانهم كي لا يسمعوا، ويضعون ستارًا أسود أمام أعينهم، ويلتزمون الصمت".
يتابع بنبرةٍ هادئة تخفي غضبًا واضحًا: "كنت أتمنى كمواطن أن ينظروا نظرة بسيطة إلى أرض الواقع، ليروا حجم المعاناة. هناك دولة.. لكنها غائبة. قوية على الضعيف والفقير فقط".
كلمات دغمان لا تبدو استثنائية في هذا المكان. فالشعور العام بين النازحين يميل إلى الاعتقاد بأن الاستجابة الرسمية بقيت دون مستوى الأزمة، وأن الجزء الأكبر من الدعم جاء من مبادرات فردية أو حملات أهلية.
نزوحٌ بلا استعداد.. وخوفٌ من الأمراض
مهدي عمر، نازح من الضاحية الجنوبية لبيروت، يروي لحظة الخروج من منزله كما لو أنها حدثت قبل ساعات فقط: "لم يتمكّن أحد من تجهيز أغراضه أو اصطحابها معه، فقد سادت حالة من الهلع فور بدء القصف على الضاحية الجنوبية، فغادرنا على عجل".
ويضيف أن الاحتياجات الأساسية اليوم تتجاوز الطعام والبطانيات: "المطلوب مواد غذائية، ومواد تنظيف، ومرافق صحية. وإذا استمر الوضع على هذا النحو، فقد تبدأ حالات الجرب بالظهور، وقد ينتشر القمل بين الأطفال".
في خيمٍ كثيرة، تبدو هذه المخاوف ملموسة بالفعل. نقص المياه النظيفة، وغياب المرافق الصحية الكافية، والرطوبة الدائمة، كلها عوامل تجعل الحياة اليومية أقرب إلى تحدٍّ صحي مفتوح.
حين تتقدّم المبادرات الشعبية على الدولة
مصطفى عطوي، نازح من بلدة صديقين الجنوبية، يرى أن ما يجري في البيال يكشف جانبًا آخر من المجتمع اللبناني: "المهام التي كان ينبغي أن تضطلع بها الدولة يقوم بها الناس اليوم بأنفسهم، إذ يقف الجميع إلى جانب بعضهم بعضًا بغضّ النظر عن انتماءاتهم الطائفية".
ويضيف أن كثيرين لم يتمكنوا من اصطحاب أي مقتنيات معهم أثناء النزوح: "لم يتمكّن الناس من اصطحاب أغراضهم معهم، إذ نزحوا على عجل، كما أن مراكز الإيواء باتت ممتلئة، لأن معظم أبناء الجنوب والبقاع اضطروا إلى النزوح".
في الواقع، تشير شهادات متقاطعة إلى أن الجزء الأكبر من المساعدات التي تصل إلى النازحين مصدره مبادرات فردية أو جمعيات محلية صغيرة، في وقتٍ يبقى فيه الدعم الرسمي محدودًا مقارنة بحجم الأزمة واتساعها الجغرافي.
أسابيع تمرّ.. ولا موعد للعودة
مع مرور الأسابيع، لم يعد النزوح حدثًا طارئًا كما في أيامه الأولى، بل تحوّل إلى نمط حياة مؤقت طويل الأمد. كثير من العائلات لم تعد تسأل متى ستنتهي الحرب، بل متى ستصبح العودة ممكنة أصلًا.
فالمنازل المتضررة، والقرى المدمّرة جزئيًا أو كليًا، والبنية التحتية التي أصابها الدمار، كلها عوامل تجعل فكرة الرجوع مسألة معقّدة، حتى لو توقفت المواجهات.
هنا، على الرصيف البحري، تتبدّل أولويات الناس تدريجيًا: من انتظار وقف القصف، إلى البحث عن تعليم للأطفال، ثم عن عملٍ مؤقت، ثم عن طريقة للاستمرار يومًا إضافيًا.
الغروب على حافة الانتظار
عند الغروب، يجلس بعض النازحين على الحافة الحجرية المطلة على البحر. يراقبون الأفق بصمتٍ طويل، كأنهم يبحثون فيه عن طريق العودة، أو عن إشارةٍ تطمئنهم إلى أن هذه المرحلة ليست قدرًا دائمًا.
في تلك اللحظات، لا تبدو الخيم مجرد مأوى مؤقت، بل تتحوّل إلى علامةٍ ثقيلة على مرحلة قاسية يعيشها سكان الجنوب. مرحلة تتقاطع فيها الحرب مع الشتاء، والقلق مع الانتظار، والأمل مع واقعٍ لا يزال مفتوحًا على كل الاحتمالات.
حتى ذلك الحين، يبقى الرصيف البحري في البيال مساحة حياة مؤقتة.. لناسٍ ينتظرون نهاية الحرب قبل أي شيءٍ آخر.