تشير النتائج إلى أن اضطراب التزامن بين الساعات البيولوجية داخل الأمعاء قد يخلّ بوظائف الهضم، بما ينعكس سلباً على كفاءة عمل الجهاز الهضمي عموماً.
كشفت دراسة صادرة عن مركز "UT Southwestern" الطبي أن الأكل في وقت متأخر من الليل، عندما يكون الجسم في وضع النوم الطبيعي، قد يربك الساعة البيولوجية داخل الأمعاء، ما يؤدي إلى خلل في تزامن عمل خلاياها، وهو ما قد يساهم في ظهور مشاكل في الجهاز الهضمي.
وقد نُشرت هذه النتائج في مجلة "PNAS" العلمية، وتشير إلى أن اضطراب الإيقاع اليومي في الجسم قد يكون مرتبطًا بانتشار حالات مثل متلازمة القولون العصبي، وأمراض التهاب الأمعاء، والإمساك، وغيرها من الاضطرابات، خاصة لدى الأشخاص الذين يعملون بنظام المناوبات على سبيل المثال.
كيف يعمل نظام الساعة البيولوجية في الجسم؟
أظهرت الأبحاثا السابقة أن هناك منطقة في الدماغ تُعرف باسم "النواة فوق التصالبية"، وهي التي تعمل كـ"الساعة الرئيسية" للجسم. وتنظم هذه المنطقة مختلف العمليات الحيوية بحيث تعمل وفق نظام يومي مدته 24 ساعة يعتمد على تعاقب الليل والنهار.
لكن لاحقًا، وفي عام 2000، أثبت الباحث شين يامازاكي، أستاذ علم الأعصاب وزملاؤه أن خلايا الجسم ليست فقط تحت سيطرة هذه الساعة الرئيسية، بل إن لكل خلية تقريبًا ساعة بيولوجية خاصة بها تعمل بشكل مستقل، لكنها تتأثر أيضًا بإشارات الدماغ وعوامل أخرى مثل النوم والطعام.
وبناءً على ذلك، أصبح من المعروف أن الأمعاء تمتلك هي الأخرى إيقاعًا بيولوجيًا خاصًا، يتأثر بشكل كبير بتوقيت تناول الطعام.
ومع ذلك، كانت الدراسات السابقة تعتمد على تحليل الأمعاء كنسيج واحد، دون التمييز بين أنواع الخلايا المختلفة الموجودة داخله، مثل الخلايا العضلية والخلايا العصبية والخلايا المناعية.
ماذا أظهرت تجربة الفئران؟
أجرى الباحثون تجربة على فئران وُضعت في نظام بيئي مضبوط يتكون من 12 ساعة ضوء و12 ساعة ظلام، بهدف محاكاة دورة يومية منتظمة. وقد استخدم الفريق فئرانًا معدلة وراثيًا.
في هذه الدراسة، تابع الباحثون خمس أنواع رئيسية من خلايا الأمعاء، وهي: الخلايا العصبية الموجودة في الأمعاء والخلايا الدبقية المعوية، وخلايا كاجال، والخلايا العضلية الملساء، والبلاعم العضلية.
وقد جرى تعديل هذه الخلايا بحيث تُصدر ضوءًا أخضر عندما ينشط جين الساعة البيولوجية المعروف باسم Per2، مما يسمح للباحثين بمراقبة نشاطها وتوقيت عملها.
ورغم أن الطعام كان متاحًا بشكل دائم دون تقييد، لاحظ الباحثون أن الفئران، بحكم طبيعتها الليلية، كانت تستهلك حوالي 80% من غذائها خلال الليل.
وبعد نحو أسبوع من هذه الظروف، أظهرت النتائج أن جميع أنواع خلايا الأمعاء كانت تنشط في أوقات متقاربة ومنتظمة، ما يدل على أن لكل نوع من هذه الخلايا ساعة بيولوجية خاصة به، لكنها تعمل بشكل متناسق مع بقية الخلايا داخل الأمعاء.
ماذا يحدث عند تغيير وقت الأكل؟
عندما غيّر الباحثون نظام التغذية بحيث أصبح الطعام متاحًا فقط لمدة أربع ساعات خلال النهار، أي إجبار الفئران على الأكل في وقت غير طبيعي بالنسبة لإيقاعها الحيوي، لوحظت تغييرات في عمل الساعات البيولوجية داخل خلايا الأمعاء.
في هذه الحالة، بدأت معظم خلايا الأمعاء بتعديل توقيت نشاط جين Per2 ليتماشى مع وقت الأكل الجديد. لكن نوعًا واحدًا من الخلايا، وهو خلايا كاجال (ICCs)، لم يتأقلم مع هذا التغيير، وظل يعمل بإيقاع مختلف وغير متزامن مع باقي الخلايا لعدة أسابيع.
وتشير النتائج إلى أن اختلال التناغم بين الساعات البيولوجية داخل الأمعاء قد يؤدي إلى خلل في الوظيفة الهضمية، وهو ما قد ينعكس سلبًا على كفاءة عمل الجهاز الهضمي بشكل عام.
ويُعتقد أن هذا السيناريو لا يقتصر على التجارب المخبرية، إذ قد يحدث لدى البشر في ظروف معينة، مثل العمل بنظام المناوبات الليلية، أو السفر بين مناطق زمنية مختلفة وما يرافقه من اضطراب في التوقيت البيولوجي، أو حتى عند تناول الطعام في أوقات غير منتظمة، خاصة خلال ساعات الليل.
ويُفسَّر ذلك بأن خلايا كاجال ، التي تلعب دورًا أساسيًا في تنظيم حركة الأمعاء، قد لا تتمكن من التكيف بنفس سرعة بقية خلايا الأمعاء مع تغيّر توقيت تناول الطعام، مما يؤدي إلى فقدان التزامن بينها وبين باقي الأنظمة الخلوية، وبالتالي التأثير على كفاءة عملية الهضم.