تقول خدمة "كوبرنيكوس" لتغير المناخ التابعة للاتحاد الأوروبي (C3S) إن درجات حرارة سطح البحار العالمية تعكس أيضا "انتقالا مرجحا" نحو ظروف ظاهرة النينيو.
بعد شهر شباط "شديد الرطوبة" تسبب في فيضانات في أنحاء حوض المتوسط، شهدت أوروبا ثاني أحر شهر آذار مسجل في تاريخها. وتُظهر بيانات جديدة صادرة عن خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ التابعة للاتحاد الأوروبي (C3S)، التي يشغّلها المركز الأوروبي للتنبؤات متوسطة المدى (ECMWF)، أن شهر آذار 2026 كان رابع أحر شهر آذار على مستوى العالم، مع وصول درجة حرارة الهواء عند سطح الأرض إلى مستوى أعلى بواحد فاصل 48 درجة فوق معدلات ما قبل الحقبة الصناعية. كما أكد "كوبرنيكوس" أن متوسط حرارة سطح البحار العالمية في آذار كان ثاني أعلى قيمة مسجلة للشهر، في مؤشر إلى انتقال مرجح نحو ظروف ظاهرة "إل نينيو".
أي مناطق أوروبا شهدت أكبر ارتفاع في الحرارة؟
وسجل متوسط درجة حرارة اليابسة في أوروبا خلال آذار 2026 أعلى قيمة له على الإطلاق، إذ بلغ خمس فاصل 88 درجة، أي أعلى باثنتين فاصل 27 درجة من متوسط الفترة بين 1991 و2020 لشهر آذار، وإن كان ذلك لا يتجاوز الرقم القياسي غير المسبوق المسجل في العام الماضي. وشهدت تقريباً سائر أنحاء القارة درجات حرارة أعلى من المعتاد، وكانت الزيادات الأشد وضوحاً في شمال غرب روسيا وشمال فنوسكانديا ودول البلطيق، في حين سادت أوضاع أبرد قليلاً من المتوسط في تركيا وجنوب أوروبا ومعظم أيسلندا. كما عرفت أجزاء واسعة من البر الأوروبي الرئيسي ظروفاً أكثر جفافاً من المعتاد، مقابل أمطار أغزر من المعدل في أيسلندا وشمال المملكة المتحدة ومعظم اسكندنافيا والعديد من مناطق البحر المتوسط ومنطقة القوقاز؛ وقد أدت موجات الهطول الغزيرة، المرتبطة في كثير من الأحيان بمرور عواصف شتوية قوية، إلى حدوث فيضانات في عدد من الدول.
وخارج القارة الأوروبية، سُجلت درجات حرارة أعلى من المتوسط في أنحاء الولايات المتحدة، حيث عانت المناطق الغربية من موجة حر طويلة، كما شهد معظم القطب الشمالي وشمال شرق روسيا وأجزاء من القارة القطبية الجنوبية أجواء أدفأ من المعتاد، في مقابل برودة غير معتادة امتدت عبر ألاسكا ومعظم كندا وجنوب غرينلاند وشمال غرب سيبيريا. وبحسب "كوبرنيكوس"، بلغ متوسط حرارة سطح البحر في العالم خلال آذار 2026 عشرين فاصل 97 درجة، وهو ثاني أعلى متوسط مسجل لهذا الشهر، بعد آذار 2024 الذي تزامن مع آخر حدث قوي لظاهرة "إل نينيو". ويرجح خبراء الأرصاد أن يكون انتقال من حالة حيادية إلى ظاهرة "إل نينيو" قيد التكوّن الآن للنصف الثاني من العام، إذ تشير التقديرات إلى أن حدث "إل نينيو" النموذجي يؤدي إلى زيادة مؤقتة في متوسط حرارة الكوكب بنحو صفر فاصل واحد إلى صفر فاصل اثنتين درجة. ويؤكد "كوبرنيكوس" أن متوسط حرارة سطح البحار اليومية ارتفع باستمرار طوال شهر آذار، ويقترب الآن من القيم القياسية المسجلة في 2024.
"منظومة مناخية ترزح تحت الضغط"
ويقول كارلو بوانتمبو، مدير خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ في المركز الأوروبي للتنبؤات متوسطة المدى: "كل رقم من هذه الأرقام لافت بذاته، لكنها مجتمعة ترسم صورة لمنظومة مناخية ترزح تحت ضغط متواصل ومتسارع". ويضيف: "إن البيانات الموثوقة، التي تُنتَج بشكل تشغيلي اعتماداً على مليارات القياسات من الأقمار الاصطناعية والسفن والطائرات ومحطات الرصد، لم تعد ترفاً علمياً، بل أصبحت الأساس الضروري لأي سياسة جادة في التكيف مع المناخ والتصدي له".
الابتعاد عن الوقود الأحفوري الملوِّث
وأعادت بيانات "كوبرنيكوس" إشعال الدعوات إلى التخلي عن الوقود الأحفوري، الذي يعد السبب الرئيسي للاحترار العالمي. ووفقاً للأمم المتحدة، تمثل الفحم والنفط والغاز نحو 68 في المئة من الانبعاثات العالمية لغازات الدفيئة، وما يقرب من 90 في المئة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، التي تشكل غطاء يحبس حرارة الشمس ويؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الهواء قرب سطح الأرض. ويقول غاريث ردموند-كينغ، من وحدة الاستخبارات في مجالي الطاقة والمناخ (ECIU): "في خضم أزمة الوقود الأحفوري، يذكّرنا ذلك أيضاً بأن الحلول لأزمة المناخ تتطابق مع تلك اللازمة لفطام اقتصاداتنا عن الاعتماد على الوقود الأحفوري المتقلب". ويضيف: "الحل الوحيد لتغير المناخ هو خفض الانبعاثات إلى مستوى الصفر الصافي، والأدوات اللازمة لتحقيق ذلك هي ذاتها تقنيات الطاقة المتجددة التي تحوّل نظامنا الطاقي نحو الاعتماد على الرياح والشمس المجانيتين والوافرتين، والابتعاد عن النفط والغاز المستورَدَين بتكلفة عالية من الشرق الأوسط".